أشخاص أم دُمى

غادة عريم

لقد تمّسك هؤلاء الأشخاص حولي بالحياة وأنا أتعلم منهم رسم طريق للوصول إلى الحياة. 

لم يمض على طلاقي إلا بضعة أشهر وقد عدت الى مدينتي غزّة لإنهاء معاملات هذا الارتباط الذي عاندت عائلتي  ووقفت ضدهم في سبيله. 

      تسلسل الأحداث يصبح غير مهم, المهم ألا تنطفئ  الشعلة وتبقى الحياة منبع إلهامنا ..من تلك الخانة سأنطلق فكل لحظة بحياتي قصة أعيشها بالواقع أو الخيال لا يهم لكنني أعيشها وأتعايش معها. قد تؤلمني وقد تُفرحني. لكل حرف ينطلق بصدق يلامس المشاعر يرافق أيامي معانٍ كثيرة , تنطلق من داخلي تُحدّث أيامي وتستدعيها يوماً بعد يوم. أحلامي قيد انتظار فتحلو بعيني وتكبر بداخلي.

أستيقظت في السابع من تشرين الاول على صوت الانفجارات التي أفزعت أبني البالغ من العمر إحدى عشر عاماَ. أحتضتنه وأنا ما بين الخوف والندم على  أنني أصطحبته معي. لكن لم يكن الخيار بيدي فأباه الذي يعيش في عالمه الخيالي لا يمكنني الأعتماد عليه في مراعاة صبي في هذا العمر. بقينا في البيت عدة أيام صامدين بما نتملك من طعام وماء وبعد إنتهاء الأسبوع وعلى أمل أن يتوقف القصف, أضطررت للخروج إلى الشارع للبحث عن الخبز وبعض الطعام. كان المنظر بشعاَ مباني مهدمة ودماء في كل مكان. أصوات الاستغاثات تملأ الفضاءات السوداء, دخان متصاعد هو الآخر كان يستغث ويهرب للسماء. 

تلقيت اتصالاَ من عائلة طليقي أن علي أخلاء المنزل والالتحاق بهم فقد صرّح العدّو تحذيرا بقصف المنطقة وعدت أدراجي لألملم أوراقي وبعض الملابس وضعتها بحقائب على ظهري وظهر إبني وبدأت رحلة الهرب المخيفة. لا أعلم هل هو خوف أم تمسك بالحياة أم هو محاولة انقاذ طفل ليس له ذنب بقراراتي. وصلت بيت عائلة طليقي ووجدتهم متأهبين للهرب أيضا. 

مم نهرب؟ 

هل نهرب من الواقع المرير الى اللا واقع الذي في أمنياتنا للحصول على الأمان وأين يقع هذا المدعو أمان؟!! لقد كنت أعيش في دولة أوربية وأنا حذرة في التعامل مع إبني لئلا يأخذوه مني بسبب المشاكل التي بيني وبين زوجي. إن ّتحقيق الحلم قد يكون سقوطٌ لا أتحمله فكل ما في الخيال جميلٌ إلى أن يلامس الواقع, فتأتي الأقدار وجتضحك علينا حين نصحو من غيبوبة الأمل في تحقيق ذلك الحلم.

لبثنا شهرين متكاملين في مسكن صغير وكنا على ما يقارب المائة شخص نتقاسم الخبز وبعض الحبوب.  الجثث في كلّ مكان كأنّها دُمى متساقطة تشبه تلك التي في لعبات إبني التي كان يلعبها على جهاز الكومبيوتر. وكأنّ الحقيقة كلّها أصبحت عبارة عن أننا نتنفس. لم يبق لنا غير الأنفاس التي تتصاعد ونحن نلملم الدمع المتساقط منّا بعيداّ عن عيون الأطفال. 

لم يكن الهواء على مايرام, كان ثقيلاّ مملوء برائحة البارود وعيناي تحرقاني من الدخان المتصاعد. كم كنت أود تحطيم الجدران قبل أن تحطمها قنابلهم, كنت أريد الصعود على الغيمات أنا وإبني لأعود لتلك البلاد التي تركتها فقط لينتهي هذا الكابوس. لكنه لا ينتهي وبعد شهرين ونصف الشهر استطاعوا إخراجنا من الجحيم الذي كنا فيه إذ استطاعت الدولة التي أحمل جنسيتها ان استدعاءنا عبر الأمم المتحدة. 

لكن الجحيم في الواقع لم ينتهِ بداخلنا لا زلت أعيش كل يوم الأحداث. أشتم رائحة البارود وأجلس أمام التلفاز أراقب ما يحصل هناك. من يستطيع أن يخرجني من هذا الواقع المرير؟

العالم كله يتفرج معي حتى أني أصبحت أشبههم, أصبحنا دّمىً لا أشخاص نحن فقدنا الأحساس بالحياة وندّعي تمسكنا بها.

لا بوابة للعدالة في هذه الحياة، لكن كل الطرق مفتوحة أمامنا ونحن من يختار. ومع ذلك يوقفنا الخوف والتردد فأنا أنتمي لهذا الشعب المظلوم واخترت الهرب الى دولة تبيع الأسلحة إلى من يقتل أهلي. إنه اللا حول واللا قوة الذي أجبرني فقد أخترت الحياة لإبني الذي لا ذنب له فيما يحصل. وها أنا أشعر بالتوق القديم نفسه الأنتماء وشيء من اللا أمان. وأشك أنني قد فعلت الأمر نفسه ثانية فجوّ المغامرة لا يزال هناك. والآن علي أن أختار العودة أو اللا عودة وهل سأكون مع طائفة الدّمى أم الأشخاص!؟

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply