Firyal Al-Adhamy and the Anguish of Estrangement and Alienation ~ فريال الأعظمي ولوعة الغربة والاغتراب

” لا ترفع وشاح ألواني؛ هناك ينام  وطن”

إعداد د. منى العلوان

Dr. Muna Al-Alwan

“Do not Unveil my Colours, A Homeland Sleeps There

is “a book combining my paintings and poems that celebrate the homeland by the Syrian poet Loay Taha, who, like me, is destined to live far from the country of his birth. We are bound by a common longing for this homeland. He was the genuine catalyst for this book who suggested we conjoin the words and the paintings in prose or poetry.”

So says the artist Firyal Al-Adhamy.

 

في حديث مع الصديقة العزيزة ميّ العيسى حول الوطن والاغتراب استفزّتني الكلمات وبرق بذهني كتاب العزيزة فريال الأعظمي “لا ترفع وشاح ألواني؛ هناك ينام وطن” الذي جمع الفنّانة العراقية المغتربة بالشاعرالسوري المغترب لؤي طه فكان وثيقة شراكة معنوية بين النخيل العراقي والياسمين السوري.

“كتاب لا ترفع وشاح ألواني، هناك ينام وطن”، قطعة فنية مترفة بالجمال صاغته المبدعة فريال بألوانها والمبدع لؤي طه بأشعاره ومقطوعاته في الحنين واللوعة والاغتراب عن الوطن وعن الأم، ومن يتصفّح هذا الكتاب يشعر أنّه يتجوّل في متحف من ورق وحروف. وأنت تتجوّل ما بين ردهات المتحف الورقي ترى سحابة ألوان تارة تكون صارخة باللون الأحمر القرمزي وتارة أخرى تكون هادئة باللون الأزرق ثمّ تتحوّل أحياناً إلى سحابة حزينة باللون الأخضر، أو بألوان أعمق كلّها ألوان العراق و مشاعر الحنين بكل دقائقها. وحين تنتقل ببصرك إلى زاوية الكلمات والأشعار التي ترافق اللوحات كعزف هارموني تشعر بغصّة الحنين تكاد تخنقك لشدة اللوعة التي اعتصرت روح الشاعر السوري لؤي طه وكأنّ حالة الحنين وعذاب الاغتراب اللّذين عاشهما هطلا من بين أصابعه لتولد قصيدة!

يذكّرني الكتاب بكلمات الكاتبة التركية “آليف شافاك” التي تعبّر بدقة متناهية ومؤثّرة عن جراح الغربة: “أن تكون مهاجراً فهذا يعني أن تحمل إلى الأبد شظايا الزجاج في جيوبك. من السهل أن تنسى أنّها موجودة هناك – خفيفة وصغيرة كما هي- وتستمرّ في حياتك وطموحاتك الصغيرة وخططك المهمة، ولكن عند أدنى اتصال ستذكّرك القطع بوجودها وسوف تجرحك بعمق.”

نعم، جراح تتلوها جراح.

نعم، جراح الغربة لا تلتئم أبداً.

ومن باب أمانة النقل والتوثيق طلبت من فريال أن تخبرني عن تفاصيل ولادة الكتاب ونشأته وعن اللقاء الذي جمعها مع الشاعر، وبعد وقت ليس بالطويل أرسلت هذا السرد الموشّى بكلمات تنطق بإحساس رائع من وحي كلمات لؤي طه:

ومشيتُ يا وطني بالغربةِ تجلدُ عاطفتي وحنيني، تنفّست من جذور شوقي ولبستُ اسمكَ وشاحاً وصرخت في شوارع غربتي: إنّي أنزف حنيناً إليكَ يا وطن.
هو كان يجلس على رصيف الغربة يستمع لصوت حنيني
مثلي كان يحمل حقيبة سفر مملوءة بالحنين والبكاء
ويحمل صورة امرأة تغطّي رأسها بشال أبيض.
سألته: من تلك التي تحتضن وجهها بهذا الشغف؟
بكى كالطفل وقال: هي أمي، سيّدتي.
هو المغترب عن وطن تأكل النار من دمشقه الياسمين وأنا المغتربة عن عراق ما انطفأت النار عن نخيله منذ آلاف السنين. حين يكون الوطن قاسماً مشتركاً ما بين المغتربين يتلاقى اللون مع الحرف ليكوّنا لوحة وقصيدة.

وعن فكرة الكتاب وولادتها تقول فريال:

“يضمّ الكتاب عدداً من اللوحات التشكيلية التي قدّمتُها في اثنين من معارضي هما معرض «عندما تتحوّل الكلمة إلى عبق من نور» الذي نظّمته وزارة الثقافة البحرينية في العام 2009 ومعرض « درويش كيف أتلو عنك وأنت بمحراب الشعر إمام؟» الذي نظمته وزارة الثقافة أيضاً في عمارة بن مطر العام 2013. أما عن فكرة الكتاب فقد ولدت على أعتاب الصدفة عندما تعرّفت الشاعر السوري لؤي طه من خلال صفحته على موقع الفيسبوك، شدتني كتاباته الشعرية والنثرية ولفتت انتباهي لموهبة التعبير التي يمتلكها، وبينما كنت أتجوّل ما بين كلماته وأشعاره خطرت ببالي فكرة تدوين أعمالي في كتاب يكون أرشيفاً وتاريخاً بأسلوب متفرّد: يضمّ الكتاب إلى جانب أعمالي الفنية قصائد ومقطوعات منثورة للشاعر لؤي طه تدور كلّها حول الوطن، وعندما يكون الكلام عن الوطن تدقّ أجراس الصمت رهبة أمام هذا النداء العظيم!

المكان، فريال الأعظمي
The Place; Firyal Al-Adhami ~ المكان، فريال الأعظمي

لؤي طه وصف لقاءنا ذاك بإحساس مشابه إذ قال: “في مقهى على رصيف الغربة كنّا نجلس في ضيافة الحنين في مساء الولع المبلّل بالشجن إلى وطن تتساقط حيطانه وألسنة الموت تأكل أرواح الأحبة. كنّا غرباء نتناثر على مقاعد اللهفة نرتشف من وجوه بعضنا ملامح الأمل، وعلى خشب الطاولة المهترئ مثلما اهترأت ثياب قلوبنا كنّا نعبّد شوارع العودة. تودّ لو استطعتَ البكاء لا لأنّك في بيت الغربة حزين فقط لكن لتغسل وجع الحنين إلى وطنك بالبكاء”.

وتستطرد فريال:

“وجدت في كلمات لؤي طه ما يترجم ما أشعر به من حنين إلى الوطن، تجمعنا أرضية مشتركة ومساحة فنية نتقاسمها، أنا بألواني وحروفي وتشكيلاتي وهو بكلماته وإحساسه المتدفّق منها. وكما يقول الشاعر: “هو الوطن من جعلنا نلتقي”، فكان العمل المشترك في كتاب يضم أروع ما رسمتُ من لوحات، وحروف منّي تغفو قريبة من ألوانها، اقتربت منها وتلوت لها حروف الحنين فاستفزّها الحرف. نثرت ألوانها ونثرت بالقرب منها حروفي وامتزج عطر الياسمين مني برائحة النخيل. كلانا يعاني من آلام وطن غائب وكلانا اضطرّته ظروف الحياة إلى ركوب بحار رحلة بحث عن وطن مازلنا نحلم به بالريشة: أبياتاً عند لؤي وألواناً عندي.

مختارات من كتاب “لا ترفع وشاح ألواني؛ هناك ينام وطن” 

وكلّما ضاقَ صدري بالحنين رحتُ إلى دفاترِ عمري العتيق أقلّب أوراق ذاكرتي
وفي كلّ صفحة أرفع عنها وشاح السنين أجدك يا وطن
على عتبات سطورها تغفو يغطّيك شال أخضر وتتوسّد سعف طفولتي
أدركتُ أنّك تمتزج في دمي وأنّك الحبّ الذي يصادر العواطف ويسلبها إرادة النسيان
دخلتَ غرف اللهفة جميعها وفتحتَ أبواب كلّ شيء
كان لك في كلّ ركن من أركان ذاكرتي وعمري همس
يصعب على الإنسان أن ينتزع الوطن وهو يسكن تحت مساماتهِ ويتصدّر مجالسَ الحنين وقصائد الشَّعراء ويحتلّ ألوان اللوحات
عشقك يا وطن قدر على لوح قلبي محفور
لذا نثرتك على رخام لوحاتي حروفاً من لؤلؤ عطّرتها بالبخور
وحدود لوحاتي وألوان حروفي من حيث يشرب الطائرُ ماء النيل
إلى حيثُ أغصان الزيتون في القدس العتيق
إلى أن يلثمَ ثغرُ النخيل شطَّي دجلة والفرات
إلى قُبّة الأموي والحمائم ترفرف لدمشق الياسمين
إلى أشجار الأرزِ لحظة الأصيل
إلى الخليج كألوان الفراشات تحوم
وتخطف اللؤلؤ المنثور على خدود البحرين

Damascus, Firyal Al Adhami
Damascus, Firyal Al Adhami ~ دمشق، فريال الأعظمي

When my chest is full of longing,
I go to the books of my old age,
turning the leaves of my memory.
In every page as I lift the sash of years,
I find you, O Homeland,
falling asleep on their threshold,
covered with a green shawl,
the palms of my childhood your pillow.
I feel you mixed with my blood,
the love that usurps the feelings
and steals away the will to forget.
I entered all the chambers of longing
and opened all the doors to you . . .
In every corner of my memory and life,
you have a whisper.
How could a person uproot the homeland
when it runs in every vein,
leads the councils of longing,
the verses of poets,
and absorbs the colors of paintings?
Your love, Homeland, is my destiny,
so etched on the board of my heart,
I scattered your pearl letters
on the marble of my paintings
and perfumed them with incense.
The borders of my paintings
and colors of my letters soar
from where the bird drinks the Nile water
to the olive branches in old Jerusalem,
to where the palms’ lips kiss the banks of Tigris and Euphrates,
to the dome of the Umayyad mosque
where doves flutter over Damascus, the Jasmine,
to the cedar trees in late afternoon, to the Gulf,
like colorful butterflies
hovering over the pearls
scattered on the cheeks of Bahrain.

في قصيدة “شوق” وجدت فريال ما يختزل عذابات الحنين إلى الوطن مثلما صوّرته في لوحة “شوق”، القلب فيها يمثّل الحب والشوق وزرقتها زرقة الشوق:

من خلفِ نافذتي أسمعُ موسيقى يعزفها المطر
أرفع الستائر فأرى على مساماتِ الزجاج بداية حنين لقصة كبيرة
هو ” الشوق” الذي ينام على عتبةِ ضلوعي يحرس ذاكرة القلب من النسيان
أنظر في الشارع الخالي فلا أرى إلّا أوراق شجر تتطاير وتلعب مع حبّات المطر
أعودُ بذاكرتي إلى أدراجِ طفولتي هناكَ في وطني
فتفوح منها رائحة الطين الذي كان يمتزج بماءِ المطر
ويخرج من بينِ عروقِ الذكريات وجه أمي  حين كانت تصرخُ بنا لندخلَ البيت قبل أن يبلّلننا المطر
وهناك نار المدفأة  وصورة أبي وهو جالس يغازلُ بأصابعهِ مسبحة
ويجالس  استكانة شاي يتصاعد بخارها فيمتلئ المكان بالدفء
أتذكّرُ أغانينا الطفولية بالمطرِ والخرافاتِ الجميلة عن إطالة الشعر والرقص تحت عزف المطر
إنّه  الشوق الذي يستبيحُ القلب ويسطو على  الذاكرة  كالأشعةِ ما فوقَ البنفسجية
يتسلّل إلى أعصابِ الحنين، يتجوّل في شوارع أوردتي
أظلّ مصلوباً على زجاج نافذتي وروحي تسافر بشوقها إلى هناك حيث يكون وطني.

لوحة شوق، فريال الأعظمي
Longing; Firyal Al-Adhami ~ لوحة شوق، فريال الأعظمي

Longing

From behind my window I hear music played by rain . . .
I raise the window shades and see on the pores of the glass
the beginning of a nostalgia for a great story-“ the longing”-
that sleeps on the threshold of my ribs,
guarding the heart’s memory from forgetfulness.
I look at the empty street and find nothing
but  leaves flying around, playing with the rain beads.
Back in my homeland, recalling the days of childhood,
a scent of clay mixed with the rain pervades my senses,
and my mother’s face emerges from the veins of memories
as she calls us to come inside before the rain soaks us.
And there, the hearth with its fire,
the image of my father caressing his rosary,
as he sits with his glass of tea,
its vapour filling the place with warmth.
I remember our childish songs about the rain,
the beautiful myths about  long hair,
and dancing to the drumming of rain.
It’s a “longing” that seizes the heart and assails the memory;
like ultra violet rays creeping into the fibers of nostalgia,
wandering through my veins . . .
I remain crucified on the panes of my window,
while my pining soul soars there
where my homeland is.

لوحة بلادي (2009) مستوحاة من قصيدة بلادي اللون الأحمر يرمز الى لوعة الحنين التي تجري في دم وعروق فريال.

بلادي، فريال الأعظمي
My Country; Firyal Al-Adhami ~ بلادي، فريال الأعظمي

ومشيِتُ في كل بلد
أنظر بترف الجمال
وأتجوّلُ بكل ركنٍ أنيِق
ما رأيتُ كوجهِ بلادي
باذخ الحنان مُترف
بنقشِ الحب العتيق
وما شممتُ طوالَ غربتي عطراً
كعطرِ بلادي
كفراشةٍ لا يرضي غرور جناحيها
من الوردةِ إلّا من أصلِ الرحيق
وحملتُ بلادي على جبيني
قنديلَ عشقٍ
كلّما أظلمت شوارع غربتي
أنارَ لي وحشة الطريق
بلادي أعشقها، وهي بالحنين قاتلتي
وعشقها اللّذيذ يداعبُ  ذاكرتي
رافقتُ الإنس والجنّ
فما وجدتُ أوفى من بلادي

My Country

I walked in every country
looking at the splendor of beauty,
strolling in every elegant corner.
I saw no face like my country’s,
profusely tender
and lavishly engraved with love.
In my exile I scented nothing
like the fragrance of my country,
like a butterfly whose vanity
nothing will satisfy
but the nectar of the rose.
And I carried my country on my forehead
A lantern of love,
to light up the loneliness of the road
when the streets of exile darken.
My country I adore though it kills me with longing,
and delicious is my love for it, caressing my memory.
I went along with humankind and the jinns,
but found nothing more faithful than my country.

Leave a Reply