علامات التّرقيم و مطبّاتها

في شؤون العربيّة و شجونها

ثريّا نعمان ماهر الكنعانيّ

علامات التّرقيم هي علامات اصطلاحيّة تُكتَب أثناء الكلام أو في نهايته -كما جاء في القاموس المحيط- يقصد من استخدامها تسهيل فهم النّصّ، فتقرؤه و كأنّك تسمعه بنبرة الكاتب. إسقاط هذه العلامات أو استخدامها بشكل غير صحيح قد يقود القارئ إلى فهم النّصّ بشكل مخطوء أو غير دقيق. وعليه، فلا بدّ أن يلمّ كلّ من يمارس الكتابة بالعربيّة بمواضع استخدام هذي العلامات.

تشير المصادر إلى أنّ النّقطة كانت معروفة في العربيّة في وقت مبكّر و كانت تُكتَب في آخر الجملة على شكل دائرة في داخلها نقطة. أكثرالعلامات جاءتنا من الانجليزيّة -الّتي ظهر فيها التّرقيم بشكل مؤكّد وموحّد في القرن الخامس عشر مع ظهور الطّباعة- و كان أوّل من دعا لإدخالها الى العربيّة أحمد زكي باشا أحد روّاد النّهضة العربيّة، و قد كتب رسالة «التّرقيم و علاماته» في العام 1912 لتجد هذه العلامات بعد ذلك طريقها الى مناهج التّعليم في مصر. بُدِئَ باستخدام عشر علامات ثمّ أضيف لها المزيد. وكلامنا هنا لايشمل العلامات الخاصّة بالقرآن الكريم، فتلك لها مبحث آخر.

ولأنَّ علامات التّرقيم -فيما عدا النّقطة- في العربيّة حديثة الولادة، فضوابط استخدامها قد لا تكون قياسيّة، أو أنّ المقياس يختلف بين كاتب وآخر تبعاً لفهم الكاتب وربّما ذوقه. فقسم من المشتغلين باللّغة يهملها فيصبح نصّه متداخل العبارات والجمل، بينما يسرف قسم آخر بوضعها بشكل يمزّق الجملة ويزعج القارئ، وهو أمر نجده في كتابات كثير من الكتّاب والصّحفيّين. مثال ذلك وضع الفاصلة قبل حرف العطف عند عطف كلمة على أخرى وهذا شبيه بما شاع في اللّغة الانجليزيّة حديثاً، كأنْ تَكتبَ: برع الأديب في كتابة القصّة القصيرة، والرّواية، والشّعر، والمسرحيّة. وتمتلئ الشّبكة العنكبوتيّة/الانترنت بمنشورات عن الموضوع لا تخلو من أغلاط واجتهادات تنتشر بعد أن تُنسَخ وتُتناقل، فيختلط الحابل بالنّابل. ويزيد الطّين بلّة اختلاف شكل العلامات في الأنواع المختلفة من الأجهزة الألكترونيّة، بل وعدم وجودها في لوحة مفاتيح الكمبيوتر أحياناً. إنّ على الكاتب أن يلمّ بالضّوابط العامّة لاستخدام هذه العلامات مستنداً في معرفته على المراجع الّتي يُعتَدّ بها وأن يحذر الوقوع في فخّ استعمالها بشكل يطابق ما معمول به في الانجليزيّة كتابةً أو وظيفةً.

من حيث الوظيفة تقسم العلامات إلى أربعة أقسام:

  1. علامات وقف: وهي النّقطة والفاصلة والفاصلة المنقوطة.
  2. علامات تغيير: وهي علامات وقف تُقرأ بنبرات خاصّة وتدلّ على انفعالات نفسيّة، ومثالها علامة الاستفهام وعلامة التّعجّب والنّقطتان الرأسيّتان والنّقاط الثّلاث المتتاليات. 
  3. علامات حصر تدلّ على الاقتباس أو حصر الكلام وتشمل علامات التّنصيص والشَّرطة والأقواس بأشكالها المختلفة.
  4. .علامات توضيح أخرى مثل علامة الجمع والتّساوي والنّجمة.

  أهمّ علامات التّرقيم:

 النّقطة [.] والفاصلة  [،]  والفاصلة المنقوطة [؛] والنّقطتان المتتاليتان [..] وثلاث النّقاط المتتاليات […] وشَرطتا الاعتراض [ –   – ] وقوسا التّنصيص [«»] والقوسان الهلاليّان [(  )] والنّقطتان الرأسيّتان [:]  وعلامة الاستفهام [؟] وعلامة التّعجّب [!] وشَرطة بداية القول [-] وشَرطة الاستئناف [-] والشَّرطة المائلة [/]. وسنوجز أهمّ مواضع استخدام كلّ منها. 

