البرجوازيون هم البرجيون

عبد الكريم الناصري

البرجوازيون والبروجوازية والطبقة البرجوازية هي تعريب (بورجوازي bourgeoisie) الفرنسية، ومعناها الحرفي الأصلي: أهل المدن. ومعناهاالمألوف في الفرنسية واللغات الأوربية الأخرى: الطبقة المتوسطة، ولا سيّما التجار وأصحاب الحوانيت بالجملة (أهل السوق) وهناك الطبقة البورجوازية العليا (أوت بورجوازي). والطبقة البورجوازية الدنيا (بتيت بورجوازي) وعند الماركسيين تقابل الطبقة البرجوازية، طبقة العمال أي البروليتاريا، وهم يعنون بالبورجوازية العليا كبار الرأسماليين من رجال الصناعة والأعمال.

وجميع الذين أشرنا إليهم من تجار، وأصحاب حوانيت، وصناعيين، وعمال هم من أهل المدن.

 واللفظ المبحوث فيه من بورجوا-بورجواز Bourgeois ومعناه واحد أو واحدة من أهل المدن- فرد من أفراد الطبقة المتوسطة – مواطن. وهناك معان أخرى لا تعنينا هنا. وهذه الألفاظ – بروجوا ، بورجواز ، بورجوازي- تُلفظ الجيم فيها كما يلفظها أهل الشام مشتقة من بورج bourg بالجيم المصرية ومعناها (بلدة). والأصل في لفظة برج أنها الحصن، ثم دلت على معنى البلدة المنشأة في ظل برج. وبهذا المعنى دخلت في أسامي مدن ألمانية كبيرة من أمثال: هامبرج، شتراسبرج، كما دخلت بورج الفرنسية في أمثال: شربورج، الميناء الفرنسي المعروف، وكما دخلت نظائر تيوتونية للكلمة الالمانية مثل برج في الانكليزية القديمة وبورو Borough في الانكليزية الحديثة في أسماء جملة من البلدان (جمع بلدة) من قبل بتربورو واللفظتان الانكليزيتان القديمة والحديثة ليستا مأخوذتين من الالمانية. وكذا يقال في (نظائر) هذه الكلمات الثلاث في اللغات التيوتونية الأخرى كالنرويجية والهولندية، لأننا هنا بإزاء لفظة تيوتونية مشتركة. أي ترجع الى أم هذه اللغات، ولكن هذا لايعني ان اللغة التيوتونية لم (تستعرها) من لغة اخرى. على أن النظر الى هذه المسألة، وفي مسألة الصلة المحتملة بين (برج) التيوتونية و(البرج) العربية، ليس من غرض هذا المقال.

والسبب في تحول مدلول الكلمة من الحصن والبرج الى البلدة والمدينة واضح، وهو تزايد عدد الذين يقيمون بجوار الأبراج، احتماء بها. حتى يتحول الموضع الى بلدة ذات سوق ومرافق اخرى. وهناك كثير من البلدان العربية المسبوقة بكلمة حصن او قلعة كمدينة حصن كيفا (التي ازدهرت في (تركيا) في القرون الوسطى، وقلعة (بني حماد عاصمة بني حماد، (في الجزائر) في القرن الحادي عشر، قلعة صالح (محافظة ميسان بالعراق) وقلعة سكر (ذي مدينة في محافظة قار) في العراق.

ولقد اقترنت نشأة المدن الجديدة في اوربة في القرون الوسطى، بنمو التجارة وتزايد نفوذ التجار ابتداء من القرن الحادي عشر، وقد قيل في ذلك -على جهة التصور لكيفية نشوء هذه المدن، وارتباطها بالتجارة والتجار- إن هؤلاء كانوا في خلال اسفارهم الطويلة والشاقة يجدون في اكناف الابراج والقلاع خير امكنة يستقرون فيها، طلبا للراحة أو انتظارا لذوبان نهر متجمد، أو جفاف طريق موحل،وثم اتخذوها مراكز لهم، وتزايد عددهم فيها، ووسعوها وانضم اليهم اهل الارياف، هربا من الاقطاع وبحثا عن الاعمال. ويشار في هذا الصدد الى أن لفظ (برجينسيس burgensis) في اللاتينية الواطئة ومعناها بلدي أي واحد من أهل البلدة كانت تستعمل ايضا حتى بداية القرن الثاني عشر مرادفة لكلمة (ميركاتور meractor) أي: تاجر. على أن من الواضح ان المدن، لا الأرياف، هي مراكز التّجار في كل زمان ومكان. ومما تقدم يتضح أن لفظة (بورجوازي) الفرنسية ومعناها الطبقة المتوسطة قد تطورت من لفظة تشبه (البرج) العربية معنى ومبنى. فالبورجوازيون هم البرجيون. وهذا ليس معناه اني اقترح استعمال (البرجيين) أو (البرجية) مكان البروجوازيين او البرجوازية، فما اردت فيما تقدم سوى اطلاع القاريء على بعض الحقائق اللغوية والتاريخية. 

– المصدر جريدة الثورة (العراقية) -السنة الرابعة- العدد 880 – الأحد 22 نيسان 1962

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply