إخوان الصّفا وخلّان الوفا

إعداد وتلخيص شوقي ناجي جواد السّاعاتي

   إخوان الصفا وخلّان الوفا جماعة من فلاسفة المسلمين من أهل القرن الثالث الهجري/العاشر الميلادي في البصرة/العراق اتحدوا على أن يوفقوا بين العقائد الإسلامية والحقائق الفلسفية المعروفة في ذلك العهد فكتبوا في ذلك خمسين مقالة سمّوها “تحف إخوان الصفا”. هناك كتاب آخر ألّفه الحكيم المجريطي القرطبي المتوفّى سنة 395هـ وضعه على نمط تحفة إخوان الصفا وسمّاه “رسائل إخوان الصفا”.

   أثّر فكر الإخوان في المذهب الإسماعيلي في البصرة في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري. وكانت اهتمامات الجماعة متنوعة تمتد من العلم والرياضيات والفلك إلى السياسة وقاموا بكتابة فلسفتهم في اثنتين وخمسين رسالة مشهورة ذاع صيتها حتى في الأندلس. يعدّ بعض المختصّين هذه الرسائل موسوعة للعلوم الفلسفية. كان الهدف المعلن من هذه الحركة “التضافر للسعي إلى سعادة النفس عن طريق العلوم التي تطهّر النفس”. ومن الأسماء المشهورة في هذه الحركة أبو سليمان محمد بن مشير البستي المشهور بالمقدسي وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني ومحمد بن أحمد النهرجوري والعوفي وزيد بن رفاعة.

رسائل إخوان الصّفا

  تقسّم رسائل إخوان الصفا المعبّرة عن فلسفتهم إلى أربعة أقسام هي:- 

أولاً: الرسائل الرياضية التعليمية، تتضمن أربع عشرة رسالة في العدد والهندسة وعلم النجوم والجغرافية والموسيقى والنسبية والأخلاق وغيرها.

ثانياً: رسائل تابعة للتصنيف التعليمي ذاته، تضم سبع عشرة رسالة في الصورة والحركة والسماء والعالم والكون والفساد والآثار العُلوية والطبيعة والمعادن والنبات والحيوان والجسد والمعارف المتنوعة وغيرها.

ثالثاً: الرسائل النفسية والعقلية، تشمل عشر رسائل في مبادئ الموجودات العقلية والفلسفة والعقل والأدوار والعشق وما شابهها.

رابعاً: الرسائل الناموسية، الإلهية والشرعية والدينية، وتضم إحدى عشرة رسالة في الأمور المنوّه عنها وفق ما يعتقدون وما شابهها.

فلسفتهم

  تأثَّر إخوان الصفا بالفلسفة اليونانية والفارسية والهندية وكانوا يأخذون من كل مذهب بطرف ولكنهم لم يتأثروا على الإطلاق بفكر الكندي واشتركوا مع فكر الفارابي والإسماعيليين في نقطة الأصل السماوي للأنفس وعودتها إلى الله وكانت فكرتهم عن منشأ الكون أنّه يبدأ من الله ثم إلى العقل ثم إلى النفس ثم إلى المادة الأولى ثم الأجسام والأفلاك والعناصر والمعادن والنبات والحيوان. فكأنَّ نفس الإنسان -من وجهة نظرهم- جزء من النفس الكلية التي سترجع إلى الله ثانية يوم المعاد. الموت عند إخوان الصفاء يسمى “البعث الأصغر” بينما تسمى عودة النفس الكلية إلى الله “البعث الأكبر”. وكان إخوان الصفا على قناعة بأنَّ الهدف المشترك بين الأديان والفلسفات المختلفة أن تتشبه النفس بالله بقدر ما يستطيعه الإنسان. 

كانت كتابات إخوان الصفا وما زالت مصدر خلاف بين علماء الإسلام وشمل الجدل التساؤل حول الانتماء المذهبي للجماعة فعدّهم بعض العلماء من أتباع مدرسة المعتزلة ورأى آخرون أنّهم من نتاج المدرسة الباطنية وذهب فريق آخر إلى حد وصفهم بالإلحاد والزندقة،  ولكنّ إخوان الصفا أنفسهم قسموا العضوية في حركتهم إلى أربع مراتب:

  1. المرتبة الأولى التي تتكون ممن يملكون صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور. لا يقل عمر العضو في هذه المرتبة عن خمسة عشر عاماً، ويسمون بالأبرار والرحماء وينتمون إلى طبقة أرباب الصنائع. 
  2. المرتبة الثانية التي تتكون ممن يمتلكون الشفقة والرحمة على الإخوان. أعمار أعضائها تبدأ من عمر ثلاثين عاماً فما فوق، ويسمون بالأخيار الفضلاء. ولطبقتهم سياسات خاصة. 
  3. المرتبة الثالثة التي تتكون ممن يملكون القدرة على دفع العناد والخلاف بالرفق واللطف المؤدي إلى اصلاحه، يمثل أعضاء هذه المرتبة القوة الناموسية الواردة بعد بلوغ الإنسان الأربعين من العمر، ويسمون بالفضلاء الكرام وهم الملوك والسلاطين. 
  4. المرتبة الرابعة هي المرتبة الأعلى من حيث التسليم وقبول التأييد ومشاهدة الحق عياناً، وهي قوة الملكية الواردة بعد بلوغ الخمسين من العمر، وهي الممهدة للصعود إلى ملكوت السماء وإليها ينتمي الأنبياء.    