1. النّقطة [.]:  تأتي في نهاية فكرة أو فقرة دلالة على انتهاء القول انتهاءً تامّاً أو جزئيّاً شرط أن لا تكون هناك علامة استفهام أو تعجّب أو قوس تنصيص أو قوس حصر أو سواها ممّا يشير إلى انتهاء القول. والملاحظ أنّ وضع النّقطة بعد علامة ترقيم أخرى كعلامة الاستفهام أو علامة التّعجّب خطأ شائع تمتلئ به الكتب والمطبوعات الحديثة. 

2. الفاصلة أو الفارزة [،]: تشير إلى سكتة خفيفة قصيرة من المتكلّم. يبالغ البعض باستخدامها ويضعون لهذا قواعد أكثر من أن تحصى حتّى يندر أن تخلو جملة منها، معلّلين ذلك بوجوب وضعها عند كلّ سكتة وكأنّ العرب لا يفهمون الكلام دون تقطيع، وهم في ذلك ينقلون نقلاً حرفيّاً عن الانجليزيّة. 

أهمّ مواضع استخدامها بين جملتين تامّتي المعنى أو بين الجمل القصيرة أو أشباه الجمل أو الأجزاء المتشابهة في الجملة كالأسماء والأفعال إذا لم يكن بينها حرف عطف، وبعد حروف الإيجاب (نعم وبلى ولا وكلّا)، وبعد المنادى المتّصل و كلمة التّعجّب في أوّل الجملة. و يجب الانتباه الى كتابتها بشكلها في العربيّة (،) لا باللّاتينيّة (,).   

3. الفاصلة المنقوطة [؛]: توضع بين جملتين إحداهما سبب للأخرى، فنقول مثلاً: لقد تعبت من السّير؛ كان الطّريق طويلاً. ولا يجوز أن تقول:  لقد تعبت من السّير؛ لأنّ الطّريق كان طويلاً، فقولنا: (لأنّ الطّريق كان طويلاً) هو شبه جملة متعلّق بالجملة الّتي سبقته وليس جملة تامّة، كما أنّ «لأنّ » تعطي معنى السّببيّة، ومثلها الفاء و إذ.* 

4. النّقطتان المتتاليتان [..]: وهي من العلامات المستحدثة ولها معنى الفاصلة، يستخدمها الكتّاب للإيحاء بوجود فكرة ممتدّة أو بليغة أو مهمّة.

5. النّقاط الثّلاث المتتاليات أو علامة الحذف […]: وتشير إلى كلام محذوف في موضعها كما في جملة: كان سيدلي بدلوه لكن، وواضح أنّ المتكلّم لم يتمّ جملته وأنّ هناك كلاماً محذوفاً.

6. شَرطتا الاعتراض [ –  – ]: تستخدم لحصر الجملة الاعتراضيّة التّفسيريّة الّتي تعترض في وسط الكلام لأغراض مختلفة منها توكيده أو تعليله أو تحسينه، فتضيف له معنىً لكن لا يكون لها محلّ من الإعراب. مثال ذلك قولنا: الشّيخ الجليلغفر الله لهاجتهد فأخطأ.

7.  قوسا التّنصيص أو المزدوجان [«»]: هما علامة الاقتباس، يوضع بينهما كلام مقتبس لتمييزه عن كلام المتكلّم. كما توضع بينهما عناوين الكتب و المجلّات و المقالات أو كلمة ما في نصٍّ ما. مثال ذلك قولنا: إنّ «كانَ» فعل ناسخ.

لكن إذا كانت في الموضوع نصوص كثيرة أو كان هناك نصّ داخل نصّ فمن الأفضل استخدام علامات تنصيص أخرى مثل القوسين المضلّعين [  ] أو القوسين الهلاليّين ( ) أو أشكال أخرى من الأقواس يفرضها الحاسوب أو الجهاز الإلكترونيّ المستخدم في الطّباعة. و أكثر الأجهزة الحديثة يخلو من علامة التّنصيص الأصيلة – إذا صحّ التّعبير- الّتي استخدمت في بداية الأمر فيضطرّ الكاتب لاستخدام أختها اللّاتينيّة  [ “  ” ] وهو أمر يعيبه قسم من المشتغلين بالكتابة ويقرّه قسم آخر. ومادام يفيد المعنى ولا يتجاوز علامة موجودة أصلاً فلا عجمة في ذلك ولا غضاضة.

