
ترجمة عن الفرنسية1مجلة العلوم الإنسانية الفرنسية، غريغوار بروست، العدد 351 اكتوبر 2022 ص(48-50): أسماء كريم
تُتيح الأدوات الرَّقمية الفعَّالة تكييف رحلة التَّعليم مع احتياجات كلّ تلميذ، أو تطوير مهارات التركيز والحفظ. لكن فرنسا ما تزال تتلمَّس طريقها.
احتلَّت التكنولوجيا الرَّقميَّة مكانة كبيرة في الحياة اليوميَّة للشَّباب، سواء في المدرسة أم في المنزل. في سنّ الثانية عشرة عاماً، يمتلك % 84 من المراهقين بالفعل هاتفاً ذكيّاً. ووفقاً لهيئة تنظيم الاتصالات الالكترونيَّة والبريد[1] (Arcep)، يقضي % 70منالأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين إحدى عشرة سنة وأربع عشرة سنة أكثر من ثلاث ساعات يوميّاً أمام الشاشات وهو ما يقابل مدَّة القراءة الأسبوعيَّة ثلاث ساعات وأربع عشرة دقيقة للشباب من سنّ سبع سنوات إلى سنّ الخامسة والعشرين -على الرّغم من حقيقة أنَّ الشباب يقرؤون أيضاً على الشاشات. يُشار إلى أنَّ الوقت الذي يقضيه الطفل خلف جهاز الكمبيوتر أو جهاز لوحي أو هاتف ذكي يتجاوز سبع ساعات في اليوم، يُبْحر على شبكات التواصل الاجتماعي، أو يشاهد مقاطع الفيديو على يوتيوب أو يلعب الألعاب عبر الانترنت.
تُسائلُ هذه الاستخدامات الجديدة للتكنولوجيا الرَّقميَّة رحلة الأطفال المعرفيَّة في المدرسة وخارجها. يتمثَّل أحد التَّحديات في التَّأكد من أنَّ هذا التَّحوّل الرَّقمي إذا ثبُت أنَّه وثيق الصِّلة بمجال التعليم لن يؤدّي إلى تفاوتات تعليميَّة جديدة. نحن نعلم أنَّ المساواة في الوصول إلى الموارد، بغض النَّظر عن البيئة الاجتماعيَّة التي يعيش فيها التلاميذ أمرٌ أساسيٌ ولكنّه لا يُشكِّلُ في حدّ ذاته ضماناً لتقليص هذه الفجوات. إنَّه يتطلَّب، كما هو الحال مع أيّ نهجٍ تعليمي آخر، التفكير في الأنشطة والممارسات المهنيَّة التي من الـمُحْتمل أن تقلّل منها.
مُعِدَّات شخصيَّة أكثر فعاليَّة
أظهرت الأبحاث أنَّ التكنولوجيا الرَّقميَّة يمكن أنْ تحُدَّ من بعض التفاوتات الاجتماعيَّة التعليميَّة. لقد كان لتوزيع الـمُعدَّات، ولاسيما في إطار الخُطَّة الرَّقميَّة لعام 2015، تأثيرٌ إيجابي على تعلُّم تلاميذ الصَّفَّيْن الخامس والرَّابع[2]: حصل التلاميذ الذين يملكون أجهزة الحاسوب أو الأجهزة اللَّوحيَّة في المتوسّط على مَرْكَزيْن أو ثلاثة، في المتوسّط، في فهم اللغة الفرنسيَّة في نهاية السنة الرَّابعة والخامسة، وفي الرّياضيّات في السنة الرَّابعة فقط، وفي المهارات الرَّقميَّة. ونتائجٌ أعلى من تلك التي لُوحِظَتْ في المؤسسات الـمجهَّزة بفصول دراسيَّة رقميَّة متنقِّلة إذ تتمّ مشاركة الأجهزة اللَّوحيَّة. بشكلٍ عام، تستمرّ هذه التأثيرات لمدَّة تصل إلى عاميْن بعد توزيع اللَّوحات الالكترونيَّة (ربح مرتبة واحدة في الفصل)، ويبدو أنَّها تفيد بشكلٍ أكبر التلاميذ الـمُتعلِّمين في المؤسَّسات التي تَسْتَقبلُ أغلبيَّة الأطفال المحرومين اجتماعيّاً. يرجع الاختلاف في تأثير هاتيْن الآليَّتيْن جزئيّاً إلى حقيقة أنَّ الـمُدرِّسين يدمجون التكنولوجيا الرَّقميَّة بشكلٍ أكبر في ممارساتهم المهنيَّة عندما يكون لكُلّ تلميذٍ جهازٌ لوحيٌّ خاصٌّ به.
يوفِّرُ التعليم الرَّقمي كذلك إمكانات تعليميَّة جديدة لإدارة تَبايُن مسارات التَّعلُّم. تبدو تقنيَّات “التَّعلُّم الـمُكيَّف” المدعومة بالخوارزميَّات، والتي تسمح بتعديل الدروس والتمارين وِفْقاً لملف تعريف كلّ تلميذٍ، مُبشِّرَةً بالخير بشكلٍ خاصٍّ. وتشير دراسة شملتْ أكثر من 800 تلميذ، في الصّفِّ الخامس والثالث والأوَّل، أنَّ الأنشطة التَّعليميَّة في الفيزياء والكيمياء وعلوم الحياة والتاريخ والجغرافيا، بمساعدة (عندما تكون مُرَاقَبَة من مُشْرفٍ) تكون أكثر فعاليَّة من التمارين التقليديَّة. لا تمحو التكنولوجيا الرَّقميَّة تأثير الأصل الاجتماعي الذي يُؤثِّر على أداء التلاميذ، لكنّها تساعد على تقليص الفجوات: وبالتالي، فإنَّ التلاميذ الذين ينحدرون من أوساط فقيرة، والذين استفادوا من تمارين بمساعدة حاسوب ينتهي بهم الأمر إلى اللّحاق بمستوى أقرانهم من الأسر ذات الامتياز الذين استفادوا من الأنشطة دون مساعدة رقميَّة[3]. من الواضح أنَّ الهدف من هذا النَّوع من التَّجريب ليس استبدال الـمُدرِّس لأنَّ التعليم بطبيعته يتطلَّب تفاعلات اجتماعيَّة وإنَّما إثراء الـمُمارسات خِدمة لتمايز تربويّ يصعُب أحياناً تنفيذه. ويصدق هذا بوجهٍ خاصٍّ على التلاميذ ذوي الاحتياجات التعليميَّة الخاصَّة (غير النَّاطقين بلغة التدريس، وذوي الاحتياجات الخاصَّة، وذوي صعوبات التَّعلُّم الـمُحدَّدة، وذوي الإمكانات الذّهنيَّة العاليَّة،…إلخ) الذين يحتاجون إلى تَكَيُّف في العمليَّة التربويَّة كي يتعلَّموا بالطريقة التي يتعلَّم بها الآخرون.
ألعاب الفيديو للتَّغلُّب على عُسْر القراءة
إلى جانب تكييف المحتوى والأنشطة التَّعليميَّة، تتيح التكنولوجيا الرَّقميَّة تعزيز المهارات العامَّة جدّاً مثل الذَّاكرة أو القدرة على التَّركيز والتي يمكن تعبئتها في أيّ نوعٍ من أنواع التَّعلّم. من وجهة النَّظر هذه تُعدُّ ألعاب الفيديو أداةً هائلة. كشفتْ دراسة، على سبيل المثال، أنَّ بعض ألعاب الفيديو المعروفة بتطوير مهارات انتباه اللاعبين يمكن أنْ تساعد التلاميذ الذين يُعانون من عُسر القراءة: فهؤلاء، من خلال لعب ثمانين دقيقة يوميّاً لمدَّة تسعة أيَّام سيُحَسِّنون سرعة قراءتهم[4]. وقد لُوحِظَ مؤخَّراً التَّأثير ذاته عند الأطفال الإيطاليّين بعد اثنتي عشرة ساعة من الاستخدام على مدى ستَّة أسابيع للُعبة فيديو التي أدَّت ليس إلى الانتباه فقط بل أيضاً إلى وظائف معرفيَّة مختلفة (الذَّاكرة القصيرة المدى، والتَّحكّم في التفكير الآلي، والقدرة على التَّكيُّف)، وهي التَّأثيرات التي يبدو أنَّه يتمُّ الحفاظ عليها لمدَّة تصل إلى ستَّة أشهر بعد استخدام ألعاب الفيديو الـمُدْمَجـَة في كلِّ فقرات التَّعلُّم.
ونُشير أنَّه يمكن العمل على هذه المهارات الشَّاملة دون استخدام التكنولوجيا الرَّقميَّة في سياق الأنشطة التَّرفيهيَّة، داخل الفَصْل أو خارجه، مع تأثير مماثل نسبيّاً. وهذا ما تمَّ التَّأكيد عليه من خلال نتائج الدّراسة التَّعاونيَّة أو التَّشاركيَّة التي أجراها الـمُدرِّسون عبر منصَّة lea. Fr التَّعليميَّة: التلاميذ الذين لعبوا ربع ساعة يومياً لمدَّة ستة أسابيع في ألعاب مثل: لا نعم، ولا لا/ Ni oui ni non، أو 1،2،3، شمس / 1,2,3, Soleil أو جاك قال / Jaques a dit، حيث يجب على التلاميذ أن يقاوموا ردود الفعل التلقائيَّة (مثلاً: الإجابة التلقائيَّة بنعم أو لا على السؤال: “هل أكلت في المطعم هذا الصباح؟”) يطوِّرون بشكل عامٍّ قدراتهم على مقاومة التفكير الآلي[5]. المهارات اللَّازمة للتَّغلّب على الصّعوبات التي يواجهها التلاميذ في بعض المواقف الـمعقَّدة وفي جميع التَّخصّصات[6]. من قبيل تعلُّم مقاومة الرَّغبة في وَضع الحرف “S” تلقائيّاً في الكلمة المواليَّة في جُملٍ مثل “Je les pilote“.
في النهاية يبدو أنَّ التكنولوجيا الرَّقميَّة تمثّل تحدّياًّ جديداً للمدرسة. وإذا كان غالباً ما يتمّ اتهامها بجذب انتباه التلاميذ وتشتيت انتباههم، فإنَّها يمكن أنْ تشكّل أيضاً خزَّاناً لأدوات مفيدة جدّاً للمجتمع التَّعليمي. سيحتاج البالغون في المستقبل إلى مهارات شاملة ومُسْتدامَة تمكّنهم من التَّكيّف مع التَّغييرات والتَّكوين طوال حياتهم، في عصر تغيُّر المناخ والتَّحوّل الرَّقمي كما تؤكّد اليونسكو[7]. يتطلَّب اكتساب هذه المعارف الأقل انضباطاً والأكثر شمولاً على وجه الخصوص توضيح الآليات المعرفيَّة (الذَّاكرة، والانتباه، والتَّركيز، والتَّحكّم المعرفي، والمعرفة الموازيَّة) والاجتماعيَّة العاطفيَّة (الشّعور بالخطأ، والفضول، والمتعة، والرَّاحة، والمثابرة) في العمل عندما نتعلَّم. ويمكن للتكنولوجيا الرَّقميَّة أنْ تُسهم فيها، شريطة أنْ تستجيب لأهداف محدَّدة بوضوح، وأنْ يُشْرِف عليها مدرِّسون مُدرَّبون على استخدامها.
*Grégoire Borst, Le Numérique, une Chance pour les Élèves, Sciences Humaines, No. 351, Oct 2022
المراجع:
[1] ARCEP, « Equipements et usages numériques : vers un changement structurel ? », Baromètre du numérique,2021.
[2] Direction de l’évaluation, de la prospective et de la performance, « Evaluation multidimensionnelle de l’impact d’équipements numériques mobiles sur les apprentissages des élèves : premiers résultats des effets du Plan numérique de 2015 », notre d’information, n 21-05, février 2021.
[3] Johann Chevalère et al., « Compensating the socioeconomic achievement gap with computer assisted instruction”, Journal on computer Assisted Learning, vol. XXXVIII, n 2, Avril 2021.
[4] Sandro Franceschini et al., “Action video games make dyslexic children read better”, Current Biology, vol. XXIII, n 6, mars 2013.
[5] Marie Letang et al., « Bridging the gap between the lab and the classroom. An online citizen scientific research project with teachers aiming at improving inhibitory control of school-age children”, Mind, Brain and Education, vol. XV, n 1, février 2012.
[6] Olivier Houdé et Grégoire Borst, le Cerveau et les apprentissages, Nathan, 2018.
[7] Tal Gilead et al., Reimagining Education: The International Science and Evidence based Education Assessment, MGIEP, Unesco, MGIEP, 2022.