تأريخ إخوان الصّفا

  اهتم العرب في عصر الراشدين والعصر الأموي بالغزوات حتى حلَّ العصر العباسي فبدؤوا بترجمة الكتب اليونانية المترجمة من السريانية إلى العربية في الطب والفلسفة. شغفت عناصر كثيرة بالفلسفة اليونانية شغفاً عظيماً فقد رعى أبو جعفر المنصور طبقة من المترجمين الذين ساهموا في نقل الميراث الفكري الإغريقي واستمرت هذه الحركة في عهد هارون الرشيد وبلغت القمة في عهد المأمون عندما أنشئت دار الحكمة في بغداد. وإثر هذا الانفتاح الفكري في شطر من العهد العباسي برز مفكرون مسلمون ساعون إلى التوفيق بين الدين الإسلامي والفلسفة اليونانية أشهرهم الكندي والفارابي وابن سينا. وتطورت هذه الجهود في البحث الفلسفي لتصير حالاً جماعية تمثّلت في نشوء فرقة عُرفت باسم (إخوان الصفاء وخلّان الوفاء) اشتهرت بتصنيفها مجموعة من الرسائل في فروع الفلسفة والعلوم الإنسانية المختلفة. وقد لاقت هذه الرسائل رواجاً كبيراً في أنحاء العالم الإسلامي.

  الثابت أنَّ إخوان الصفاء ظهروا كما يذكر ابن الطقطقي في كتابه (الفخري في الآداب السلطانية) حين “اضطربت أحوال الخلافة ولم يبق لها رونق ولا وزارة تملّك البويهيون وصارت الوزارة من جهتهم والأعمال إليهم.” وكان البويهيون الذين سيطروا على العراق من الشيعة الذين اتبعوا مذهب الزيدية وهي من أقرب الفرق إلى آراء مذهب السُّنّة ذلك أنها لا ترى حصر الإمامة في سلالة الإمام الحسين بن علي. وهم إمّا من الإسماعيليين أو الاثني عشرية والأرجح أنّهم من الزيدية لأن في رسائلهم مسحاً من التّشيّع ولكنهم في الوقت ذاتة يخرجون عن حدود الفرق الإسلامية كافّة في الفكر والمعتقد، فلهم فكرهم الانتقائي. وهم يجمعون بين الكثير من المعتقدات الدينية والمذاهب الفكرية ويبتغون جمع حكمة الأمم والأديان كلها. مذهبهم بحسب تعبيرهم في الرسالة الخامسة والأربعين “يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها وذلك أنه النظر في الموجودات بأسرها، الحسية والعقلية، من أولها إلى آخرها، ظاهرها وباطنها، جليّها وخفيّها بعين الحقيقة من حيث هي كلها مبدأ واحد وعلّة واحدة وعالم واحد”. وتبرز هذه النظرة الانتقائية التوفيقية بخاصّة في تحديد الإخوان لمزايا الإنسان الكامل، وقد وجدوه في “العالم الخبير الفاضل، الذكي المستبصر، الفارسي النسبة، العربي الدين، الحنفي المذهب، العراقي الآداب، العبراني المخبر، المسيحي المنهج، الشامي النسك، اليوناني العلوم، الهندي البصيرة، الصوفي السيرة” كما في الرسالة الثانية والعشرين.

أهدافهم

  كانت غاية إخوان الصفا التقريب بين الدين والفلسفة في عصر ساد فيه الاعتقاد أنَّ الدين والفلسفة لا يتفقان، لهذا فهم يعرّفون الفيلسوف على أنّه الحكيم وأنّ الفلسفة هي التشبُّه بالإله على قدر الطاقة البشرية وبالاستشهاد بأقوال الفلاسفة كسقراط وأرسطوطاليس وإفلاطون وفيثاغوراس وغيرهم التي تصبُّ في نهر الحكمة الواحد الدافق بما يتوافق مع أقوال الأنبياء كافة التي استهانت بأمر الجسد ودعَتْ إلى خلاص النفس من أسْر الطبيعة وبحر الهيولى بالعلوم وأوّلها علم الإنسان بنفسه، ثم علمه بحقائق الأشياء. وقد أكدوا أنَّ علومهم التي طرحوها في الرسائل مفاتيح للمعرفة لا ينبغي التوقف عندها بل الترقِّي في سلَّم الصعود إلى الحالة الأخيرة الملكية، وهذا ما يقولون فيه: هل لك يا أخي أن تصنع ما عمل فيه القوم كي يُنفَخ فيك الروح فيذهب عنك اللوم حتى لا ترى إلا يسوع عن ميمنة عرش الربِّ قد قرَّب مثواه كما يُقرَّب ابن الأب أو ترى مَن حوله من الناظرين؟ أو هل لك أن تخرج من ظلمة أهرمن حتى ترى اليزدان قد أشرق منه النور في فسحة أفريحون؟ أو هل لك أن تدخل إلى هيكل عاديمون حتى ترى الأفلاك يحيكها أفلاطون وإنما هي أفلاك روحانية لا ما يشير إليه المنجِّمون؟ ذلك أنَّ علم الله محيط بما يحوي العقل من المعقولات والعقل محيط بما تحوي النفس من الصور والنفس محيطة بما تحوي الطبيعة من الكائنات والطبيعة محيطة بما تحوي الهيولى من المصنوعات، فإذا هي أفلاك روحانية محيطات بعضها ببعض.

  عمل إخوان الصفا في الخفاء، ولعلَّ ابن المقفَّع كان واحداً منهم، ففي “كليلة ودمنة” يتوجه دبشليم الملك بالكلام لبيدبا الفيلسوف في مطلع قصة “الحمامة المطوقة” فيقول له: حدثني، إن رأيت، عن إخوان الصفاء كيف يبدأ تواصلهم ويستمع بعضهم إلى بعض؟ فيجيب الفيلسوف: إنَّ العاقل لا يعدل بالإخوان شيئاً، فالإخوان هم الأعوان على الخير كله والمؤاسون عندما ينوب من المكروه.

  احتار الباحثون في العصوركلها في قضية من هم إخوان الصفا لهذا لجؤوا إلى الحدس والتخمين في معرفة محرّري تلك الرسائل مجهولة التوقيع. يكشف أبو حيان التوحيدي أسماء خمسة من مؤلفي هذه الرسائل في كتابه “الإمتاع والمؤانسة”، الكتاب الذي يضم مسامرات سبع وثلاثين ليلة أمضاها التوحيدي في منادمة الوزير أبي عبد الله العارض. ويأتي ذكر إخوان الصفا في الليلة السابعة عشرة حيث يسأل الوزير عن زيد بن رفاعة وعن مذهبه ويجيب الكاتب:

“هناك ذكاءٌ غالبٌ وذهنٌ وقادٌ ويقظةٌ حاضرة وسوانح متناصرة ومتسعٌ في فنون النظم والنثر، مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة وحفظ أيام الناس وسماعٍ للمقالات وتبصر في الآراء والديانات وتصرفٍ في كل فنٍ، وقد أقام بالبصرة زماناً طويلاً وصادف بها جماعةً لأصناف العلم وأنواع الصناعة منهم أبو سليمان محمد بن معشر البستي، ويعرف بالمقدسي، وأبو الحسن علي بن هارون الزنجاني وأبو أحمد المهرجاني والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم، وكانت هذه العصابة قد تآلفت بالعِشْرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة، فوضعوا بينهم مذهباً زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى الفوز برضوان الله والمصير إلى جنته وذلك أنّهم قالوا: الشريعة قد دُنّست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة، وذلك لأنها حاويةٌ للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية”.

أسلوب عملهم

  اعتمد إخوان الصفا التّقيَّة في تنظيمهم وساعد هذا على رواج رسائلهم واستمرار فكرهم لقرون عدة وبقائه كمنهل ثريّ للفلاسفة الذين أتوا بعدهم كابن سينا والفارابي والسجستاني والكرماني وناصر خسرو ونصير الدين الطوسي وغيرهم. كان على المرشد أو الداعي أن يتحلّى بمجموعة من الصفات مثل “أن يكون أباً شفيقاً وطبيباً رفيقاً لا نزقاً ولا خرقاً ولا منحرفاً ولا متجبراً ولا متكبراً ولا متغيراً ولا يحمِّل أحدًا فوق طاقته ولا يكلِّفه فوق وسعه، يبرز لمريديه بروز النفس الكلِّية للنفس الجزئية في جليل هيبته وجميل هيئته…إلخ”. يقول عبد الحميد الكاتب إنّ أغلب فكر (إخوان الصفا) مستمد من الفكر الصابئي لأنَّ الفكر الصابئي كان متداولاً في العهد العباسي والأموي من خلال جهابذة العلم والأدب الصابئة من امثال ثابت بن قرة وأبي اسحاق الصابئي وغيرهم. فقد ذكر المؤرخون -كما جاء في كتب الأفذاذ- من علماء الصابئة الحرّانيين ثابت بن قُرّة الصابئي الحرّاني المعروف بعلمه الوفير الذي تميز بعقليته الموسوعية في الفلسفة والرياضيات، وقد تخرج ثابت الذي كان قد برز من بين أقرانه وأصبح من إخوان العهد والثبات (ابني قايما) وصار له الحق في كشف الأسرار ودُعيَ (صديقيا) كما ورد عند ابن النديم وهي تعني الحكماء الإلهيين أو من كان حكيماً كاملاً في أجزاء علوم الحكمة، والكلمة محرّفة عن كلمة (ناصورائي زديقي) المندائية التي تعني (المتبحّر).

  سجلت حركة إخوان الصفا انعطافاً إنسانياً حدث على أرض العراق، فعلى الرغم من الانكسارات التي حلت به فهو الأول في العالم في اختراع العجلة واستنباط القوانين وتخطيط المدينة وإقامة الحكومة ثم الكتابة المسمارية وهي أول كتابة لاصورية وبها بدأ تسجيل التاريخ. وفي بغداد كانت الثورة الأولى في العالم في الطب وأمّا حركة إخوان الصفا فقد جاءت اندفاعاً من الفلسفة اليونانية ودفعاً للفكر الحر وكانت إحدى دفعات العراق للتاريخ.

