Baghdad Architecture ~ الطريقة البغدادية في العمارة وروعتها

مها أسعد عبد الحميد

لقد أهمل الأمناء الذين تناوبوا على أمانة العاصمة العراقية بغداد تراثها ومعالمها وشناشيلها وساعاتها وساحاتها عمدا أو سهوا ماحول بغداد الى المدينة الاسوأ للعيش في العالم بحسب المؤشرات الدولية وانطلاقا من ذلك شرع مجموعة من المتخصصين الى لفت الانتباه الى تلكم المعالم والتراثيات قبل اندثارها والاستمرار في إهمالها.

 من الممكن تعريف التراث بمفهومه العام على وصفه أنه يشكّل حصيلة وتراكم العطاءات الحضارية لمجتمعٍ معينٍ أوللبشرية عبر الحقب التاريخية ومن أصناف التراث الأساسية ما يخص الممتلكات الحضارية غير المنقولة أي الدور والعمائر وما أشبه ذلك وقد اهتم المجتمع العراقي والمهتمين بالفن الأصيل عبر المراحل التاريخية بهذا الإرث التراثي الحضاري وأولوه عناية خاصة إذ تمَّ الانتقال الى الواقع الميداني التنفيذي بهدف تحقيق حماية ذات مستوى عالٍ ، ففضلاً عن صيانة أبنية مهمة مفردة قاموا بإحياء محلات تراثية كاملة أصابتها عوادي الدهر حفاظاً على طرازها الفني ذي الخصائص البديعة وطابعها المحلي.

   ومن أبرز الأنماط المعمارية العراقية ما يُسمّى بالنمط البغدادي، وقد تبلور البيت البغدادي في العهد العباسي، وقد طرأ تغيير طفيف على تخطيطه وتعميمه في الحقب التالية ومنها حقبة الحكم العثماني أمّا مفهوم النمط البغدادي وطريقته في الوقت الحاضر فيسري على الدور القائمة في وسط وجنوب العراق والتي يعود تاريخ تشييدها الى بداية القرن التاسع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين .

جماليات الطريقة البغدادية في العمارة:

   إنَّ دراسة الجوانب الجمالية للبيت البغدادي من شأنها أن تعكسَ جانباً تقنياً من التراث، يساعد المعنيين عل استيحاء العناصر الفنية الأصيلة وبعثها في النشاط المعماري والفني المعاصر، تحقيقاً للهوية العربية والعراقية المتميّزة والرائدة معاً.

   إنّ المعماري والفنان البغدادي قد عممَّ جماليات فئة ليس في الطراز العام حسب ، بل احتوت أبعادها الى أكثر من جانب، كما في الأعمال الخشبية والآجرية والجصّية والزجاجية والمعدنية كل ذلك باالانسجام مع الأغراض الاستخدامية للدار (كوحدةٍ استعمالية ومعمارية معاً).

الأعمال الخشبية:

   استُخدِمَ الخشب في زخرفة واجهات الشبابيك الخارجية وأعطاها تصاميم بديعة متنوعة وهي ما تُسمى (بالشناشيل) ، وجعل من واجهات الشبابيك المطلّة على باحة الدار نسيجاً خشبياً في غاية الدقة والرقة متضمنةً تشكيلات هندسية أو نباتية أحياناً مطعمة بالزجاج الملون أو المرايا أحياناً وأعطى للأبواب طابعاً فريداً في وحداته التشكيلية وسطوحه وتكويناته الهندسية، وأضاف استعمال المطارق والمسامير الحديدية سمة جمالية خاصة الى هذه الأبواب .

   أما ما انفرد به الدار البغدادي من بين الدور المعاصرة له في منطقة الشرق الأوسط والوطن العربي فهو العمود الخشبي ذو التاج المربع المقرنص الجوانب الذي تستقر عليه سقوف الغرف والشرفات متخذةً أشكالاً عديدةً فمنها ما اتصف بنقشةٍ واحدةٍ تغطي أنحاء السقف ومنها ما قُسم الى وحدات زخرفية , وكثيراً ما نرى وسط السقوف يحظى بعنايةٍ خاصةٍ فتكون الزخرفة فيه مكثفةً ومتجانسة بتناغمٍ جميلٍ مع الأعمدةِ وقرنصاتها .

