[بعد الاطِّلاع والمناقشة بين الشَّاعر (……) والنَّاقد الكبير (……) تقرَّر منحُ (……) صفةَ شاعر نثر]
هذهِ (شهادة شاعر) صادفتْني وأنا أقلِّب الصَّفحاتِ على الشَّابكة. فركتُ عينيَّ ثلاثاً لعلِّي أطردُ علَّةً ربَّما تكونُ قد دَهِمتْ بصري، ثمَّ مسَّدْتُ جبيني ثلاثاً لعلِّي أزيحُ صورةً متخيَّلةً أو فكرةً يوسوسُ بها وَسواسٌ خنَّاسٌ، لكنَّ الكلماتِ ظلَّت متشبِّثةً بمعناها.
توقَّفتُ عند المنشور طويلاً لما ينطوي عليه من إشكالٍ ثقافيٍّ ومفهوميٍّ وأخلاقيٍّ يوجبُ النَّظر والمساءلة. فالشِّعرُ في مقامِه السَّامي غايةٌ لا توهَبُ بشهادةٍ ومطمعٌ لا يُمنَحُ بترخيص. الشِّعرُ العربيُّ ظلَّت رايتُه لقرونٍ من الزَّمن مغروزةً في ذروة البيانِ والبلاغةِ الَّتي أنتجها الإنسانُ العربيُّ. لكن غبَرتْ تلك القرونُ السَّالفات وترهَّل اللِّسانُ العربيُّ وهَشَّ البيانُ وركَّتِ البلاغةُ وضعُفت الذَّائقةُ الأدبيَّةُ وانحدرتْ أيَّما انحدار حتَّى صار قولُ الشِّعر أو ادِّعاؤه حقَّاً مكتسباً لكلِّ من كتب؛ فَجارَ النَّاسُ على الشِّعر وجاوزوا الحدَّ. ولقد تكاثرَ النَّثرُ الَّذي يريد أن ينتحلَ صفةَ الشِّعر ويرتدي عباءته دون امتلاك أدواتِه أو شروطِه، وإنَّ الجهلَ بالنَّحو والصَّرف والإملاء بيِّنٌ في ما ينتجُه أكثرُ من يطلبون لقبَ (شاعر).
إنَّنا نتعدَّى على الشِّعر وبيانِه حين نسمِّي من يكتب النَّثرَ شاعراً، ونتعدَّى على الفكر حين نمنَحُ الكاتبَ -ناثراً كان أو شاعراً- شهادةً ممهورةً بشرعيَّةٍ زائفةٍ تخوِّلُه حملَ (صفة) شاعر، والأنكى أن يصدرَ هذا عمَّن ينتسبون إلى التُّراثِ العربيِّ فكراً ونتاجاً.
اللُّغة العربيَّةُ لغةُ شعرٍ وعلومُها كلُّها في خدمتِه لأنَّه أرقى ما وصل إليه نتاجُ العرب. والشِّعر العربيُّ -بعمودِه وتفعيلتِه- يستوعبُ ألفاظَ العربيَّةِ كلَّها ويستوعبُ أمورَ العرب في حياتِهم وشؤونَهم وشجونَهم. ولا بأس في إيجاد طرائقَ جديدةٍ للتَّعبير فالتَّجديدُ ضرورةٌ لا جدال فيها، لكنَّ الانفلاتَ من التُّراث يمشي بنا إلى ظُلمة. وإجازةُ ما لا يلتفِت إلى التُّراث ولا يقيم له وزناً معرفيَّاً أو جماليَّاً بل يضرِب به عرضَ الحائط تجاوزٌ علينا أن نغلِق البابَ دونَه ؛ فكيف لنا أن نستوعبَ تراثَنا أو نتمثَّلَه ما دُمنا لا نغارُ عليه؟
وقد نبَّه الدُّكتور عليّ جواد الطَّاهر إلى أنَّ ممَّا زاد الأجيالَ بُعداً على بُعد عن التُّراث “هوَسَ النَّاقدِ العربيِّ المعاصرِ جدَّاً باستيرادِ السَّهلِ من النَّقدِ الغربيِّ وعَدَّهُ هذه المتغيِّراتِ الطَّارئةَ مجداً ومُفتَخَراً، ولا نقول مُتَّجَراً”. وإنَّ الشِّعرَ “لا يَصلُح آخرُه إلَّا بما صلُحَ أوَّلُه. فبعد صدقِ الموهبةِ وإخلاصِ النِّيَّة، عمقٌ في التُّراث العربيِّ وعمقٌ في التُّراث العالميِّ. ولا معنى للأجيال اللَّاحقة في دعوى الاجتياز أو السَّخْر بالتُّراث بل في مزيَّةٍ جديدة وفضلٍ جديد” يقولُ الطَّاهر.
إنَّ التَّحوُّلاتِ الثَّقافيَّةَ الحديثةَ وما رافقها من تراجع في معايير التَّلقِّي والنَّقد أسهما في تمييع الحدود الفاصلة بين الأجناس الأدبيَّة، وكان الشِّعرُ أوَّلَ ضحيَّة فصارَ وصفُ (شاعر) يُطلَق على كلِّ من كتب نصَّاً موزوناً أو غيرَ موزون، دون نظرٍ في قيمتِه أو اعتبارٍ لشروطِ اللُّغة الَّتي هي من أدوات الشِّعر فلا يُسمَحُ بالتَّعدِّي عليها أو الانزياح عنها.
وليس هذا الانفلاتُ خاصَّاً بالأدب وحدَه، ففي مجال البحث العلميِّ ظواهرُ خطيرة تُسهِّل النَّشر عبر تحكيمٍ صوريٍّ ومجلَّاتٍ مفترِسة تمنح المُنتَجَ والمُنتِجَ شرعيَّةً زائفة. وعلى المنوال ذاتِه، تغزو الأدبَ منابرُ وهميَّة وشهاداتٌ تُلقِّب صاحبَها شاعراً. وثمَّةَ مأزقٌ أخلاقيٌّ هنا إذ يتحوَّل الإبداعُ إلى مظهرِ وجاهةٍ لا تجربةٍ معرفيَّةٍ جماليَّةٍ، ويتبع ذلك إفقارُ الذَّائقة العامَّة وإشاعةُ (ثقافة العنوان أو المسمَّى) بدلَ (ثقافة النَّصِّ). وهنا لا يعود الخللُ محصوراً في ما للنَّصوص وما عليها بل يتعدَّاه إلى إضفاء شرعيَّة شكليَّة عليها. ومن المقلق أن يرخِّصَ المنسوبون إلى التَّراث السَّطوَ على عباءة الشِّعر.
المبدعُ لا يُعرَّفُ بورقة ولا يُثبَّتُ بختم بل يفرِضُ نفسه بالنَّصِّ ويَنتزِعُ الاعترافَ بموهبته انتزاعاً دون وساطة الأختام. وإنَّ ادِّعاءَ القدرةِ على منح (صفة شاعر) بشهادةٍ ادِّعاءٌ زائفٌ بامتلاك سلطةٍ لا يقرُّها الإبداع ولا يملكها النَّقد. وإنَّ مقاومةَ هذه الظَّاهرةِ ليست إقصاءً بل دفاعاً عن معنى الشِّعر وكرامتِه.
أيُّها السَّادةُ المانحون والممنوحون والسَّيِّداتُ:
الشِّعرُ صعبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ
إذا ارتقى فيهِ الَّذي لا يعلمُهْ
زلَّتْ به إلى الحضيضِ قدَمُهْ
والشِّعرُ لا يسطيعُه من يظلِمُهْ
يريدُ أنْ يعربَه فيعجمُهْ
ولم يزَلْ من حيثُ يأتي يُحرَمُهْ
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
