البرج 57

كريم وحيد

إنّها حكاية شعب صبور ما برح ينتظر الأمل، امتدّت معاناته سنوات طويلة لم يضمّد فيها السياسيون جراحه بل أوغلوا بطعناتهم لتمويل ماكنتهم السياسية والحزبية الضيقة. خرج من الشعب غيور ليجمع أشلاء بيته ويعيد الأمور إلى نصابها… سُلِّطت عليه الحراب كما توقّع له العقلاء ليتمّ اغتياله ممتطياً صهوة جواده فارساً لم يترجّل عنها كما عهده كلّ من عرفه وعمل معه. اشتاق وهو في سفرتحدياته إلى عالم الاجتماع عليّ الورديّ علّه يخفّف عنه من وطأة معاناته ويشاركه في إعادة تركيب مجتمع قد تحلّل إلى أطياف ولينهل ما تبقّى من البناة من مستودعات أفكاره فيعينهم على بناء إنسانه صاحب الفضل على البشرية جمعاء، الإنسان الذي ما يزال ينزف ويئنّ من جراحات ثلاث ألمّت به وتوالت عليه.

البرج 57 هو رمز الإصرار والتحدي فبعد أن تقطّعت أوصاله وشرايينه انتصب شامخاً ليعيد الضوء إلى منارة بغداد ويطرد شياطين الظلام من المتربصين خارج الأسوار والمتسللين المختبئين خلف أقنعة الديمقراطية لإحياء بلد أصيب بفراغ مؤسّسي وهُجِّرت ثرواته من العقول.

البرج 57 هو المحور الارتكازي لنقل الطاقة الكهربائية لخطّ الضغط الفائق مزدوج الدائرة بسعة 800 ميكاواط لكل دائرة وهو خط نقل الطاقة الاستراتيجي الذي يرفد مدينة بغداد بالكهرباء من واحدة من أكبر محطات إنتاج الطاقة الكهربائية في العراق. يقع البرج في منطقة مبازل تكثر فيها غابات من القصب والبردي في إحدى مناطق جنوب بغداد الملتهبة أمنياً والتي كانت مرتعاً محصّناً لتنظيمات إرهابية وعائقاً طبيعياً لمرور الآليات الثقيلة الخاصّة بأعمال الصيانة. استهدف البرج بانتهاكات بربرية وبأعمال إرهابية متكررة ابتدأت في عام 2006 وبشكل منظّم لتدمير أهم القطاعات الحيوية وأكثرها هشاشة ويغطي بسعته البنيوية الجغرافية من محطات انتاج الطاقة وشبكات النقل والتوزيع الوطن كاملاً. وامتدّ التدمير ليكون نوعياً ويستهدف قياديي قطاع الكهرباء وعوائلهم وفنّيّيهم. لم تعد المهمة إعادة بناء منظومة كهربائية أنهكتها حروب ثلاث وحصار همجيّ امتد ثلاث عشرة سنة بل صارت حرباً أمنية خاضها المخلصون من العاملين في حقل الكهرباء في ميادين عملهم وكانت ذروتها بين عامي (2005-2008).

كان البرج شاهداً على عطاء العراقيين من بناة فنيين وحماة أمنيين وهبوا فيه أغلى عطاء وأَنفَسَه… دماءهم، فداء للوطن وقرباناً للانتماء إليه ليشاركوا في تحريره من قضبان سجنه بمُغيرات امتطاها فرسان الوطن ثأراً لأبطالهم تحفّ بهم دعوات الأمّهات الثّكالى، أمّهات الشهداء. أرادوا لبرجهم أن يشخص شامخاً ترفرف فوقه راية الوطن خفاقة بأرواح شهدائه.

كانت منطقة البرج 57 ساحة وغى محتشدة بجموع من مجاهدي شرطة حماية الكهرباء وأبطال الفرقة الثامنة وطيران الجيش مسنودة بدعم جوي دولي بتنسيق مباشر مع وزارة الدفاع. كانت الغاية أن تتحرر منطقة صراع بأرضها وأهليها من براثن الإرهاب وخفافيش الظلام، وقد كان، لتعود الحياة إلى البرج ويسري في عروقه شريان الطاقة وتضيء منارة بغداد في غرة شهر رمضان في ظهر يوم الرابع عشر من أيلول من العام 2007.

Leave a Reply