إصدارات رسائل إخوان الصّفا وخلّان الوفا

 صدرت طبعات عدة من رسائل إخوان الصفاء وخلّان الوفاء أولها في العام 1812 في كلكاتا/الهند وتبعتها إصدارات مهمّة وضعها باللغة الألمانية المستشرق فريدريك ديتيريشي في الفترة الممتدة بين 1861 و1872. أما النسخة المحقّقة الكاملة الأولى من رسائل إخوان الصفاء فقد صدرت في أربعة مجلدات عن مطبعة نخبة الأخبار بين عامي 1887 – 1889 في بومباي/الهند بتحقيق ولاية حسين. وبعد ذلك نشرت طبعة القاهرة في العام 1928عن المطبعة العربية بمصر وقد حققها خير الدين الزركلي وقدمها عميد الأدب العربي (طه حسين) إلى جانب مقدمة لأحمد زكي باشا. أما الطبعة الأكثر تداولاً بين أصحاب الاختصاص في دراسة إرث إخوان الصفاء فتعود إلى نصوص الرسائل التي حققها بطرس البستاني ونشرتها دار صادر في بيروت في العام 1957. هناك أيضاً طبعة حققها عارف تامر وأصدرتها منشورات عويدات في بيروت في العام 1995. يجب الإشارة أيضاً في هذا السياق إلى أنَّ الطبعات المتوافرة حتى أواخرالعام 2008 من رسائل إخوان الصفاء غير محقّقة بشكل نقدي من حيث أنها لا تبرز المخطوطات التي تمّ الاعتماد عليها في تقديم محتويات نصوص الرسائل وتعددية معانيها والاختلافات في صياغاتها. ونظراً إلى ذلك الحال قام الباحث نادر البزري ببلورة مشروع أكاديمي يضم فريق عمل من أساتذة متخصصين بالبحث في شؤون تاريخ العلوم والفلسفة عند العرب لإصدار رسائل إخوان الصفاء في طبعة محققة نقدياً وعلمياً تستند إلى مجموعة من مخطوطات قديمة معظمها محفوظ في مكتبات إسطنبول ومتاحفها العريقة، تضاف إليها الترجمة الإنجليزية التامة والأولى لهذا الإرث العلمي. هذا المشروع تبنّته دار النشر العريقة التابعة لجامعة أكسفورد (Oxford University Press) في بريطانيا بالتعاون مع معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن من خلال سلسلة علمية عنوانها Epistles of the Brethren of Purity وقد صدر المجلد الأول من هذه السلسلة في العام 2008 من تحقيق نادر البزري وعنوانه The Ikhwan al-Safa’ and their Rasa’il.

 اضطر أصحاب الفلسفة إلى التستر فألّفوا الجمعيات السرية لهذا الغرض وأشهرها جمعية إخوان الصفا التي تألفت في بغداد في أواسط القرن الرابع للهجرة وقد ذكروا من أعضائها خمسة هم:

(١) أبو سليمان محمد بن معشر البستي المعروف بالمقدسي

(٢) أبو الحسن علي بن هارون الزنجاني

(٣) أبو أحمد المهرجاني

(٤) العوفي

(٥) زيد بن رفاعة

وكانوا يجتمعون سراً ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها حتى صار لهم فيها مذهب خاص هو خلاصة أبحاث فلاسفة الإسلام بعد اطلاعهم على آراء اليونان والفرس والهند وتعديلها وفق ما يقتضيه الإسلام.

وأساس مذهبهم «أنَّ الشريعة الإسلامية تدنست بالجهالات واختلطت بالضلالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية، وأنه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة المحمدية فقد حصل الكمال».

رسائلهم الفلسفيّة

  كتب إخوان الصفا فلسفتهم هذه ودوّنوها في اثنتين وخمسين رسالة سموها رسائل «إخوان الصفا» وكتموا أسماءهم، وهي تمثل الفلسفة الإسلامية على ما كانت عليه إبّان نضجها وتشمل النظر في مبادئ الموجودات وأصول الكائنات إلى نضد العالم الهيولى والصورة وماهية الطبيعة والأرض والسماء ووجه الأرض وتغيراته والكون والفساد والآثار العلوية والسماء والعالم وعلم النجوم وتكوين المعادن وعلم النبات وأوصاف الحيوان ومسقط النطفة وكيفية رباط الناس بها وتركيب الجسد والحاسّ والمحسوس والعقل والمعقول والصناعات العلمية والعملية والعدد وخواصه والهندسة والموسيقى والمنطق وفروعه واختلاف الأخلاق وطبيعة العدد، وأنّ العالم إنسان كبير والإنسان عالم صغير (وهذه هي نظرية هربرت سبنسر في علم الاجتماع) والأكوار والأدوار وماهية العشق والبعث والنشور وأجناس الحركات والعلل والمعلولات والحدود والرسوم، وبالجملة فقد ضمنوها كل علم طبيعي أو رياضي أو فلسفي أو إلهي عقلي.

  يُظهر إمعان النظر في تلك الرسائل أنَّ أصحابها دوّنوها بعد البحث الدقيق والنظر الطويل، وفي جملة ذلك آراء لم يصل أهل هذا الزمان إلى أحسن منها، وفيها بحث مستفيض من قبيل نظرية النشوء والارتقاء.