الأعمال الآجرية:

   لم يقتصر المعماري البغدادي في استعماله للطابوق عل الناحية الانشائية ، وإنما استخدمه لأغراض الزخرفة والتجميل وقد خصّص في العديد من الدور جانباً كاملاً لهذه الأعمال ، وكانت أنماط الزخرفة متعددة فمنها البارز ومنها العميق , وكان الطابع الهندسي هو الطاغي , ونجد أيضاً تشكيلات فنية وحدتها الطابوقة الواحدة , كما استُعمل الطابوق كأرضيةٍ للكتابة البارزة ((الآيات والسور أو الأسماء والحِكَم  أو كدلالةٍ على زمن العمل وصاحبه)) حتى شكل الطابوق بذاته في تعدديته وتماثله نسيجاً جميلاً متناغماً في جدران البيوت والمساجد ذات الطرز البغدادي ، وقد استُخدم الآجر لإقامة العقود والأقبية والقباب في السرداب والمداخل الرئيسسة ، معززة بالتشكيلات الهندسية ، وقد ساهمت الأعمال الآجرية في تطور المقرنصات (الدلايات) التي نجد تشكيلاتها تحمل معانٍ انشائيةٍ لاتقف عند حدِّ الزخرفة التكعيبية الظاهرة ، بل تتعداها الى ما يُمكن احتسابه من جملة الإبداعات المعمارية العراقية التي عمّت العمارة العربية الإسلامية .

الأعمال الجصّية :

   وفي البيت البغدادي استُخدمت جمالية متعددة للجص ، ففضلاً عن الأقواس والحنايا المتوافرة في أنحاء الدار استُخدم الجص لصنع الزخارف النباتية وصور الحيوان ، التي تكوّن شريطاً أنيقاً يحيط بحنايا وكوى الغرف الرئيسة .

   وطُعِّمَت الأعمال الجصّية أحياناً بالألوان ، كما ظهر عليها أنماط الخط العربي الجميل ، ومن جملة المشاهد المصورة ما قد تعود مواضيعه الى الفن العراقي القديم حيث نشاهد أسداً يفترس وعلاً أو غزالاً ، كما هو الحال في الأختام الاسطوانية السومرية على سبيل المثال .

العمال الزجاجية:

   للزجاج دور جوهري في إضفاء جو من الشاعرية في البيت البغدادي بشكل يُعدُّ حلّاً نموذجياً للحدِّ من الشعاع الساطع المنبعث من الخارج  وهو بتنوع ألوانه يشبه المنشور الزجاجي الذي يستلم الضوء ليوزعه الى عناصره اللونية الأساسية , إنَّ الدور الأساسي الذي يلعبه الزجاج الملون هو في الشبابيك الخارجية والداخلية على حدٍّ سواء , يلي ذلك استخدامه على السقوف الخشبية والجدران الجصية , فقد استخدم الزجاج الملون في الشبابيك لتكوين أشكال هندسية رائعة وعظيمة التعقيد ، واستُخدم أحياناً لتكوين أشكال نباتية مستمدة من شجرة السرو الملتوية وأُعطي أحياناً شكل المزهرية أو الشمعدان ، واستُخدم في السقوف لإكمال الزخرفة الهندسية سواء لملء الفراغات الهندسية أو للرسم عليه بأشكال متناظرة , واعتُمد الشفاف منه كقاعدةٍ لرسم الأشكال الهندسية والنباتية على وجه الخصوص , كما ظهرت على الزجاج في السقوف رسوم لأشخاصٍ وحيواناتٍ ضمن إطارات ذات استدارة .

   وكذلك المرايا فقد أُدخِلت في تصميم الشبابيك المطلة على الساحة الداخلية للدار وفي تصميم السقوف بصورةٍ تتناسق مع الأشكال الهندسية والنباتية ، لا كألواح كبيرة وإنما كقطعٍ زخرفيةٍ دقيقةٍ رائعة.

Leave a Reply