 القوسان الهلاليّان [(  )]: من علامات الحصر الّتي تستخدم لإيضاح مبهم، كقولنا: المحامي سعيدٌ (خال صديقي) تطوّع للدّفاع عن سجناء الرّأي. ومن المهمّ هنا التّمييز بين موضع استخدام هذين القوسين وشَرطتَي الاعتراض اللّتين لا يوضح ما بينهما مبهماً

9. القوسان المضلّعان أو المعقوفان [  ]: يوضع بينهما الكلام الزّائد عن نصّ منقول أو مقتبس لتفادي الخلط بين النّصّ المقتبس وما ألّفه أو زاده النّاقل.

10. القوسان المزهران أو قوسا الآية { }:  هما علامة تنصيص النّصّ القرآنيّ وتوضع بينهما الآيات تمييزاً لها عن غيرها من النّصوص المقتبسة.

11. النّقطتان الرأسيّتان [:]: هما علامة التّوضيح والتّفصيل. يكون ما بعدهما تفصيلاً لما قبلهما، كقولنا: لي أخَوانِ: محمّدٌ وغالبٌ، وقولنا: أقسام الكلام ثلاثة: اسم وفعل وحرف. وتستخدمان كذلك للإشارة للقول فما بعدهما تفصيل لما قبلهما، كقولنا: قال الرّجل: زادني العلم وقاراً.

12. علامة الاستفهام [؟]: تستخدم في نهاية الجملة الاستفهاميّة. قد يكون الاستفهام في المعنى والمبنى، كقولنا: مَن قرع الباب؟ أو في المبنى فقط كما في جملة الاستهجان أو الاستنكار، كقولنا: كيف سوّلت لهم أنفسهم التّطبيعَ مع العدوّ؟ وكثير من الكتّاب يضعون علامة التّعجّب هنا بينما يرى المختصّون أنّ وجود أداة الاستفهام (كيف) يقتضي استخدام العلامة الّتي تناسبها.  والموضع الثّالث لعلامة الاستفهام حين يكون الكلام استفهاميّاً في المعنى دون المبنى. مثال ذلك قولنا: أنتِ نظمتِ عِقدَ الياسمين؟

ويشيع خطأً استخدام علامة الاستفهام عندما يكون الاستفهام مفعولاً به. ** مثال ذلك قولنا: لم أفهم ما السّبب. إنّ (ما السّبب) هنا مفعول للفعل أفهم و لا يقصد بها الاستفهام. ومثله قولنا: أخبرني أين كنت. أمّا إذا فصلنا بين الفعل والمفعول فيتحوّل الكلام الى استفهام ومثال ذلك قولنا: لم أفهم. ما السّبب؟ وقولنا: أخبرني، أين كنت؟ 

13. علامة التّعجّب [!]: يسمّيها البعض علامة التّأثّر ويؤتى بها في نهاية كلام يدلّ على دهشة أو إعجاب أوعاطفة شديدة أو انفعال، كما في قولنا: للّه درّه فارساً! وقولنا: ما أشدَّ بغضي للخائن!

ويستخدمها البعض مسبوقة بعلامة الاستفهام حين يجمع الكلام المعنَيين، كقولنا: من جاء بمثل هذا الكلام البديع؟!

ويجب الانتباه إلى أنّ علامة التّعجّب -كعلامة الاستفهام- تختم الجملة ولا يجوز وضع نقطة بعدها.

14. شَرطة الحوار أو شَرطة بداية القول أو شَرطة التّفصيل [-]: تحلّ محلّ اسم المتكلّم أو جملة الإشارة إلى القول في نصّ حواريّ عندما يكون المتكلّم معروفاً من سياق النّصّ. فبدلاً من أن نعيد ذكر اسم محمّد أو عليّ أو عبارة (قال محمّدٌ) و(قال عليٌّ) نضع شَرطة القول فيكون الحوار كالتّالي:

قال محمّدٌ:  …..

قال عليٌّ:  …..

– ….. 

 ….. – 

أمّا وضع شَرطة القول بعد نقطتين رأسيّتين في جملة الإشارة للقول ( قال محمّدٌ :- …..) فهو خطأ شائع. 

وتأتي كذلك في بدايات السطور لتفصيل شيء مُجمَل و قد يسبقها عدد مكتوب رقماً فتفصله عن المعدود، كما في قولنا:

 الأفعال ثلاثة:

1- ماضٍ

2- مضارع

3- أمر.

 15. شَرطة الاستئناف [-]: تستخدم إذا كان هناك فاصل كبير بين متلازمين كالمبتدأ والخبر فتوضع قبل الخبر للتّنبيه على موقعه، كقولنا: إنَّ الّذي ألّف الكتاب ورسم الصّور الّتي تملأ صفحاته وصمّم غلافه وحرص على إخراجه بحلّة جميلة لكي يجده القارئ جذّاباًهو أخي.

ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ جملاً طويلة مثل مثالنا هذا ليست ممدوحة وينبغي تجنّبها أو عدم الإكثار منها.

16. الشَّرطة المائلة [/]: تدلّ على التّسوية بين ما قبلها وما بعدها في الموضع الإعرابيّ أو في المعنى (أي أنّهما واحد). ولا يفصل فراغ بينها وبين ما قبلها أو بعدها كما في قولنا: السّرياليّة/الفواقعيّة نشأت في فرنسا، أو قولنا: تمّوز/يوليو أشدّ الأشهر حرارة. وتستخدم كذلك للفصل بين اليوم والشّهر والسّنة عند كتابة التّقويم. 

  17. شَرطة التّعدّد أو الفصل [-        -]: تستخدم للفصل بين الكلمات عند غياب واو العطف، كقولنا: تفوّقت الفتاة في دروسٍ عدّة: اللّغة العربيّةالرّياضيّاتالعلومالتّاريخ.

 

فائدة:

 يحدث خلط كبير في موضع علامة التّرقيم كعلامتي الاستفهام و التّعجّب إذا كانت الجملة متضمَّنة في تنصيص. توضع علامة الاستفهام أو علامة التعجّب بعد العبارة الاستفهاميّة أو التّعجّبيّة الواقعة بين علامتي حصر قبل علامة الحصر الختاميّة. مثال ذلك جملة : قال لي:« هل أحضرت النّقود معك؟»
فإذا كان ما قبل التّنصيص استفهاماً وضعنا علامة الاستفهام بعد التّنصيص. نقول مثلًا: « هل قلت بسم الله»؟
وإذا كان ما بين التّنصيص استفهاماً وما خارجه استفهاماً، وضعنا علامة الاستفهام داخله وخارجه. نقول مثلاً: هل سألتَه  «مَنْ أخبره بالأمر»؟

كيف نكتبها؟ 

القاعدة العامّة هي أنّ العلامة تلتصق بما قبلها باستثناء شَرطة الفصل لأنّ الغاية منها الفصل. أمّا وصل العلامة بما بعدها أو فصلها عنه فمحكوم بما تدلّ عليه. علامات الحصر (الأقواس و علامتا التّنصيص وشَرطتا الاعتراض) يُلصَق جزؤها الأوّل بما بعده و جزؤها الثّاني بما قبله لأنّها تحصرالكلام الواقع بينها. شَرطة الاستئناف يفصلها فراغ عمّا بعدها لأنّها تقوم مقام الفاصلة وكذلك الحال مع شَرطة التّفصيل. أمّا شَرطة  الاستئناف والشَّرطة المائلة فلا يفصلهما فراغ عمّا بعدهما لأنّهما تفيدان الرّبط. ولكنّ هذا قد لا يكون متناسباً مع شكل الحرف الإلكترونيّ ومكانه على السّطر لأنّ الشَّرطة مثلاً قد تبدو كأنّها امتداد للحرف حين تلتصق به.

 ختاماً، فلأنظمة التّوثيق المعتمدة سياقات واشتراطات في وضع الفواصل والنّقاط والأقواس وغيرها في مواضع محدّدة على الكاتب الأكاديميّ مراعاتها عند كتابة بحثه العلميّ أو الأدبيّ. ومع استخدام التّقنيات الالكترونيّة الحديثة لم يعد ضبط كتابة علامات التّرقيم ممكناً دائماً لأسباب كثيرة منها ما هو تقنيّ ومنها ما يعود لشكل الحرف، فالأَولى مراعاة استعمال هذي العلامات بشكل يجعل النّصّ صحيح المبنى مفهوم المعنى بعيداً عن التّعقيد والمبالغة والشّذوذ. 

 

المصادر:

*  محمود عبد الرّزّاق جمعة -الأخطاء الشّائعة في الأوساط الثّقافيّة – القاهرة مؤسّسة بتانة – الطّبعة الأولى – 2018 – صفحة 379.

**  محمود عبد الرّزّاق جمعة – الأخطاء الشّائعة في الأوساط الثّقافيّة – القاهرة مؤسّسة بتانة – الطّبعة الأولى – 2018 – صفحة 387.

2 Comments

Leave a Reply