  وكان المعتزلة ومن جرى مجراهم يتناقلون هذه الرسائل ويتدارسونها ويحملونها معهم سرّاً إلى بلاد الإسلام، ولم تمض مائة سنة على كتابتها حتى دخلت بلاد الأندلس على يد أبي الحكم عمرو بن عبد الرحمن الكرماني القرطبي. وأبو الحكم هذا عالم من أهل قرطبة رحل إلى المشرق للتبحر في العلم -على جاري عادة الأندلسيين- فلما عاد إلى بلاده حمل معه الرسائل المذكورة، وهو أول من أدخلها إلى الأندلس فما لبثت أن انتشرت هناك حتى تناولها أصحاب العقول البحّاثة وأخذوا في درسها وتدبرها، كما كانت قد طبعت في ليبزج سنة ١٨٨٣م وفي بومباي سنة ١٨٨٦م وفي مصر سنة ١٨٨٩م ونقلت إلى الهندستانية وطبعت في لندن سنة ١٨٦١م. توّحد الأرقام في المقالة، بالعربيّة أو الانجليزية.

 تتلخص فلسفة إخوان الصفا في اثنتين وخمسين رسالة مقسومة على أربعة أقسام:

القسم الأول: أربع عشرة رسالة رياضية تعليمية.

القسم الثاني: سبع عشرة رسالة جسمانية طبيعية.

القسم الثالث: عشر رسائل نفسانية عقلية.

القسم الرابع: إحدى عشرة رسالة ناموسية آلهية.

 

في كيفيّة عشرة إخوان الصّفا وتعاون بعضهم بعضاً

  سبق أن قلنا إنَّ إخوان الصفا كانوا يجتمعون سرّاً ويتباحثون في الفلسفة على أنواعها حتى صار لهم فيها مذهب خاص، ولما كان لهذه الجماعة دستور أتبعوه في حياتهم وأرادوا إعمامه بين من كان على شاكلتهم في سائر الأقطار فقد أردنا أن نلخص هذا القانون لما فيه من الحكمة التاريخية، حتى أنهم فرضوا على من كان مثلهم من الجماعات أن يكون لهم مجلس خاص يجتمعون فيه في أوقات معلومة لا يداخلهم فيه غيرهم يتذاكرون فيه علومهم ويتحاورون في أسرارهم، وينبغي أن تكون مذاكراتهم أكثرها في علم النفس والحس والمحسوس والعقل والمعقول والنظر والبحث عن أسرار الكتب الإلهية والتنزيلات النبوية ومعاني ما تتضمنها موضوعات الشريعة، وينبغي أيضًا أن يتذاكروا العلوم الرياضية الأربعة: العدد والهندسة والتنجيم والتأليف.

  وأما أكثر عناياتهم وقصدهم فينبغي أن يكون البحث عن العلوم الإلهية التي هي الغرض الأقصى، وبالجملة ينبغي لهم أن لا يعادوا علماً من العلوم أو يهجروا كتاباً من الكتب ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب لأنَّ رأي إخوان الصفا ومذهبهم يستغرق المذاهب كلها ويجمع العلوم جميعها.

مصادر علوم إخوان الصّفا

  ذكر إخوان الصفا في رسالتهم الثانية أنَّ علومهم مأخوذة من أربعة أنواع من الكتب، أوّلها الكتب المصنفة على ألسنة الحكماء والفلاسفة من الرياضيات والطبيعيات والثاني الكتب المنزَّلة التي جاءت بها الأنبياء وهي التوراة والإنجيل والفرقان وغيرها من صحف الأنبياء المأخوذة معانيها بالوحي من الملائكة وما فيها من الأسرار الخفية والثالث الكتب الطبيعية وهي صور أشكال الموجودات بما هي عليه الآن من تركيب الأفلاك وأقسام البروج وحركات الكواكب ومقادير أجرامها وتصاريف الزمان واستحالة الأركان وفنون الكائنات من المعادن والحيوان والنبات وأصناف المصنوعات على أيدي البشر، وكل هذه صور وآلات وكنايات عن معانٍ لطيفة وأسرار دقيقة يرى الناس ظاهرها ولا يعرفون معاني بواطنها من لطيف صفة الباري جل ثناؤه، أمّا النوع الرابع فالكتب الإلهية التي لا يمسّها إلا المطهرون الملائكة فهي بأيدي سفرة كرام بررة وهي التي تتحدث عن جواهر النفوس وأجناسها وأنواعها وجزئياتها وتصاريفها للأجسام وتحريكها وتدبيرها إيّاها وتحكّمها عليها وإظهار أفعالها بها ومنها حالاً بعد حال في ممر الزمان وأوقات القرانات والأدوار وانحطاط بعضها تارة إلى قعر الأجسام وارتفاع بعضها تارة من ظلمات الجثمان وانبعاثها من نوم الغفلة والنسيان وحشرها إلى الحساب والميزان وجوازها على الصراط ووصولها إلى الجنان أو حبسها في دركاتها الهاوية والنيران أو مكثها في البرزخ أو وقوفها على الأعراف.

