
بقلم: سعد عبد القادر ماهر
قدم من الضواحي البعيدة للمدينة، بل من إحدى القرى المجاورة، تاركاً وراءه بيته الذي بني من الطين والقصب ومزرعته الصغيرة التي كانت مواردها لا تكاد تكفي أغنامه التي لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة وبقرته وطيور البط والدجاج.
لم يحقق النجاح المنشود في حياته في الريف فاستقر على فكرة تجربة حظِّه في المدينة الكبيرة عسى أن يجد هناك ما يسعده ويعود به إلى أهله في الريف حاملاً معه أمل الاستقرار وتحسين ظروف عائلته.
لم تكن الحياة التي تركها بتلك الدرجة من السوء كما كان يعتقد، بل أعطته دفء المشاعر وأماناً له ولعائلته وأبعدتهم عن صخب المدينة وتلوث البيئة، وهي المشاكل التي كان يعاني منها أهل المدينة…
مرَّ وقت طويل على وجوده في المدينة قبل أن تنقلب حياته وشخصيته متأثراً بظروف المدينة التي تمتلك نسيجاً اجتماعياً مختلفا وثقافة متنوعة. فبعد وصوله إلى المدينة تغيَّرت حياة هذا الرجل بطريقة لاحظها بوضوح؛ وجد نفسه محاطاً بتنوع الحياة الحضرية حيث فتحت له أبواباً عدَّة من الفرص والتجارب الجديدة أضفتْ على حياته لمسة من التنوع والحيوية، فكانت لديه الفرصة للتعلم وتطوير مهاراته في مجالات جديدة. واستطاع أن يجد وظيفة تلبِّي توقُّعاته وتقدِّم له استقراراً ماليَّاً أفضل. وشعر بتحسن في جودة الحياة؛ فهو يعيش الآن في منزل مريح وحديث بعيداً عن الظروف البسيطة التي كان يعيش فيها في الريف.
استمتع بسهولة الوصول إلى الخدمات الضرورية والمرافق الثقافية والترفيهية. وفيما يتعلق بعلاقاته الاجتماعية، وجد نفسه مشاركاً في مجتمع متنوِّع وديناميكي.
كانت تلك الفترة كافية لأن تنسيه أهله وأصدقاءه في الريف ويبتعد عن همومهم ومشاكلهم وصار لا يكلِّف نفسه عناء السؤال عنهم. وخلال تلك المدَّة شعر هذا الرجل بتأثير عميق لحياة المدينة في وجدانه ونفسيته فكانت التحولات في حياته تجعله يغفل عن هموم ماضيه في الريف ومشاكله. كانت الحياة الحضرية توفِّر له ملجأً مناسباً للهروب من الضغوط اليومية التي كان يواجهها في الريف.
وعلى الرغم من الرسائل الكثيرة التي كانت تصل إليه من هنا وهناك، فضَّل عزلته والانغماس أكثر في حياته في المدينة. ربَّما كان ذلك إشارة إلى رغبته في الارتقاء بمستقبله والتفكير في تطلعاته الشخصية. وعندما تقدم لخطبة فتاة تعمل معه قرَّر الحفاظ على خصوصيات حياته الماضية وعدم الكشف عن تفاصيلها أمام ذويها.
كان يدرك أنَّ حياته السابقة في الريف والتحولات التي خضع لها قد تكون موضوعاً حساساً، ومع أنَّه قد استفاد كثيراً من هذا التحول فقد اختار عدم مشاركة تلك التفاصيل في هذه المرحلة.
وعلى الرغم من رغبة ذوي الفتاة في معرفة المزيد عن عائلته وتاريخه الشخصي لم يستسلم، وقرر التركيز على العلاقة المستقبلية دون أن يكون الماضي عائقاً لتطوير تلك العلاقة، ففسَّر لهم غياب ذويه وعدم قدرتهم على المجيء بسبب حالتهما الصحية.
كانت تصرفاته هذه تثير مشاعر الحزن في والديه بالرغم من معرفتهما بسلوكه المتذمِّر من العيش في الريف. لم يكتف الأب بتوجيهه فاتجه إلى النصيحة ودعمه باللجوء إلى الله وتقوية العزيمة أمام التحديات لوقف تذمُّره وتمرُّده على نفسه.
شعر والداه بأثر فراغه بعدما عجز أشقاؤه الصغار عن إدارة المزرعة بالطريقة التي كان يعمل بها ممَّا دفع والدته بمشاركة من إخوته في تحمل مسؤولية إدارة المزرعة والاهتمام بها ورعاية الأغنام والطيور، بينما ظلَّ الوالد عالقاً في همومه مع ابنه البكر.
نظمت المجموعة نفسها، إذ كانت لديهم القدرة على التكيف والتنظيم بفعالية ممَّا ساعد في تحسين الأوضاع بشكل ملحوظ، وقد نجحوا في ذلك وسارت حياتهم بطريقة أفضل ممَّا كان يعمل ابنهم لوحده. شعر الأب بالفرق فتخلى عن همومه وانضمَّ لعائلته فبدأ الجميع يعمل بكدٍّ، يحسِّنون من إنتاج مزرعتهم ويزيدون ربحهم منها.
وصل إلى المزرعة خبر انفصاله عن زوجته بعد مرور أقل من سنة على زواجهما لأسباب توقَّعها والده عندما علم برغبته في الزواج، وهي الأسباب ذاتها التي دفعته إلى ترك بيت عائلته، أسباب متعلِّقة بشخصيته المتمرِّدة على نفسها.
قرار الابن الانفصالَ عن زوجته بعد وقت قصير من الزواج والتحول الناتج عن شخصيته المتمرِّدة أثَّر بشكل كبير على والديه. لم يشأ والداه أن يتركاه وحيداً معلقاً بهمومه بعد انفصال زوجته عنه، وحيداً، بالرغم من أن ذلك قد لا يشكِّل فرقاً عنده. وعلى الرغم من توقعات والده حيال هذا القرار فإنَّ عاطفته الأبوية تجاه أولاده كانت قوية. وجد والداه نفسيهما في موقف صعب يتطلب تقديم الدعم والاهتمام بابنهما في هذه المرحلة الصعبة.
بعد عناء طويل تمكَّن الأب من معرفة محل سكن ابنه في المدينة، فوصل مع زوجته بسيارة أجرة إلى عنوان حصل عليه من أحد معارفه في المدينة.
لقد كان الوصول إلى سكن الابن في المدينة لحظة مؤثرة حزينة. كانت حالة الابن تعكس تحديات الحياة في المدينة والصعوبات التي قد يواجهها الأفراد هناك.
وبينما شعر الأب بالألم عند رؤية حال ابنه فإنَّ حب الأم وعطفها كانا حاضرين بقوة. لم تكن حالته تسرُّ، وكانت الدموع وسيلة التعبير عن مشاعرها حينما أخذته بين ذراعيها وقالت: “ولدي”! كانت تلك لحظة مؤثرة لتأثر بواقع ابنها ورغبة في تقديم الدعم والحنان.
وعلى الرغم من رغبة الأب في معرفة التفاصيل بسرعة فإنَّ ابنه اختار أن يحترم خصوصيته ويتحمَّل الخجل، وهذا يظهر مدى صعوبة الوضع الذي يمكن أن يكون عليه الشخص في المدينة، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على مشاعره وكرامته.
بعد إلحاح شديد سمع والداه قصته في المدينة، فما أصاب الرجل في تلك الأثناء من مواقف صعبة كانت شديدة على تفكيره ولم يستطع عقله استيعابها.
في تلك اللحظة عندما قرر الرجل أخيراً مشاركة قصته مع والديه بدأ فوراً يستعرض حجم الصعوبات والتحديات التي واجهها في المدينة، وما واجهه كان قاسياً جداً، تركت أثراً عميقاً على عقله وتفكيره. وإن جهوده في التغلب على تلك التحديات كان فوق التصورات وصعباً عليه للتعامل معها بسهولة.
سمع الرجل من والده قصة نماء مزرعته وعطائها فشعر بفرح مشوب بندم وطلب الاعتذار منهما والسماح له بالبقاء في المدينة حتى تحقيق ما يسر العائلة.
لم يكن أمام والديه سوى القبول بعد مجموعة من المحاولات لإقناعه بالعودة معهما بشرط أن يتوقف عن تمرده على نفسه وحالته، ويكف عن التذمر الذي أصابه في الريف.
صدمت العائلة بالخبر الذي وصلها عن ابنها، لقد قرَّر ترك وظيفته والانضمام إلى أحد التنظيمات الثائرة في فلسطين.
كانت الحقيقة صادمة وغير متوقعة، وأثرت بشكل كبير على حياة العائلة التي اعتادت على وجود ابنها في مجال الأعمال التي تبعث على الاستقرار والأمان.
بدأت حالة القلق والتوتر تتزايد في نفس والديه بمجرد اندلاع المعارك في فلسطين. كانا يبذلان جهوداً للتفكير بشكل إيجابي، ولكن مع غموض مصير ابنهما، وجدا نفسهما يواجهان واقعاً لم يكونا يتخيلانه من قبل. كانا مستعدَّين لأي سيناريو قد يحدث، وكانا يستعدَّان نفسياً لمواجهة التحديات القادمة.
الأب بذل جهداً كبيراً في محاولة معرفة مصير ابنه ولكن في كلّ مرة كان يتحاور مع أصدقاء ابنه في لبنان أو سوريا حيث تقع مقرَّات التنظيم، كانت الأخبار محدودة وغامضة. الظروف الصعبة في المنطقة جعلت من الصعب تحديد مصيره والتأكد من سلامته.
كانت المعارك الكبيرة في فلسطين سبباً في زيادة القلق والحزن لدى والديه، وللمرة الأولى شعرا أنَّهما قد يكونان على وشك فقدان ابنهما بشكل نهائي. حالة التوتر المستمر لديهما شكِّلت صدمة عاطفية كبيرة لهما.
الأمل والصبر كانا ضروريين في هذه اللحظات الصعبة، حاولا الصمود وتجاوز مشاعرهما الصعبة. وفي غياب الأخبار الواضحة عن ابنهما بات عليهما اللجوء إلى الدعاء والتفاؤل باللقاء النهائي، سائلَين الله أن يحفظ ابنهما ويعيده إليهما سالماً.
11/12/2023
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل