حضارات مختزلة في بقع لونية، الفنان فائق العبودي

لبنى ياسين

يقول بيكاسو: “كل طفل فنان، المشكلة هي كيف تظل فناناً عندما تكبر”. 

وفائق العبودي هو أحد هؤلاء الذين استطاعوا أن يظلوا فنانين مع مضي السنين، ويفرض وجود لوحاته بهمينتها الجمالية على المشهد الفني العربي، والغربي على السواء.

ولعل مرد ذلك هو عدم انصياعه نحو الحدائة بمفهومها الفلسفي، بل انتمائه إلى ما بعد الحدائة، حيث أنه لم يدر ظهره لتاريخه، وماضيه، ولم يسع في لوحاته نحو الانفلات من جذوره، بل تمسك بها مقدماً إياها بحلة جمعت بين القديم بأصالته، وبين الحديث بتقنياته، وأدواته، حيث تمكن بحنكة فنية ظاهرة من تطويع مفردات وحروف مسقط رأسه “ميزوبوتاميا” إلى لوحات تحمل الحداثة، بثوب العراقة، متلاعباً بالخامة، والشكل، واللون، والتكنيك، لتعمل كلها معاً على إخراج ما يمكن تشبيهه بالرقيم الموغل في القدم، رغم أنه حديث العهد، والولادة.

ذلك المزيج الذي يولد سيلاً من الأسئلة والاستفهامات لدى المتلقي، ويخلق فيه شكاً يستدعي السؤال غالباً، عن مضمون تلك الرسائل داخل اللوحة، وعما إذا كانت تلك المفردات تشكل نصاً ما.
ولعل كون العبودي فنان كالجرافي أيضاً، بالاضافة إلى كونه تشكيلياً، أكسبه القدرة على تطويع الحروف، وليها، وقلبها، وتغييرها، ليحفرها أو ينحتها على سطوح خاماته المختلفة، من جلد، وقماش، وخشب، ومواد طبيعية أخرى، لتصبح نقشاً جمالياً لا يغادر الذاكرة شكلاً ومضموناً.

لم تبدأ رحلة الفنان منذ البداية بهذا الشكل والمضمون، بل مرّ عمله في بدايته بالمرحلة الواقعية، حيث احتلت الشناشيل أو “الحارات البغدادية القديمة”، حيزا زمنياً لا بأس به في مسيرته، ورغم أن موضوع الشناشيل هو موضوع لعمل الكثير من الفنانين العراقيين، إلا أن العبودي وجد لنفسه تقنية تميز شناشيله عن أعمال بقية الفنانين، باستخدام الألوان الترابية، وبتقنية خاصة تشبه الجرافيك في تلك اللوحات، لكنه بعد تلك المرحلة من رسم الشناشيل بدأ باختزال اللون والشكل-كما يقول الفنان عن تجربته- وبدأ بعملية التجريب في تركيب اللون ، وتغيير الخامة المشتغل عليها حتى وصلت أعماله إلى ما يحاكى الرقيمات الأثرية دون أن يقلدها، فيذكرك بالألواح الأثرية وأنت مدرك تماماً لطبيعة خصوصية أعماله الفنية، حيث يتعمد الإقتراب من تلك التكوينات القديمة بطريقة المعالجة، والمنمنمات، والتكنيك، وحبكة اللون، والحركة، وطبقات الألوان المستخدمة، ويحرص على إعطاء لوحاته عتقاً وقدماً تنسجم بشكل جميل مع الرموز التي يحصل عليها من المصادر التاريخية، ومن الذاكرة بما جمعته خلال سنوات من المشاهدة والتجريب والدراسة والخبرة، فتبدو كما لو أنها ألواح أثرية أخرجت للتو من حفريات التنقيب، لكن تنوعها اللوني يجعلها حداثية بشكل يثير الدهشة من جمالية تلك الثنائة “القديم والحديث”.

وعند سؤاله عن ولادة الفكرة، عن المرحلة ما قبل اللوحة، يخبرنا بأنها تولد صغيرة من خلال حالة خاصة أشبه بالمخاض، تملؤه بالمشاعر والأحاسيس المتضاربة، فيجهزخامته ، ويبدأ في رحلة التأمل، متخيلاً الدهشة الجديدة التي عليه أن يختلقها على صدر اللوحة الفارغة التي تنتظره، وعلى هذا الأساس يبدأ بالعمل، وقد تتطور تلك الفكرة أثناء العمل، وقد تتلاشى في مرحلة ما ليحل غيرها محلها، وكأن الفكرة هي التي تحركه، تجعله يكمل، ويلغي، يمحو ويعيد، من خلال لعب تلك الفكرة بأحاسيس الفنان، كما لو كانت سيمفونية تتصاعد بهدوء، كما أنها- تلك الفكرة- قد تتوالد خلال سير العمل، فيصبح لديه أفكار للوحات أخرى قادمة، تجبره على الاعتزال والعمل لأيام أو أسابيع دون توقف.

ويتحدث العبودي عن لوحاته التي تتكون من عدة طبقات لونية، متراكبة بعضها فوق بعض بشكل ملموس، تغطي إحداها الأخرى، قد تصل تلك الطبقات حسب الفنان إلى عشرة طبقات أحياناً، كل طبقة أو جزء فيها عبارة عن لوحة صغيرة إن أنت حاولت تأطيرها في خيالك وعزلها عن بقية الأجزاء اللونية.

وهنا يكمن التحدي في أعمال العبودي ، فالجزء يمكن أن يصبح كلاً متجانساً مكتملاً بمفرده، دون أن يكون منفصلاً عن الكل عندما تنظر إليه على أنه جزء من هذا الكل، وانتاج جزء فني مستقل بذاته، ثم جعله قطعة في فسيفساء كاملة بكل ذلك التناغم والتناسب أمر ليس بهين، يلزمه الخبرة والموهبة والإحساس والتوحد في كينونة اللوحة حتى لحظة توقيعها، وإطلاقها كعمل فني متكامل، حيث يسبب كل ذلك قلقاً كبيراً للفنان، منذ بداية مشروعه الفني المتمثل باللوحة في كل مرة، وحتى توقيعها وولادتها بشكلها النهائي.

أما عن الألوان، فألوان العبودي تتراوح بين الترابية، والألوان الحارة، وكأنما يثبت بالباليت الخاصة به مقولة أن الفنان ابن بيئته، حيث يستقي من الشرق حرارتها، ومن الآثار ترابيتها. لكنه رغم ذلك يبقى متنوعاً في الباليت اللونية التي يستخدمها، خصوصاً وأنه يغير من تركيبة ألوانه كيميائياً ليطوعها تماماً لموضوع لوحته، هذا التدخل الكيميائي في تركيبة الألوان جاء أيضا كما هي تقنياته وأشكاله وطبقاته ورموزه، نتيجة أعمال البحث والتجربة المستمرة خلال سياق العمل.

ولكي يوقع العبودي لوحاته، يحتاج إلى مساحة زمكانية تفصله عنها، فيغادرها إلى يوم آخر، يعود إليها وقد نفضها عن ذاكرته قليلاً بالابتعاد، ليراها مرة أخرى، ويجري حواراً معها، ينتهي إما بإضافات أو الغاءات، وإما بالتوقيع، لتقف مكتملة على الحائط مقابل المتلقي، تنقل إليه رائحة دجلة، وصوت الناي، وصورة حضارة بأكملها مختزلة في بقعة لونية لا تتجاوز مساحة لوحة.

بقي أن نذكر أن العبودي.. أقام حوالي ثلاثين معرضاً شخصياً، بالإضافة إلى جدارية  تحمل كلمة السلام كعنوان، وكمعنى للكلمة التي كتبت باللغة المسمارية في إحدى ساحات ضواحي سويسرا.

Leave a Reply