آراؤهم في الصّداقة

  إذا أراد أحد إخوان الصفا أن يتخذ صديقاً عليه أن يعتبر أحواله ويتعرف أخباره ويجرب أخلاقه ويسأله عن مذهبه واعتقاده ليعلم هل يصلح للصداقة وصفاء المودة وحقيقة الأخوة أم لا. واعلم بأن شر الطوائف كلها من لا يؤمن بيوم الحساب وشر الأخلاق كِبر إبليس وحرص آدم وحسد قابيل، وهي أمهات المعاصي. واعلم بأن الناس مطبوعون على أخلاقهم بحسب اختلاف تركيب أجسادهم. واعلم بأن من الناس من هو مطبوع على خلق واحد أو عدة من أخلاق محمودة ومذمومة. فينبغي لك إذا أردت أن تتخذ صديقاً أو أخاً أن تنتقده كما تنتقد الدراهم والدنانير والأرضين طيبة التربة للزرع والغرس وكما ينتقد أبناء الدنيا أمر التزويج وشراء المماليك والأمتعة التي يشترونها. واعلم بأنَّ من الناس من يتشكل بشكل الصديق ويتدلس عليك بشبه الموافق ويظهر لك المحبةَ وخلافُها في صدره وضميره. واعلم بأنَّ الإنسان كثير التلون قليل الثبات على حال واحد وذلك أنه قلَّ من الناس من تحدث له حال من أحوال الدنيا أو أمر من أمورها إلا ويحدث له خلق جديد وسجية أخرى ويتغير خلقه مع إخوانه ويتلون مع أصدقائه إلا إخوان الصفا الذين ليست صداقتهم خارجة من ذاتهم إنما هي قرابة رحم، ورحمهم من يعيش بعضهم ببعض ويرث بعضهم بعضاً، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أنهم نفس واحدة في أجساد متفرقة، فكيفما تغيرت حال الأجساد بحقيقتها فالنفس لا تتغير ولا تتبدل.

  وهناك خصلة أخرى هي أن أحدهم إذا أحسن إلى أخيه إحساناً فلا يمن عليه به لأنه يرى ويعتقد بأنَّ إحسانه إلى نفسه كان، وإن أساء إليه أخوه لم يستوحش منه لأنه يرى بأن ذلك كان منه إليه، فمن اعتقد في أخيه مثل هذا واعتقد أخوه فيه مثل ذلك فقد أمن كل واحد من أخيه غائلته أن يتغير عليه في يوم من الأيام بسبب من الأسباب أو بوجه من الوجوه. واعلم أنَّ في الناموس أقواماً يتشبهون بأهل العلم ويدلسون بأهل الدين؛ لا الفلسفة يعرفونها ولا الشريعة يحققونها، ويدعون مع هذا معرفة حقائق الأشياء ويتعاطون النظر في خفيات الأمور الغامضة البعيدة وهم لا يعرفون أنفسهم التي هي أقرب الأشياء إليهم ولا يميزون الأمور الجلية ولا يتفكرون في الموجودات الظاهرة المدركة بالحواس المشهورة في العقول، ثم ينظرون في الظفرة والقلقة والجزء الذي لا يتجزأ، فاحذرهم يا أخي فإنهم الدجالون.

  فإذا كان الأمر كما وصفت فينبغي لك أيها الأخ ألّا تنشغل بإصلاح المشايخ الهرمة الذين اعتقدوا من الصبا آراء فاسدة وعادات ردية وأخلاقاً وحشية فإنهم يتعبونك ثم لا ينصلحون، ولكنْ عليك بالشباب سالمي الصدور، واعلم بأن الله ما بعث نبيّاً إلا وهو شاب ولا أعطى عبداً حكمة إلا وهو شاب، كما ذكرهم ومدحهم فقال: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} وكما قال: {قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} وقال أيضًا: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ} واعلم بأنَّ كل نبي بعثه الله فأول من كذّبه مشايخ قومه. 

مراتب إخوان الصّفا النّفسيّة

 تقع قوة نفوس إخوان الصفا في أربعة مراتب:

الأولى: صفاء جوهر نفوسهم وجودة القبول وسرعة التصور، وهي مرتبة أرباب ذوي الصناعات في مدينتها التي ذكرت في الرسالة الثانية، وهي القوة العاقلة المميزة لمعاني المحسوسات الواردة على القوة الناطقة بعد خمس عشرة سنة من مولد الجسد.

الثانية: مرتبة الرؤساء ذوي السياسات، وهي مراعاة الإخوان وسخاء النفس وإعطاء الفيض والشفقة والرحمة، وهي القوة الحكيمة الواردة على القوة العاقلة بعد ثلاثين سنة من مولد الجسد، وهم الذين نسميهم الأخيار والفضلاء.

الثالثة: مرتبة الملوك ذوي السلطان والأمر والنهي والنصر والقيام بدفع العناد والخلاف عند ظهور المعاند المخالف لهذا الأمر بالرفق واللطف والمداراة في إصلاحه، وهي القوة الناموسية الواردة بعد مولد الجسد بأربعين سنة، وهم الذين نسميهم إخواننا الفضلاء الكرام.

الرابعة: هي التي تدعو إخواننا كلهم في أي مرتبة كانت إلى التسليم وقبول التأييد ومشاهدة الحق عياناً، وهي قوة الملكية الواردة بعد خمسين سنة من مولد الجسد، وهي الممهدة للمعاد والمفارقة للهيولى وعليها تنزل قوة المعراج وبها تصعد إلى ملكوت السماء فتشاهد أحوال القيامة من البعث والنشر والحشر والحساب والميزان والجواز على الصراط والنجاة من النيران ومجاورة الرحمن، وإليها أشار فيثاغورس في الرسالة الذهبية في آخرها: «إنك إذا فعلت ما أوصيك عند مفارقة الجسد تبقى في الهواء غير عائد إلى الإنسية ولا قابل للموت.»

