
طالب عبد العزيز
قد يذهبُ بعضنا أبعدَ من تصوّر الدينيين عن فكرة خلق العالم الى احتمال المصادفة، فيكون الكون كله نتيجةً للصدفةً، فنشأ وتحقق في لحظة لم يخطط لها أحدٌ، ولم تكن لتولد تحت تأثير أيّ فكرة مسبقة، وهي الأجمل لأنَّ المنشئ أيّاّ كانت قدرته سيقع في أخطاء كارثية، ذلك لأنَّ صناعة كون بهذا التعقيد والجمال لن تكون إلّا مصادفةً، وفعلا عظيماً، يفوق فكرةَ الخلق التي سوقت الينا بوصفها معجزة، نعلم أنه كلام يغضب الكثير، لكنه في الوقت ذاته قابل للدحض والنفي.
الصدفة هي الحدث الذي يقع بشكل مفاجئ. مثل اللقاء بصديق أو قريب في مكان لم يعلم أيٌّ منهما بتواجد فيه. وهو غير متوقع. لكن، لا ينبغي الخلط بين الصدفة والقدر، لأنَّ القدر هو حدوث الصدفة؛ بشكل متكرر وغير معقول. قبل نحو من نصف قرن كنتُ قد سهرتُ بالبصرة في حانة مع أحد الأصدقاء، كان يحمل مظروفاً فيه وثائق تخصّه، ثم افترقنا. سار هو باتجاه الشمال، وسرت أنا باتجاه الجنوب، حتى أنَّ وداعنا كان تقليدياً، لكنني وبعد ثلاثة أيام فوجئتُ بالمظروف في واجهة أحد المطاعم، ثم أنني سألتُ صاحبه عنه، فأعلمني بأنه عثر عليه مصادفةً. سلّمني المظروف بعد أن عرّفته باسم صاحبه ومحتوياته، لكنني، وجدتُ نفسي في مأزق، إذْ كيف سأجدُ صاحبي، ونحن بلا هواتف، ولا علم لأحدِنا بمحل سكن الآخر؟
حملتُ المظروف وسرتُ بيقين قاطع بأنني سأجده وجهاً لوجه في الشارع الذي سأنعطف فيه، ورأيته، كما توقعت !! كيف حدث ذلك؟ لا أعرف جواباً، لكنني، أتذكرُ أننا تحدثنا عن الصدفة كثيراً. ” التي تعرّف أيضاً بأنها كلُّ عارضٍ للإنسان لم يكُنْ يتوقَّعُه، أو لا يعرِفُ أسبابَ ظهورِه. هل نقول بأنّها نقصٌ في معرفتنا ؟ ربما هي كذلك. يقول أحدُهم بأنَّ بلادَه تعيشُ منذ أربعين عامًا في أمنٍ مطْـلَـقٍ؛ وفجأةً ظهرَتْ عصاباتٌ مسلَّحةٌ روَّعَتِ السكَّانَ.”، فلا تُصدِّقوا أنَّ شيئًا يحصلُ بالصُّدْفة. عليكم أنْ تعيدوا النظرَ في كلِّ كلمةٍ قالها وأنْ تطلبوا منه تعريفَ الكلمات التالية: “تعيش”، “أمْن”، “مُطْـلَق”، “فجأةً”، “عصابات”، “مسلَّحة”. إنَّ هذه البلادَ، وعلى رأسها نظامها السياسي، قد التي راكَمَتْ ومنذ أربعينَ عامًا وأكثر أخطاءً مرعبةً أدَّت بالنتيجة إلى هذه “العصابات المسلَّحة” المزعومة. ولنَـعْـلَـمْ أنْ ليس هناكَ مِنْ عنايةٍ إلهيةٍ تُخرِجُنا من مأساتنا. وليس هناك مِنْ شيءٍ يأتي بالصُّدْفة. وإذا أرادَ النظامُ السياسيُّ الذي ساهمَ كثيرًا في تدمير تلك البلاد المذكورة في المثال أعلاه أنْ يُجبِرَني على القول بأنَّ هناك بالفعل عصاباتٍ مسلَّحةً ظهرَتْ هكذا “بالصُّدْفة”، فإنني أقول: “إذا كانت عصاباتٌ مسلَّحةٌ فإنها صَنيعةُ النظام. نَعَمْ، هناك صُدْفةٌ. ولكنَّ الصُّدْفةَ لا تأتيْ بالصُّدْفة.”
سنجد في قضية الخلق التي يقطع البعض بوجودها مصادفةً أنْ هناك من يروّج الى غير ذلك، فيقول بأنَّ الآلهة، كلية القدرة هي من يقف وراء الخلق، بتعقيده المعلوم، وهي خصيصتها وحدها، ولو جئته بعيون الحجج والاسباب القاطعة لن يتنازل عن فكرته، ذلك لأنَّه يجدُ وجوده كله في الفكرة هذه، ولا يحيد عنها. وسنسمع من يقول بأنَّ المصادفة لا تخلق نظاماً، والكون يعملُ بنظام دقيق جداً، وهي جملة منطقية الى حدٍّ ما، على الرغم من وجود آلاف الاحداث والوقائع التي تشير الى عدم انتظامه وصعوبة التحكم به. إذا كان النظام حجة الدينيين في عائدية الخلق للآلهة كلية القدرة فأنَّ الفلسفة تقول بأنَّ اللانظام هو نظام أيضاً، فلو أخذ أحدنا قبضةً من بذور لأشجار مختلفة وألقاها بصورة عشوائية فأنها ستنبت ضمن نظامها(اللانظام) والأشجار المختلفة بتشكلها الجديد ستؤسس نظامها الأخير، فالمصادفة نظام أيضاً .
يبدو أنَّ مجنون ليلى(قيس بن الملوح) لم يخرج عن تصورنا في قضية الصدفة فهو يقول:
” بِرَغمي أُطيلُ الصَدَّ عَنها إِذا نَأَتْ أُحاذِرُ أَسماعاً عَلَيها وَأَعيُنا
أتاني هواها قبل أنْ أعرفَ الهوى فصادفَ قلباً خالياً فتمكنا ”
كان يطيل الصدَّ بوعيه محاذراً اسماع وأعين الناس، لكنَّ مصادفةَ أنَّ قلبٓه كان خالياً من حب امرأة أخرى هي التي صنعت الحبَّ وجعلته واقعاً عنده .
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
