لا يلتفت أحد

مها عبد الله النصّار

الإهداء 

(لا يلتفت منكم أحد)
إلى أبي الذي يسمّيني (أمّي)…
إلى أمّي كي تسرّ عينها 
إلى بضعة من روحي خلقوا مني نطفة أمل في رحم الحياة 
إلى الأيام التي علّمتني كيف أتوكّأ عليها 
إليكم جميعاً  حتّى لا يلتفت منكم أحد ويمضي قدماً لتكتمل إنسانيّته قبل الأفول.

نبذة:

صدر للكاتبة مها النصّار كتاب لا يلتفت أحد وهو من إصدارات نادي الأحساء الأدبي عن دار نشر مركز الأدب العربي للنشر والتوزيع، ويضم الإصدار بين جنباته روافد إنسانية لبناء الذات أهمها الحديث عن استثمار رسالتك في الحياة  لتكون قيمة مضافة في هذا العالم، وجاء في ستّ و تسعين صفحة وقسّم إلى فصول ثلاثة: الفصل الأول بعنوان محيطكم بحري وبحري محيطك (محيطكم)، والفصل الثاني التناغم مع الآخر والفصل الثالث حول القيم في الهندسة الحياتية .

نبض وهمس:

لا أعلم، ربما في كل ورقة ستلمس ذاتك وستقرأ جزءاً من حياتك لأنّنا معاً في إطار الإنسانية تقودنا الصراعات الفكرية ونخضع للطبيعة البشرية، وبين هذا وذاك تتشكل ملامحنا الروحانية. وهنا ستتوقف لحظات لأنّ فيها شيئاً من رسالتك في الحياة، فصناعة الذات كفيلة بإحداث التأثيرعبر بوابة قبول الغير.

فأينما تكن كن قيمة مضافة في هذا العالم .

المقال الأول :

أقزام بعيون عمالقة

أتساءل كثيراً:

لماذا (علم الفلك) من أقدم العلوم و(علم النفس) من العلوم الحديثة؟

لماذا البشر أول ما بدأوا يفكّرون فكّروا بالبعيد؟

هل من الطبيعي معرفة أبعد الأشياء عنا وإهمال الأقرب أم هو تخبّط فكر؟

قد تكون ثقة الإنسان بنفسه كبيرة لدرجة اهتمامه باكتشاف مخاطر محيطه وإهمال مخاطر ذاته التي قد تكون الأسوأ ممّا قد يكتشفه!

فعندما تطرح سؤالاً على أي شخص عن أي شيء تجد الإجابة حاضرة وسريعة وعندما تطرح سؤال (من أنت بدون اسمك؟) تجد الإجابة فارغة متردّدةعلى الرغم من أن التوجيه الربّاني واضح في الآية الكريمة {وفي أنفسكم أفلا تبصرون}.

فمن أنا في عالم اليوم؟ ماهي قيمي ومبادئي التي أبني عليها مجريات الأحداث وأفهم كينونتها لأنقذ نفسي من المهالك؟

عالم يعج بالمتغيرات اللحظية مليء بالتناقض مثير للأسئلة غامض الإجابة، كيف لنا العيش في خضم هذا الموج الهائج؟

هناك نباتات وحيوانات انقرضت لأنها خارج حلقة التطور الطبيعية. ترى إن لم نواكب هذا التغير هل سننقرض؟

من التصنيفات الإنسانية الحديثة الإنسان البرجماتي وهو صحيح الجسد ثريّ غير سعيد! الكثير منا للأسف سيدخل تحت مظلة هذا  التصنيف إن عاش بمعزل عن قيمه الإنسانية إن لم نجبر أنفسنا على التغيير ولو بزاوية صغيرة من حيز التفكير لفهم ما حولنا.

أحياناً نحتاج أن نفكر كأطفال ونلبس نظاراتهم لننظر للأمور بدون أفكار مسبقة حتى نفهم الأشياء على حقيقتها فقط.

اللّهمّ اجعل لي نوراً.

المقال الثاني :

صحراء البحر

هل هي حقيقة علمية أم عنوان لمقال بدافع التشويق؟

الإجابة: كلاهما معاً.

 هناك علمياً صحراء البحرحيث غالبية الكـائنات الحية شبه منقرضة، ولا يوجد فيها إلا الحوت الأزرق سيد الأعماق القوي الذي انتصر على نفسه  وجازف بالبقاء في مساحات مائية نادرٌ الحصول فيها على القوت. أتساءل هل يعيش العزلة مجبراً أم مستمتعاً بل كيف تكيّف في دورته الحياتية؟

 وبعيداً عن البحار والمحيطات كلّها نجد في عمق  الصحراء القاحلة نبتة الصبار التي ما إن نراها حتّى نشعر بالحر والعطش وهي بشموخها صامدة فهي في الظاهر ساكنة ولكنّ جذورها تتبع أي قطرة ماء قابعة في باطنالصحراء لتضمن لها الحياة.

 الحوت الأزرق في محيطات قاحلة من الغذاء ونبتة الصبار في صحاري خالية من الماء، وكلاهما يوحي بالصمود والتمتع بالسيادة والتحكم بالظروف وكلاهما انفرد في نمط حياته وآثرالعزلة ليثبت أن المكان ليس بجغرافيته بل بروح من يعيش فيه وأن القاعدة في ضمان استمرارية الحياة هي (التّكيّف).

 فأين البشر من هذا المفهوم؟ لماذا حين تتغير أحواله يصاب هذا الإنسان بالهلع والجزع ويرفض الوضع ويوصد باب البدائل ويقرع ناقوس الخطرويحتضر ويرمي بنفسه في أحضان الموت؟ ما الاستسلام إلا حيلة الفاشل للوصول سريعاً إلى محطة الانتحار، الأمر الذي أوجد بعض البيوت التيتئن من المصائب طويلة العمر دون حل ولسان حالهم أنهم صابرون، وهذا لعمري هو الاستسلام والخنوع. المعضلة  في الفهم الخاطىء  لمفهومَي (الصبر والاستسلام) كبيرة، فالغالبية العظمى من الناس يعجزون عند كل عقبةتصادفهم وكأنها سد منيع لاستمرار الحياة، فنجد من يلطم ويحزن ومنهم من يركن إلى التوقف والانكسار، والعامل المشترك في هذه الأوضاع كلّها هو القعود عن العمل ثم التخاذل والكسل وهذا هو مربط الفرس، بينما القلة والندرة هم من يتقبل هذه العقبة ويتكيف معها فتلوح في سماء الفكر عنده حلول تقتلع العقبات من جذورها لتحولها إلى فرص يتغير بها الحال نحو الأحسن مصلحة والأفضل منفعة.

والسر في هذا هو التّكيّف.

 (الاستسلام والتّكيّف) معادلة عميقة لا يفرق بينهما الكثير. باختصار،الصبر تكيف وعمل ولنا في نبتة الصبار والحوت الأزرق دروس ليت أنّ بعض النفوس تعيها.

المقال الثالث

لحظة من فضلك

هل تتحدث اللغة؟

هل تعلم أنّ هناك أكثر من ستة آلاف و خمسمائة لغة في العالم؟

بالطبع نعلم أن الغاية من هذه اللغات كلها أن نفهم بها الآخر، فهل نفهم الآخر حقّاً؟

هناك لغة وحيدة يغفل عنها الكثير لا تنطق باللسان مهما اختلفت البلدان والأديان، يشترك في فهمها (آل إنسان) هي لغة الجسد، اللغة الصادقة العفوية التي تنساب مع سيل المشاعر. هي اللغة التي لا تخطئها العين ولا يكذبها القلب حتى لو كان الشخص يخفي ما يخفيه، تظهر جلية تقرأها النفوس النقية.

لحظة من فضلك، اقرأ من حولك!
لحظة استحضر فيها الوعي ثم انظر للآخرين، سينكشف ستار عن عينيكوستفهم الآخر بوضوح، ولكن قبل الدخول مع الآخر احذر! فالمشاعر كالبيوت لا بدّ أن تستأذن.
في عالم لغة الجسد الإشارة بديل العبارة، وكل إيماءة وحركة رسائل علينا اقتناصها.

لحظة من فضلك، لحظة واحدة فقط. اقرأ من حولك! قبل الحوار هناك مفاتيح تفتح لك عالم الآخر عبر لغة الجسد التي ستعينك على الفهم وستغنيك عن نطق الكلمات وتفسر لك العبرات أو الضحكات.

فملامح الألم هي الناطق الرسمي على صفحات الوجه، تبدأ من الجبهة مروراًبالعينين ونزولاً إلى الفم، ودون أن ينبس بحرف نفهم اللغة ونشعر بالحزن لصاحب الوجه العبوس. بينما ملامح المتعة تبدأ من أسفل الوجه وتحديداً حين تنفرج الشفاه لتحرك أمواج الفرح على الخدين وتغرد العيون فتمتلئ أسارير الوجه من مستودع الابتسامة بوزن هائل من الصدقات فتتطاير ألواناً تملأ الأفق جمالاً وتنثر التفاؤل في محيطه.

لحظة من فضلك، اقرأ من حولك! لتفهم الآخر وتحسن الظن ويتلاشى الكثير من المشاكل، من أجل الحب في الله. ستجد نفسك محاطاً بالمحبين، فهذه اللغة التي لا تندثر صالحة لكل إنسان وزمان ومكان.

فالبداية من الوجه والنهاية في القلب.

Leave a Reply