وإنَّ المطلوب من المدعوين إلى هذا الأمر أربعة أحوال:

الحال الأول: الإقرار بحقيقة هذا الأمر.

الحال الثاني: التصور لهذا الأمر بضروب الأمثال بالوضوح والبيان.

الحال الثالث: التصديق له بالضمير والاعتقاد.

الحال الرابع: التحقيق له بالاجتهاد في الأعمال المشاكلة لهذا الأمر.

إيضاح فلسفة إخوان الصّفا (الفلسفة الأخلاقيّة في نظر إخوان الصّفا)

  اعتمدنا في تلخيصنا على الرسالتين الرابعة والتاسعة من الجزء الأول والثانية من الجزء الثاني والسادسة من الجزء الثالث.

  تكلم إخوان الصفا في الرسالة الرابعة من الرياضيات في علم الموسيقى وأثره في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق وقد صرحوا بأن ليس غرضهم في هذه الرسالة تعليم الغناء وصنعة الملاهي بل معرفة النسب وكيفية التأليف اللذين بهما وبمعرفتهما يكون الحذق في الصنائع كلها، وإنَّ من الأصوات والألحان والنغمات ما له في النفوس تأثيرات كتأثيرات صناعات الصّنّاع في الهيوليات الموضوعات في صناعاتهم، فمن تلك النغمات والأصوات ما يحرك النفوس نحو الأعمال الشاقة وينشطها ويقوّي عزماتها وهي الألحان المشجعة التي تستعمل في الحروب لا سيّما إذا غُنّي معها بأبيات موزونة، ومن الأبيات الموزونة أيضاً ما يثير الأحقاد الكامنة ويحرك النفوس الساكنة، فمن أجل هذا كانت الألحان والموسيقى تستعمل عند الأمم كلّها في الحزن والسرور وتارة في بيوت العبادة والأسواق وعند الراحة والتعب، ويستعملها الرجال والنساء والعلماء، ويستعملها الجمّالون للحداء في الأسفار والصياد عند صيد الدراج والقطا.

 وإنَّ الأصوات نوعان: حيوانية وغير حيوانية، كصوت الحجر والحديد والرعد والطبل والمزامير. والأصوات الحادة والغليظة متضادة ولكن إذا كانت على نسبة تأليفية ائتلفت وامتزجت وصارت لحناً موزوناً واستلذّتها المسامع، وإنَّ الحكماء قد صنعوا آلات وأدوات كثيرة لنغمات الموسيقى. واعلم أنَّه إنْ لم يكن لحركات أشخاص الأفلاك أصوات ولا نغمات لم يكن لأهلها فائدة في القوة السامعة، ويوجد في طباع الصبيان اشتياق إلى أحوال الآباء والأمهات وفي طباع التلامذة والمتعلمين اشتياق إلى أحوال الأساتذة والمعلمين وفي طباع العامة اشتياق إلى أحوال البلوغ وفي طباع العقلاء اشتياق إلى أحوال الملائكة وتَشبُّهٌ بهم، كما ذكر في حد الفلسفة إنها التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسانية، ويقال إن فيثاغورس الحكيم سمع بصفاء جوهر نفسه وذكاء قلبه نغمات حركات الأفلاك والكواكب فاستخرج بجودة فكره أصول الموسيقى ونغمات الألحان. ثم اعلم أنَّ غرض الأنبياء في وضعهم الشرائع صلاح الدين والدنيا وغرضهم الأقصى نجاة النفوس من محن الدنيا وشقاوة أهلها. واعلم أنَّ تأثيرات نغمات الموسيقار في نفوس المستمعين مختلفة الأنواع ولذة النفوس منها وسرورها بها يكون بحسب مراتبها في المعارف وبحسب معشوقاتها المألوفة من المحاسن، واعلم أنَّ أخلاق الناس وطبائعهم تختلف من أربع جهات:

الجهة الأولى: من حيث جهة أخلاط أجسادهم ومزاج أخلاطها.

الجهة الثانية: من حيث جهة ترب بلدانهم واختلاف أهويتها.

الجهة الثالثة: من حيث جهة نشوئهم على ديانات آبائهم ومعلميهم وأساتذتهم ومن يربيهم ويؤدبهم.

الجهة الرابعة: من حيث جهة موجبات أحكام النجوم في أصول مواليدهم ومساقط نطفهم.

  واعلم أنَّ مراتب النفوس ثلاثة أنواع فمنها مرتبة الأنفس الإنسانية ومنها ما هي فوقها ومنها ما هي دونها. فالتي هي دونها سبع مراتب والتي فوقها سبع أيضاً وجملتها خمس عشرة مرتبة، والمعلوم من هذه المراتب خمس منها اثنتان فوق رتبة الإنسانية وهي رتبة الملكية والقدسية، ورتبة الملكية هي رتبة الحكمية ورتبة القدسية هي رتبة النبوة الناموسية، واثنتان دونها وهي مرتبة النفس النباتية والحيوانية.

وإنَّ من الأخلاق والقوى ما هو منسوب إلى النفس النباتية الشهوانية وما هو منسوب إلى النفس الحيوانية الغضبية ومنها ما هو منسوب إلى النفس الإنسانية الناطقية ومنها ما هو منسوب إلى النفس العاقلة الحكمية ومنها ما هو منسوب إلى النفس الناموسية الملكية.

  ثم تدرّج إخوان الصفاء من هذه الفصول إلى نظرية كون العالم إنساناً كبيراً وكون الإنسان عالماً صغيراً وهي النظرية التي قال بها بعض فلاسفة اليونان وأشار إليها ابن سيناء في قوله إنَّ الإنسان انطوى فيه العالم الأكبر واتخذها سبنسر أساساً لبحثه في علم الاجتماع، فقالوا في بيان معرفة قول الحكماء “إنَّ العالم إنسان كبير” إنَّهم يعنون بالعالم السموات والأرضين وما بينهما من الخلائق أجمعين وإنَّهم يرونه جسماً واحداً بأفلاكه جميعها وبأطباق سماواته وأركان أمهاته ومولداتها، ويرون أيضاً أنَّ له نفساً واحدة سارية قواها في أجزاء جسمها جميعها كسريان نفس الإنسان الواحد في أجزاء جسده جميعها.

  وقد حاول إخوان الصفاء في الرسالة الثانية من الجزء الثاني الموسومة «السماء والعالم في تهذيب النفس وإصلاح الأخلاق» أن يذكروا صورة العالم ويصفوا كيفية تركيب جسمه، كما وصف في كتاب التشريح ترتيب جسد الإنسان، ثم وصفوا في رسالة أخرى ماهية نفس العالم وكيفية سريان قواها في الأجسام التي في العالم من أعلى الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض، ثم بينوا فنون حركاتها وإظهار أفعالها في أجسام العالم بعضها في بعض. وقد أتوا في ذلك بتمثيل بين حركات الأفلاك حول الأرض كاختلاف دور الطائفين حول البيت الحرام.1 كما شرحوا معنى القيامة بأنه إذا فارقت النفس الجسد قامت قيامتها أمّا الجسد فلا يقوم عند الموت بل يقع وقوعاً لا يقوم بعده. وقالوا إنَّ النفس إذا فارقت هذا الهيكل فليس يبقى معها ولا يصحبها من آثار هذا الجسد إلا ما استفادت من المعارف الربانية والأخلاق الجميلة فإذا رأت تلك الصورة فرحت بها، وذلك ثوابها ونعيمها.

وجعلوا الرسالة السادسة من الجزء الثالث مقصورة على البحث في ماهية العشق ومحبة النفوس والمرض الإلهي، وكثير من الحكماء وصفوا أعراض هذا المرض مما يعرِض للعشاق من سهر الليل ونحول الجسم وغور العيون وتواتر النبض والأنفاس الصعداء، وقالوا إنّه جنون إلهي. والأطباء يسمونه (ملنخوليا). وقال بعضهم: «العشق هو شدة الشوق إلى الاتحاد.» ولهذا فأي حال يكون عليها العاشق يتمنى حالاً أخرى أقرب منها، وفي هذا قال الشاعر:

أعانقها والنفس بعد  مَشُوقةٌ        إليها و هل  بعد العناق  تداني

وألثم فاها كي تزولَ صبابتي       فيزداد ما  ألقى  من  الهيمان

كأنَّ فؤادي ليس يشفى غليله     سوى أن ترى الزوجين يمتزجان

  إنَّ كثيراً من الناس يظنون أنَّ العشق لا يكون إلا للأشياء الحسنة حسب، وليس الأمر كما ظنّوا فقد قيل: «يا رُبَّ مستحسِنٍ ما ليس بالحَسَنِ.» ولكن العلة في ذلك هي الاتفاقات التي تقع بين العاشق والمعشوق وهي كثيرة، منها المناسبات بين كل حاسة ومحسوساتها. ثم اعلم أنَّه من ابتُليَ بعشق شخص من الأشخاص ومرت به تلك المحن والأهوال وعرضت له تلك الأحوال ثم لم تنتبه نفسه من نوم غفلتها فيتسلى ويفيق أو نسي وابتلي من بعد بعشق ثان لشخص آخر فإنَّ نفسه نفس غريقة في عمائها سكرى في جهالتها.

  والفرق بين الخاصّة والعامة أنَّ العامة إذا رأت مصنوعاً حسناً أو شخصاً مزيناً تشوقت نفوسهم إلى النظر إليه والقرب منه والتأمل فيه، وأمّا الخواص فتتشوق نفوسهم إلى الصانع الحكيم والمبدع العليم والمصور الرحيم.

  هنا انتهينا مما أردنا تلخيصه من الأخلاق في فلسفة إخوان الصفاء وهي كما يرى القارئ مزيج من الحكمة والتصوف والفلك والرياضة.

ولما كانت فلسفة إخوان الصفاء تمثّل مرحلة من تاريخ الفلسفة الإسلامية، وكانت مؤلفاتهم كاملة الشكل لا ينقصها إلا الضبط والتعليق وبعض التفسير، فيا حبذا لو أعيد طبعها طبعاً جيداً لتكون حلقة جميلة في سلسلة آثار فلاسفة الإسلام.

وتحية شكر للقراء الكرماء.

1. خير الدين الزركلي/ رسائل إخوان الصفاء وخِلَّان الوفاء/ بيروت/ دار القلم للطباعة و النشر و التوزيع/ 2000/ ج2/ ص26 .

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply