
الرّسالة الثّانيّة والعشرون
تحت سقف الخيمة؛ ينازِعُني ألفُ هاجسٍ؛ فأواجهها كلّها بملامح طلّتِكَ الأخيرة.
بسَرَحان عينيكَ اللتين ترك السّهدُ عليهما ماترك.
بعظام وجنتيك اللتين تختصران الثّبات على الجوع والخوف ونقص الأنفس والثّمرات
بلون بشرتك الذي صار مائلا للشّحوب، لكنّه مايزال يحمل سحنته الفلسطينيّة التي تجمع لون القمح وعطر التّراب…
تحت سقف الخيمة؛ ينازِعني الخوفُ ويبكيني فرَقًا وهمًّا على أخويّ الصّغيرين، وعلى عيون كلّ الصّغار التي تنتظر شروق شمس الطّفولة في سماء غزّة من جديد، وبين هذا وذاك خوفي عليك، على حكايتنا التي أريدُ لها عمرًا آخر أستردّ به ماأضعته على قلبي وماأضعته عليك.
تحت سقف الخيمة، ينازعني الدّمار؛ فأدفنُ في داخلي كلّ أمل لي بالعودة إلى جباليا، فدرب الإياب صار مدفنًا للشّهداء وللمنازل وللشّوارع وللمركبات ولكلّ غرسٍ كان ينتظر موسم القطاف..
تحت سقف الخيمة، ينازِعُني الغثيان، فيغلبني أحيانًا؛ ويبيدُ ماأحاولُ ترميمه في مجاهل الرّوح.
فابعثْ لي طيفَك كي احاولَ ترميم صفير الرّيح في صحراء الأمل.
وابعثْ لي همسةً تربتُ على كتفيّ كي أحاول ترميم وقتي الموزّع بين الصّمت والإبادة ..
فتحتَ سقفِ الخيمة وأمام أوتادها؛ صار خوف الإبادة ينازِعني؛ فهي لم تعد تبعث رائحة الأشلاء فقط، لقد تعدّت الكثير الكثير في معناها وعبرت حدود معاني الجريمة والرّذيلة والخسّة؛ فلقد اختصرت غزّة كل حروب التّاريخ على ارضها وكأن مبتدأ الحروب على الأرض قد أفاقت أوّل ماأفاقت على ويلاتها في أرض غزة …
فقل لعينيك أن لو التقينا من جديد أن لاتحمّلاني مالاطاقة لي به وأن لاتطلبا منّي صبرًا على حياة الإبادة التي صارت تحملُ لونَ الجوع والخوف واليتم والثّكل والهوان والاغتصاب …
اقسم لك أنّ الجوع لم يكسْرني؛ مادام مؤقتًا، ومادمنا في ذاكرة أهل الخير، ورزق الله خيرٌ وأبقى…
اقسمُ لك أنّ الهوان لم يفتَّ في عضدي مادام مقدّرًا، وعزّتنا محفوظة عند ربٍّ كريم..
ولكنّه الرّعب من الاغتصاب الذي بات يقتربُ رويدًا رويدًا
لكنّه الاغتصاب الذي صار الخوف منه؛ يخطف نومي ونوم كلّ غزّاويّة، فلم يعد النّوم يجد سبيلًا مطمئنًا في خِيَمِنا وشوارعنا المنتهكة والمجرّدة من مظاهر العمران والحياة …
فلو دنّسني الأعداء لاسامح الله؛ فكيف ستعانق عيناي عينيك إنْ التقينا من جديد!!
كيف سأخطّ لك رسالة بحروفي العذراء
كيف سيكون لون ظلّي على جدار الخيمة؟
كيف سينمو الأمل في أحداقي
كيف سأرسمُ ضحكة طفلٍ آتٍ
كيف سأطلب من أشجار الورد أن تزهر في مرابع جباليا وتسافر بعطرها لدير البلح
كيف سأكتب لك بأنّي أغار عليك منّي
وكيف سينتثرُ الدّلال العربيّ من مكحلتي ومن دلّة القهوة؟ وهل سأبقى محبّةً لشكل الخيل والسّيف وكل ماقالته العرب عن أسنّة الرّماح؟
وكيف سأذبحك بطفولتي وبنقائي
وأنت…
هل ستبقى عاشقًا لديوان الحماسة؟
هل ستظلّ مفتونًا بوقعة عمورية؟
أم ستوصد كتب التّاريخ على آخر فصل من أيّام سؤدد العرب، وترتحل بكلّ أحزانك إلى زمان النّبوّة ووقعة بني قينقاع التي مازلنا نتدرّع بها كرامةً وعنفوانا وعزّة. أم تراك ستخجلّ من النّبيّ فتختار للرّحيلِ، زمان معركة عين جالوت؛ لتبقى محاصرًا بالكرامة التي تسربت من رمال العرب منذ خمسةٍ وسبعين عامًا من الهوان تلو الهوان حتّى صاروا كالحطب فيمارس الأعداء بهم مهنة الحطّاب..
حتّى صاروا رمادًا يبيعه الأعداء في أسواق الوقود، فلم يجيدوا –لشدّة هوانهم- سوى إشعال الصّمت في نار الإبادة…
18 رمضان 1445
28 آذار 2024
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل