أدبُ الأطفالِ العربيُّ من المخاضِ إلى الولادةِ

ثريَّا نعمان ماهر

مرَّ ميلادُ أدبِ الأطفال بثلاثِ مراحلَ رئيسة هي مرحلةُ التَّرجمة والتَّعريب والاقتباس ثمَّ التَّجريبُ الفنِّيِّ فمرحلةُ التَّأصيل الَّتي رسَّخت دعائمه وحدَّدت هُويَّته فنَّاً أدبيَّاً ذا ملامحَ واضحة.

شهدت أواخر القرن التَّاسع عشر انطلاق دعواتٍ إصلاحيَّة هدفت إلى تحرير المجتمع العربيِّ من التَّخلُّف الَّذي كان يرزح تحته. وقد أسهمت جهود إصلاح التَّربية والتَّوجيه في ترسيخ ركائز أدب الأطفال العربيِّ، وكان من أبرزها دعوةُ الشَّابِّ الوطنيِّ مصطفى كامل (١٨٧٤ – ١٩٠٨) في مجلَّته «المدرسة» الَّتي صدر أوَّل عدد منها عام ١٨٩٣ وافتُتح بقصيدةِ «لبني الوطن» لشاعر النِّيل إسماعيل صبري. كان مصطفى كامل حينذاك طالباً في مدرسة الحقوق ثمَّ غدا لاحقاً زعيماً وطنيَّاً. 

وما إن ظهرت الدَّعوة إلى ابتكار أدبٍ موجَّهٍ إلى الطِّفل العربيِّ حتَّى انطلقت مسيرة الإنتاج الأدبيِّ غزيرةً متنوِّعة وعلى درجةٍ عاليةٍ من الأصالة. كانت دعوةً واعيةً وجاءت الاستجابة لها واعيةً ومسؤولةً إدراكاً لأهمِّيَّة بناء وجدان النَّشء وتشكيل وعيِه. حتَّى إذا ما حلَّ عام ١٩٣٠ ظهر مصطلح «أدبيَّات الطِّفل» في الدَّوريَّات العربيَّة إيذاناً بتأصيل هذا الفنِّ بوصفه نوعاً أدبيَّاً مستقلَّاً.

الرَّوافد

استقى أدبُ الأطفال العربيِّ مادَّته من روافدَ متعدِّدة من أبرزها الحكايات الأجنبيَّة ولا سيَّما خرافاتُ الأديب الفرنسيِّ جون دو لافونتين على ألسنة الحيوان والطَّير، والتُّراثُ الإسلاميُّ وما فيه من قيمٍ تربويَّةٍ سامية، والموروثُ الشَّعبيُّ الزَّاخرُ بالقصص والحكايات وفي مقدِّمتها «كليلة ودمنة»، والمجتمعُ وما يزخر به من قضايا وتجارب، إلى جانب تجربة الأديب الشَّخصيَّة وما تعكسه من رؤى وخبرات.

البدايات

اتَّسم التَّأليفُ الأدبيُّ العربيُّ للأطفال في باكورته بطابعٍ تعليميٍّ تربويٍّ فقد كان أدباً مدرسيَّاً يهدف إلى الوعظ والتَّوجيه والتَّهذيب في أسلوبٍ مسلٍّ محبَّبٍ إلى الصِّغار. ومن اللَّافت أنَّ النَّظم تفوَّق على النَّثر في هذا المضمار، كمَّاً ومستوىً، فكان الشِّعرُ أسبقَ الفنون إلى مخاطبة الطِّفل العربيِّ.

الرُّوَّاد *

رفاعة الطَّهطاويّ (١٨٠١ – ١٨٧٣): هو رائدُ الالتفات إلى أدب الأطفال والكتابة فيه؛ إذ يُنسب إليه نظمُ أوَّل قصيدةٍ عربيةٍ موجَّهةٍ إلى الصِّغار، وهو أوَّل من ترجم قصص الأطفال من الإنجليزيَّة والفرنسيَّة إلى العربيَّة. وخلال تولِّيه مسؤوليَّةَ التَّعليم في مصر أقرَّ قراءةَ القصص في المناهج الدِّراسيَّة، وأوعزَ بترجمة كتبٍ أجنبيَّةٍ تميل إليها أذهان التَّلاميذ، فأرسى بذلك أسس مناهج تعليميَّة تتضمَّن القصص. في سنة ١٨٧٠ أصدر أوَّل مجلَّةٍ عربيةٍ تُعنى بالأطفال والنَّاشئة هي «روضة المدارس المصريَّة». وفي سنة ١٨٧٥ أصدر كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين» وضمَّنَه نصوصاً شعريَّةً ونثريَّةً ذات طابعٍ تربويٍّ. كانت باكورةُ ما ترجم روايةَ «مواقع الأفلاك في وقائع تليماك» عن رواية تهذيبيَّة لفرانسوا فنلون، وفنلون هذا كان رئيس أساقفة كمبراي في شمالي فرنسا بين عامَي ١٦٩٥ و  ١٧١٥، وهي رواية تناسب النَّاشئة، وقد صدرت ترجمتها سنة ١٨٦٧. ثمَّ نشر قصصاً تناسب الأطفال الصِّغار في كتاب «حكايات للأطفال» و «عقلة الإصبع». 

محمَّد عثمان جلال (١٨٢٨ – ١٨٩٨): رادَ التَّرجمةَ والتَّعريبَ في أدب الأطفال العربيِّ، إذ مهَّد الطَّريق لهذا الفنِّ بإصدار ديوانه «العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ» الَّذي حوى شعراً حكائيِّاً تعليميَّاً ترجمه عن خرافات لافونتين، ويرجَّح أنَّ أوَّل طبعة من هذا الكتاب ظهرت بين عامَي ١٨٤٩ و ١٨٥٤، وهي طبعة حجريَّة. وظهرت طبعته المسماريَّة الأولى سنة ١٨٨٥.  قال في خاتمته:

فكلُّ ما قِيلَ عن البهائمِ     مقصدُهُ التَّعليمُ لابنِ آدمِ

أُقرَّ الدِّيوان على طلَّاب المدارس الابتدائيَّة في مصر عام ١٨٩٤ وبقي في المناهج أكثر من نصف قرن، وقد أخذ النُّقَّاد على صاحبه تضمينَه قصائدَ ومقطَّعاتٍ بالعامِّيَّة المصريَّة وعدُّوا ذلك خروجاً على الفصحى الَّتي يُفترض أن تكون الوعاء اللُّغويَّ للتَّربية والتَّعليم.

رزق الله حسُّون (١٨٢٥–١٨٨٠): هو رائدُ البدايات؛ فقد كان من أوائل من وجَّهوا الكتابة الهادفة إلى النَّاشئة، وهو عند بعض الباحثين واضعُ اللَّبِناتِ الأولى لأدب الأطفال في سورية والوطن العربيِّ؛ فقد أصدر سنة ١٨٦٧ كتاب «النَّفَثات» الَّذي يُعَدُّ من بواكير المؤلَّفات العربيَّة الحديثة المخصَّصة للأطفال. حوى الكتاب قصائدَ وحكاياتٍ منظومةً ذات أهدافٍ أخلاقيَّةٍ وتعليميَّةٍ، حاكى في بعضها أسلوب الأديب الفرنسيِّ لافونتين في عرض الحكم والمواعظ على لسان الحيوان. 

عبد الله فريج: في سنة ١٨٩٣ أصدر كتاب «نظم الجمان في أمثال لقمان» الموجَّه إلى التَّلاميذ، وضمَّنه خمسين أرجوزة أبطالُها الحيوان والطَّير والحشرات والإنسان وجاء في آخر كلٍّ منها بمَثَلٍ من أمثال لقمان الحكيم.

أحمد شوقي (١٨٦٩–١٩٣٢): هو رائدُ التَّأصيل الفنِّيِّ لأدب الأطفال العربيِّ. ابتكر أناشيدَ وحكاياتٍ تعليميَّة على لسان الحيوان والطير نُشرت في ديوانه «الشَّوقيَّات» الَّذي ظهرت طبعته الأولى سنة ١٨٩٨.

جرجيس شلحت (١٨٥٦–١٩٣٨): نشر كتابَه «النُّخبة من أمثال فنلون» سنة ١٩١٠، وصاغ فيه الحكايات بأسلوبٍ مبسَّط شعراً ونثراً ووصفها بالعِظات فجمع بين العِبرة والمتعة. وقد وَجدتْ بعضُ حكاياته طريقها إلى الكتب المدرسيَّة. 

إبراهيم العرب (١٨٥٠ – ١٩١١ ): صدر كتابُه «آداب العرب» سنة ١٩١١ في القاهرة، وحوى تسعاً وتسعين حكايةً شعريَّةً ذات طابعٍ تربويٍّ، وأُقرَّ تدريسه في المدارس الابتدائيَّة للبنين والبنات وفي مدرسة المعلِّمات السَّنيَّة ومدارس معلِّمي الكتاتيب. وقد جارى المؤلِّفُ السَّابقين من كتَّاب العرب وأدباء الغرب.

خليل مطران ( ١٨٧٢–١٩٤٩): دعا بحماسة إلى الكتابة للأطفال، وكتب أشعاراً تربويَّةً وحكايات شعريَّة موجَّهةً إلى الأطفال والنَّابتين، أي الفتيان، نُشر أكثرها بعد وفاته، نشرها أخوه ألبير مطران. وتناول أيضاً، بأسلوبٍ شيِّق جزل، موضوعاتٍ إنسانيَّةً تنمِّي في الصِّغار القيمَ النَّبيلة والذَّوق الرفيع.

عليّ فكري: (١٨٧٩- ١٩٥٣):  أسهم في الأدب التَّربويِّ بإصداره «النُّصح المبين في محفوظات البنين» و«تربية البنين» و«تربية البنات» سنة ١٩١٦، ومؤلَّفات أخرى في الإرشاد والتَّوجيه. 

معروف الرُّصافيّ (١٨٧٥–١٩٤٥): رادَ أدبَ الأطفال في العراق، وكانت أولى قصائده لهم «تنويمةُ الأمِّ لطفلِها» الَّتي نشرتها مجلَّة «المرأة الجديدة» سنة ١٩٢٣. اتَّسم شعره بالنَّزعة التَّنويريَّة، وله كثيرٌ من القصائد والحكايات المنظومة المنشورة في المجلَّات المدرسيَّة والمجلَّات الَّتي كانت تُعنى بالتَّربية والتَّعليم، كمجلَّة «الفتوَّة البغداديَّة» و «مجلَّة التِّلميذ العراقيّ».  وأصدر كتاب «الأناشيد المدرسيَّة» سنة ١٩٢٣، وديوان «تمائم التَّربية والتَّعليم» في أربعينات القرن الماضي.

محمَّد الهرَّاويّ (١٨٨٥–١٩٣٩): واحدٌ من أبرز روَّاد شعر الأطفال بل لعلَّه الأبرز؛ فقد انفرد بنوعٍ من النَّظم السَّهل ابتكره للأطفال، وهو أوَّل من أصدر ديواناً شعريَّاً للطُّفولة في مراحلها المختلفة. صدر له من دواوين الشِّعر  «سمير الأطفال للبنين» سنة ١٩٢٢ و «سمير الأطفال للبنات» سنة ١٩٢٣، ثمَّ «أغاني الأطفال» سنة ١٩٢٨ وفيه نغمات موسيقيَّة للأغاني، و “الطِّفل الجديد” و “أنباء الرُّسل”. وكتب عدداً من التَّمثيليَّات والمسرحيَّات التَّربويَّة. وهو صاحب التَّرنيمة الرَّقيقة الشَّهيرة: 

نمْ في سريرِك يا مَلَكْ  

أنتَ الفتى ما أجمَلَكْ

ما في الثَّرى أو في الفَلَكْ  

لكَ مُشْبِهٌ حتَّى القَمرْ

حليم دَمُّوس (١٨٨٨–١٩٥٧): كتب أناشيدَ وقصائدَ للأطفال اعتمدتها الكتب المدرسيَّة، وهو صاحبُ قصيدة «لغتي الجميلة» أو «لغة الضَّاد» الَّتي مطلعها:

لا تَـــــلُمْني في هــــــــــواهـــــــا          أنا لا أهوى سِواها

لستُ وحدي أفتديها          كلُّنا اليومَ فِــــــــــداها 

كامل الكيلانيّ (١٨٩٧–١٩٥٩): هو رائدُ قصصِ الأطفال في الأدب العربيِّ الحديث. أسَّس مكتبةً قصصيَّةً أصيلةً متكاملةً موجَّهةً إلى الأطفال، وقسَّم إنتاجه القصصيَّ إلى أربع مراحل عمريَّة هي: مرحلة رياض الأطفال، ومرحلة الطُّفولة المتوسِّطة، ومرحلة الطُّفولة المتأخِّرة، والمرحلة الثَّانويَّة، وجعل في نهاية كلِّ قصَّة شعراً هادفاً من نظمه. ونظم بعض قصصه شعراً يناسب مدارك الصِّغار. أصدر أوَّل قصصِه «السِّندبادُ البحريُّ» سنة ١٩٢٧. وقد أحصى له الدَّارسون مائةً وستَّاً وتسعين قصَّةً.

خليل السَّكاكينيّ (١٨٧٨–١٩٥٣): هو رائدُ القصَّة التَّربويَّة للأطفال في فلسطين، وله اليد الطُّولى في تطوير الأدب التَّعليميِّ. وضع كتاب «الجديد في القراءة العربيَّة« وصاغ كثيراً من قصصه وشعره، وهو كتابٌ منهجيٌّ صدر في القدس في أربعة أجزاء بين عامَي ١٩٢٤ و١٩٣٣. 

محمَّد إسعاف النَّشاشيبيّ (١٨٨٢–١٩٤٨): هو عميدُ أدباءِ فلسطين، وكان من الرُّوَّاد الأوائل الذين وضعوا لبناتٍ أساسيَّةً في أدب الأطفال العربيِّ. كتب وألَّف للأطفال صغاراً وناشئةً؛ فنظم الأناشيد والقصائد التَّعليميَّة، ونشرها في مجلَّاتٍ وصحفٍ أو في كتبٍ مدرسيَّة قاصداً تنميةَ حسِّهم اللُّغويِّ وتعزيزَ انتمائهم الوطنيِّ. أصدر كتابه «البستان» للأطفال الصِّغار عام ١٩٢٤ وحوى الشِّعر والنَّثر. ومن آثاره المفقودة مخطوطة أراد أن تكون ذخيرةً لطلَّاب المدارس سمَّاها «حماسة النَّشاشيبيِّ» سار فيها على نهج «حماسة أبي تمَّام».

جميل سلطان (١٩٠١–١٩٨٠): شاعرٌ رائدٌ ارتبط اسمه بمحاولات التَّأسيس لشعر الأطفال في سورية منذ عام ١٩٢٧. كان غزير الإنتاج. نشر قصائد الأطفال في الكتب المدرسيَّة ولم يُفرد لها ديواناً، ونشر مختاراتٍ منها في كتاب “الاستظهار المصوَّر” الَّذي ألَّفه بالمشاركة مع مربِّيَينِ اثنين وصدر عام ١٩٣٢. 

محمَّد عبد الرحيم تِرَّة (١٨٨٨–١٩٣١): صاحبُ كتاب «زعموا أنَّ» المعروف بـ«كليلة ودمنة بالصُّور» وهو شعرٌ قَصصيٌّ موجَّهٌ للأطفال يجمع بين التَّرجمة والأصالة، وقد صدر عام ١٩٣١ بعد وفاة مؤلِّفه.

جسماني شقرا (؟-١٩٤٨): أوَّلُ من كتبت للأطفال من الشَّاعرات العربيَّات، وكان شعرها أصيلاً غير مترجم، نُشر عام ١٩٣٤ في مجموعةٍ شعريَّةٍ عنوانها «روضة الأطفال».

عبد الكريم الحيدريّ (١٩١٠- ١٩٨٦): من الأدباء الرُّوَّاد الَّذين كتبوا للطِّفل شعراً ونثراً. من بواكير إصداراته ديوان «حديقة الأشعار المدرسيَّة» الَّذي نشره في حلب سنة ١٩٣٧ وكتاب »المحفوظات الطَّريفة«.  وله إسهامٌ بارز في مسرح الطِّفل.

إنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء الرُّوَّادِ المؤسِّسين قد بذر بذرةً في تربةِ أدبِ الطُّفولة، وتعاهدها اللَّاحقون بالرِّعاية حتَّى نبت الغرسُ واستوى على سُوقِهِ وآتى أُكُلَه يانعاً. غيرَ أنَّ أدبَ الأطفالِ اليومَ قد أُقصيَ إلى هامش الاهتمام، وبعد عقودٍ من الجني الدَّاني أضحى بستانُ الطُّفولة مُجدِباً إلَّا من قليلٍ من الثَّمرات لعلَّها تكون نواةَ نهضةٍ جديدة تُنقِذُه من أن يغدو خاوياً على عروشِهِ.

المصادر:

الصَّفديّ، بيان. (2008). شعر الأطفال في الوطن العربيِّ: دراسة تاريخيَّة نقديَّة. دمشق: الهيئة العامَّة السُّوريَّة للكتاب، وزارة الثَّقافة.

زلط، أحمد. (1998). أدب الطِّفل العربيّ: دراسة في التَّأصيل والتَّحليل. دار هبة النِّيل للنَّشر والتَّوزيع.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply