التعليم في العراق 

الصورة لإحدى المدارس العراقية في الالفينات

نادية الجادر

شهد التعليم في مراحل تطور ملحوظة العراق خلال مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أعقبتها فترات تراجع نتيجة الحروب والحصار الاقتصادي. كان العصر الذهبي للتعليم في العراق في السبعينيات وأوائل الثمانينيات. ففي أوائل السبعينيات أقرّت الحكومة العراقية مجانية التعليم في جميع المستويات (من الابتدائي إلى العالي) فكانت كتب الدراسة توزع مجاناً لطلبة الابتدائية، وتوزع 60% من كتب الدراسة الثانوية مجاناً. وجعلت الحكومة التعليم إلزاميّاً في المرحلة الابتدائيّة. وفي أواخر السبعينيات أُطلق مشروع مهمّ رائد تحت رعاية اليونسكو للقضاء على الأمية فانخفضت نسبتها انخفاضاً كبيراً في جميع أنحاء العراق. 

في عام 1977 أعلنت منظمة اليونسكو أن التعليم في العراق هو الأفضل في الشرق الأوسط، وأنّه حقق مستويات متقدمة تضاهي الدول الاسكندنافية..

              ولكن في مرحلة  الحرب والحصار الذي امتدّ من النصف الثاني من الثمانينيات حتّى العام 2003تعرض التعليم إلى انخفاض الإنفاق بسبب الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) ثم حرب الخليج الثانية والحصار الاقتصادي إذ انخفض الإنفاق على التعليم بشكل كبير، وجرى تحويل الموارد نحو الإنفاق العسكري. 

 وتراجعت البنية التحتية أيضاً إذ تضررت مدارس وجامعات كثيرة، وأخذت البنية التحتية التعليمية بالتقادم نتيجة نقص التمويل و استمرّت إلى 2003.

والاسوأ من هذا كلّه كان هجرة الكفاءات، فقد شهدت مرحلة التسعينيات هجرة واسعة للكفاءات والأكاديميين العراقيين إلى خارج البلاد لأسباب عدّة في مقدّمتها سوء الأوضاع الاقتصادية . 

هيكليَّة النّظام التَّعليميّ قبل 2003

وزارة التربية: كانت مسؤولة عن مرحلة الروضة والتعليم الابتدائي والثانوي والمهني.

وزارة التعليم العالي: كانت مسؤولة عن الجامعات ومراكز البحوث.

المراحل: تمتدّ الدورة التعليمية على اثني عشر عاماً (ستّة في الابتدائية، ثلاثة في المتوسطة، ثلاثة في الثانوية/الإعدادية)

تميز التعليم العراقي قبل عام 2003 ببنية تحتية قوية ومناهج رصينة في البداية، غير أنّه تعرض لانتكاسة تدريجية خلال عقدين من الحروب والحصار اللذين أثرا على جودته وكوادره لكنه ظل أفضل من حيث التأسيس مقارنة بالسنوات اللاحقة.

المدارس الأهليَّة/الخاصَّة

بعد عام 2003 ازداد عدد المدارس الأهلية في العراق وعلى الرغم من تكاليفها الباهضة فإنَّ كثيرين يرون في هذه المدارس ما هو إيجابي في خضم هبوط مستوى التعليم في المدارس الحكومية بسبب نقص الكوادر التدريسية والاضطرار إلى الاعتماد على الدروس الخصوصية لاستكمال المناهج وتلقينها بشكل صحيح، وتقادم مباني  المدارس، وسوء معاملة الطلاب.

يلاحَظ انتشار كثيف للإعلانات الخاصة بالمدارس الأهليّة في شوارع العاصمة بغداد والطرقات العامة وتقاطعات المرور، وهو ما يشير إلى أن الخدمات في هذه المدارس لم تعد تقتصر على الطبقة الغنية فقط بل صارت تمثل حاجة ضرورية لكثير من الأسر وصار الأهل يقتطعون من دخلهم لتسجيل أولادهم فيها خشية من بقاء أولادهم في المدارس الحكومية، فكثير من أبنية المدارس الحكومية غير صالح وكثير منها لم يعد يوفّر التعليم الجيد أو حتى المتوسط برغم وفرة المدرسين والمعلمين. وتختار بعض الأسر المدارس الأهلية رغبةً في التطور أو الارتقاء اجتماعياً.

هذه المدارس الأهلية -التي برزت بديلاً للمدارس الحكومية المتدهورة – لديها إجازات رسمية وموافقات أصولية من وزارة التربية، وتتعامل مع التلاميذ بنهج أحدث ينعكس إيجاباً على مسار العمل التعليمي والتربوي وآلية الامتحانات على الرغم من أن المناهج التي تُدرَّس فيها مماثلة لتلك في المدارس الحكومية. كما أنَّ المدارس الأهلية أكثر التزاماً بالنظافة والزي الموحد ووجبات الطعام خلال الاستراحات.

  المدارس الأهلية المسجَّلة قانونياً تطبّق الشروط التي تفرضها المدارس الحكومية في قبول التلاميذ، وتخضع لقوانين وضوابط العمل ذاتها وبضمنها التعامل مع حالات الرسوب. أمّا رسومها فتختلف بين المدارس والمناطق والمحافظات لكنها متقاربة إلى حد ما، تبدأ بمليون ونصف المليون دينار سنوياً (ألف دولار) وتصل إلى ثلاثة ملايين دينار (ألفين ومائة دولار).

ما يميز المدارس الأهلية جودة التعليم فيها والذي يوفره مدرِّسون بينهم أوائل على دفعات خريجي كليات التربية والتعليم العالي، ومتقاعدون يملكون خبرات كبيرة في التعامل مع مواد التدريس.

 لكن يعيبها أن وسائل الراحة فيها قليلة محدودة لأن مبانيها صغيرة، فكثير منها منشآت كانت مهجورة وجرى ترميمها، لذا تخلو عادة من مساحات للعب الأطفال توفّرها المدارس الحكومية. ومعظم مباني المدارس الأهلية تتألف من خمس أو ست غرف، ولا تتضمن أحياناً غرفة خاصة بالمدير وهي لا تمارس دورها التربوي بالكامل.

الانفتاح في التعليم والتربية أمر جيد ما لم يكن على حساب الرصانة العلمية. وعلى الرّغم من جودة التّعليم فيها يواجه عدد غير قليل من المدارس الأهلية مشكلةً كبيرة هي نسب النجاح العالية في مراحل الصفوف غير المنتهية بينما ترتفع نسب الرسوب في المراحل المنتهية (البكالوريا). ولمواجهة هذا الخلل الذي يكشف عن أزمة تربوية وتعليمية تبادر بعض هذه المدارس إلى سحب الطلاب المتفوقين من المدارس الحكومية عبر توفير النقل والإعفاء من الرسوم كي تنسب التفوق الدراسي إليها. في هذه المدارس التي بات قسم منها يوصف بأنه تجاري. 

إذا قلنا إن تجربة المدارس الأهلية قد نجحت في العراق وإنَّ التنافس بينها مفيد لتقديم خدمات التعليم وإنَّها باب رزق لخرّيجين كثيرين من كليات التربية ومن الذين يحملون شهادات دراسات عليا، فلا بدَّ أن ننتبه أيضاً إلى أن ما لا يقل عن خمسين في المائة منها مشاريع تجارية تهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق أرباح مالية.

 تطوير التَّعليم في المدارس الحكوميَّة

في شباط الماضي 2025 أعلنت وزارة التخطيط عن بناء أكثر من 1800 مدرسة في محافظات العراق خلال العام الماضي بهدف تخفيف أزمة قلة المباني المدرسية التي يعاني منها البلد، وحلّ مشكلة تكدس الطلاب والدوام المزدوج الصباحي والمسائي. شملت المباني المنجزة رياض أطفال ومدارس ابتدائية ومتوسطة وإعدادية، وقاعات تدريس وأجنحة إدارية، وتوزعت في المحافظات، أكثرها في البصرة ( 444 مدرسة)، ثم نينوى (346)، فبغداد (214) فالأنبار (176) وبابل..

 وأعلن وكيل وزارة التربية فلاح القيسي أن الوزارة تحتاج إلى عشرة آلاف مدرسة لسد النقص، يستغرق إكمال إنشائها خمسة عشر عاماً. وحدد عدد المدارس الطينية في البلاد بنحو مائتين أكثرها في جنوبي العراق، مشيراً إلى أن الدوام الثلاثي يكثر في القرى والأرياف.

ويقر بأن حكومات سابقة ارتكبت أخطاء في عدم صرف ميزانيات مناسبة لوزارة التربية لرفع قدرتها على تأهيل المدارس ورفع مستوى التعليم، مما تسبب في هجرة طلاب منها. 

إنَّ تطوير التعليم ينطلق من تعزيز قدرات المعلمين في المدارس الرسمية ومن دون ذلك تندرج كل المحاولات في إطار مبادرات الترقيع.

مبادرة (انهض/رايز) لدعم التّعليم بعد الغزو الأمريكيّ للعراق عام 2003

(كنت أنا واحدة من ثلاثة مدربين من North America )

كان مشروع رايز (RISE)، وهو اختصار لـ 

(Revitalization of Iraqi Schools and Stabilization of Education) 

أو “تنشيط المدارس العراقية واستقرار التعليم”، مبادرة كبرى أطلقتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) في أعقاب أحداث عام 2003 لإعادة تأهيل النظام التربوي في العراق[P1] .

1.  البرنامج التدريبي للمعلِّمين

تدريب المعلمين: ركز البرنامج على تدريب 33,000 في المرحلة الثانوية في محافظات العراق الثمانية عشرة..

نموذج التدريب (المدرِّبون الرئيسون):

تم البدء بتدريب 380مدرباً مركزياً (Master Trainers) في سبتمبر 2003,والذين قاموا بدورهم بنقل التدريب إلى بقية المعلمين في محافظاتهم[P2] .

  منهجية التدريب: 

ركزت الدورات على أساليب التدريس الحديثة “المتمحورة حول الطالب”

Student-centered learning

والتخطيط للدروس، وتقويم الطلاب، وإدارة الصف، وحقوق الطالب، بدلاً من الأساليب التقليدية السابقة

تدريب القيادات التربوية: 

شمل المشروع أيضاً تدريب قرابة خمسة آلاف من مديري المدارس والمشرفين على التقنيات الإدارية والمالية الحديثة.

الجهة المنفذة: قادت شركةCreative Associates International جهودالتنفيذ بالتعاون مع وزارة التربية العراقية وشركاء دوليين آخرين[P3] .

 إنجازات موازية2.  

تضمن المشروع بالتزامن مع التدريب، إعادة تأهيل آلاف[P4]  المدارس، وتوزيع ملايين الكتب المدرسية

 (خاصة في العلوم والرياضيات)، وتزويد المدارس بالمستلزمات الأساسية كالمقاعد والسبورات.

تميز مشروع رايز  في العراق (2003-2004) بتقديم “حقائب تعليمية” (Educational Kits) شاملة [P5] استهدفت سد النقص الحاد في المستلزمات المدرسية الأساسية، مع التركيز على تحديث الأساليب التربوية.

محتوى الحقائب التدريبية والتعليمية: وزِّعت أنواع مختلفة من الحقائب شملت الآتي

حقيبة المعلِّم (Secondary School Kits):

وزعت حوالي 3,900 حقيبة مخصصة لمعلمي المدارس الثانوية.

الأدوات التعليمية: تضمنت مواد أساسية مثل الأقلام، الدفاتر، المساطر، وأدوات مساعدة في الشرح.

المادة العلمية: تضمنت أدلة تدريبية تركز على أساليب التدريس الحديثة، التخطيط للدروس، وإدارة الصف بعيداً عن الأساليب التقليدية السابقة.

حقيبة الطالب (Student Kits):

وزِّعت 1.5 مليون حقيبة طالب للمساعدة في العودة إلى المدارس. احتوت كلّ حقيبة على اللوازم المدرسية الأساسية (قرطاسية) لتمكين الطلاب من استئناف دراستهم فوراً.

الكتب المدرسية المحدَّثة:

أشرف المشروع على تنقيح وتوزيع أكثر من 8.7 مليون كتاب في مادتي الرياضيات والعلوم تحديداً، لضمان خلوها من الأيديولوجيات السابقة وتوافقها مع المعايير العلمية. 

 مواقع مراكز التَّدريب

لم تكن هناك مراكز تدريب ثابتة في كل محافظة بل اعتمد المشروع على نظام التدريب المتنقل واللامركزي وفق آلية الآتية: 

التّدريب الأساسيّ/المركزيّ: بدأت العملية بتدريب 830 مدرباً مركزياً في مراكز رئيسة خُصِّصت لهذا الغرض في بغداد وبعض المدن الكبرى.

التدريب المحلي: عاد هؤلاء المدربون إلى محافظاتهم ليقوموا بتدريب زملائهم في مراكز تدريب محلية أُقيمت غالباً داخل مباني مديريات التربية في مراكز المحافظات أو في مدارس مختارة جرى تأهيلها لتكون “نماذج” للتدريب..

الانتشار: شمل التدريب المعلمين في أنحاء المحافظات كافة لضمان وصول المنهجية الجديدة إلى كلّ مدرسة.

ختاماً، تبقى المدرسة الرسمية في العراق الأم التي يجب أن تهتم وزارة التربية بها وتلتفت إلى تحجيم ظاهرة المدارس الأهلية.

يرى خبراء أن دخول مستثمرين “تجار” غير متخصصين في التربية أدى إلى تقديم الربح المادي على الجودة الأكاديمية.

تعاني الملاكات التدريسية في المدارس الأهلية من عدم استقرار وظيفي، وأجور لا تتناسب مع مجهودهم، وغياب لامتيازات التقاعد المتاحة في القطاع الحكومي.

ساهمت التكاليف الباهظة في تعميق الانقسام الطبقي، حيث أصبحت جودة البيئة التعليمية من تكييف إلى مرافق نظيفة مرتبطة بالقدرة المالية للأسرة.

إحدى مدارس الأهوار في 1977

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply