جناية أدونيس وخضيّر على السيّاب

عبدالكريم كاصد

(القسم الأول)

السيّاب الغائب في مقدمة أدونيس

     تصدرت “الأعمال الشعرية الكاملة لبدر شاكر السياب” مقدمة للشاعر أدونيس بعنوان عريض هو “أنشودة المطر، آفاق المعنى” كنت أتوقع منه، بصفتي قارئًا، أن يتطرق إلى هذا المعنى، فعلًا، في شعر السياب، أو في وقائع علاقتهما الشخصية، بل وفي ما هو أخفُّ من ذلك: إبداء رأيه بما جرى من اختيارٍ، وطريقةِ جمعٍ لأعمال السياب، أيًّا كان هذا الرأي، ولا سيما أن لأدونيس طريقة، في الجمع والاختيار، تبدو هي على النقيض مما جرى من اختيار طرائق أخرى في تقديم أعمال السياب؛ ما يدفعني إلى التساؤل: لماذا عُهد التقديم إذاً لأدونيس، فلمْ نعرف مثلا الظرف الذي دفع السياب وجماعة مجلة شعر الى المشاركة في ” مؤتمر الأدب العربي المعاصر” المنعقد في روما سنة 1961م برعاية المنظمة العالمية لحرية الثقافة، وبتمويل الاستخبارات الأمريكية كما كشفت عن ذلك مجلة “نيويورك تايمز” في مقالاتها الخمس فيما بعد سنة 1966م، كما لم نعرف ردّه على ما أورده عيسى بلاطة في كتابه عن السياب، والذي قدّم له يوسف الخال، فلم ينكر ما ذكره بلاطة أنّ السياب ادّعى أنّ بعضًا من شعراء مجلة شعر سكروا وقصفوا بمبلغ العلاج الذي أمدّه به عبدالكريم قاسم (وهذا ما ذكرتُه في مقالةٍ لي عن السياب بعنوان “مصالحات الشاعر” قبل ما يقرب من ثلاثين عامًا، والمنشور في كتابي “متنٌ.. هامش”). 

      أذكر ذلك لأنّ أدونيس يشير، هو نفسه، إلى هذا الظرف وضرورة استدعائه، من خلال قوله: “التقينا، بدر شاكر السياب وأنا، في مرحلة تاريخية، شديدة الالتباس سياسيَّا وثقافيًّا” وهل هناك ما هو أشدّ التباسًا من هذا الظرف، والتوقف عنده، والكتابة عنه، لكي يكون القارئ على معرفةٍ بهذا الالتباس الذي يورده أدونيس.

    

أدونيس
أدونيس

لم يردْ أيضًا في تقديم أدونيس أيُّ ذكر لطريقته التي اختلفتْ كليًّا عن الطريقة التي جُمعت بها أعمال السياب، وهذا ما تجلّى، بوضوحٍ، في حوار أجرته معه مجلة “قناص”، يقول فيه إنه نشر كتابيه الأول “دليلة” سنة 1950م، والثاني”قالت لي الأرض” سنة 1954، وإنه قام فيما بعد باختيارات من هذين العملين، وأدرجهما في مجموعة «قصائد أولى» الصادرة سنة 1957م. هذا بالإضافة إلى ما ذكره “موقع أدونيس” أنّ لأدونيس خمسة أعمال في بداياته (هانيبال، وديدون، وقلقامش، ودليلة، ومعزوفة الدماء) لم يضمها لسلسلة أعماله.

     ألمْ تستوقفْ أدونيس، وهو الذي يقدّم أعمال السياب، الطريقة التي جُمعت بها أعمال السياب، فلم يترك جامعُها الذي هو الشاعر علي محمود خضير كلَّ ما وقع بين يديه، مهما بلغ من القِدم والركاكة، إلى شعر السياب، مهملًا عن عمدٍ، أو دون عمدٍ، ما هو شائع منه، من مديح أو هجاء لعبد الكريم قاسم، ولقصائد لم يهتدِ، لحسن الحظ إلى مواقعها، على الرغم من ادعائه أنه لم يترك شاردة، ولا واردة، من دون أن يدونها، ولم يكتفِ هذا الجامع بسوء ما فعل، بل محا حتى تصحيحات السياب اللاحقة لدواوينه الأولى المطبوعة، وذلك بالرجوع إلى ما قبلها من نصوص امّحى الكثير من متونها، فلم يعد بالإمكان قراءة ما امّحى منها حتى بأعظم المجاهر، ولعلّ الأدهى من كلّ ما ذكرتُ هو ما نسبه المحقق من قصائد إلى السياب، وهي لغيره من الشعراء، من دون أن يتحقق من ذلك (وهذا ما سأتناوله بالتفصيل في القسم الثاني من مقالتي هذه).

     وإذا تركنا هذا الجانب لأنه قد لا يكون في صميم ما سنذهب إليه، أو في جوهر الشعر وقراره، رغم بدء التقديم بهذه العبارة المثيرة للفضول “كان بيننا، بدر شاكر السياب وأنا، صداقة شعرية متينة، شديدة الالتباس، سياسيًّا وثقافيًّا. كلّ كلام على الشعر، في معزل عن هذه الالتباسات، لن يكون إلا التباسًا آخر”، فلم نستشفّ هذه الصداقة التي اختفت وسط التجريد المحض الذي استغرق التقديم، مثلما لم نستشفّ أيَّ حديثٍ عن شعر السياب، في غمرة الحديث عن الشعر بعامّةٍ، وكأن ما يميّز السياب الحديث عن الشعر في تجريده، وليس الشعر في تجسيده، من خلال قصائده التي لم يذكرها أدونيس إلّا عرَضًا، مردّدا ما قاله مرارًا: “إن السياب كتب عشر قصائد، على الأقل، هي من بين أجمل القصائد العربية التي كتبت، منذ خمسينيات القرن الماضي حتى اليوم. هذا يكفي لكي يبقى. وهذا يكفي لكي أحبه”. لم يذكر منها في مقابلة أخرى معه سوى ثلاث قصائد, ويبدو أن هاجس العدّ هو الطاغي في تقييماته وليس تجربة الشاعر في مجموعها وفي كلّيتها، في النظر إلى العالم، حتى في ما يبدو هامشًا في شعره، ربما هو المتن الحقيقي للشاعر المبدع، أيّ شاعرٍ.

     ولعلّ هذا التجريد يتجسّد لا في قول أدونيس وحده، وإنما في أقوال الكثيرين من الكتاب والنقاد في ترديد تعميمات تعني كلّ شيء، ولا تعني شيئًا، فلا التباسات هناك، ولا اختلاف، ما دام هذا التجريد يرتدي الطابع العام الذي يخلو من أيّ تفصيل، ولا يؤكد إلا على تعريفاته، وثوابته المطلقة، من دون النظر إلى المتحول الذي يدعو إليه: “ثقافيا كانت هذه المرحلة تنهض، بخاصة في جانبها الشعريّ، على إعادة نظرٍ جذرية في النظام الموسيقيّ القائم على الأوزان التي وضعها الخليل بن أحمد الفراهيدي. وكان ذلك يعني إعادة نظر في عالم غنيّ عريق وراسخ من المفهومات والقيم الفنية – الشعرية، وعيا وتذوقا، فهماً وتقويما” وكأن إعادة النظر الجذرية لم ترتسم ملامحها في مراحل سابقة شهدت مواقفَ واتجاهات، خفيّةً ومعلنةً، في إعادة نظرها من المفهومات والقيم الفنية – الشعرية التي سبقتها.

     أمّا سياسيًّا فلم يكن الحديث عن المرحلة أقلّ تجريدًا، إذ لا علاقة له بالمرحلة، ولا بشعر السياب، وما يبرز حادًّا في هذا السياق هو قوله: “شخصيا كانت الحياة العربية بالنسبة إليّ، وهذا ما يراه القارئ في كتاباتي كلّها، شعرًا ونثرًا، تبدو أنها كمثل كرةٍ تتدحرج في اتجاه الهاوية “من دون أن يفصح عن “الحياة العربية” بالنسبة إلى السياب، سوى أنه كان والسياب يتداولانها في نقاشهما، وأنهما “كانا يشددان في نقاشهما على غياب التأمل في تاريخية الثقافة العربية، وفي المشكلات التي أخذت تواجهها منذ منتصف القرن العشرين المنصرم، وتحديدا منذ الانقلاب العراقي على النظام الملكي” ولا أدري ما هو موضع صفة “العراقي” التي أُلحقت بالانقلاب! وكأن النظام الملكي ليس عراقيًّا، وإذا رجعنا إلى الوقائع، فإن السياب لم يسجن في الانقلاب “العراقي”، على سوء هذا الانقلاب، وما حدث من سجن وتعذيب للسياب هو في فترة النظام الملكي (العراقيّ)، كما أن السياب العظيم أبعد ما يكون عن صفة التأمل، ويمكن لأدونيس والقارئ الرجوع إلى كتابه “كنتُ شيوعيا”، ومقالاته السياسية، لعلّهما يعودان إلينا، كما نرجو، بما يؤكد هذا التأمل الذي غاب، ولم يوجد إلا في حضورهما.هل يعرف أدونيس أن السياب لم يتحرّج وهو يواجه محنته، وصراعاته المريرة، وخساراته، مع الأصدقاء والأعداء من تزجية المديح لأسوأ طاغية في التاريخ العربيّ هو: الحجّاج. وهذا ما ذكره أيضًا الدكتور إحسان عباس في كتابه “بدر شاكر السياب – دراسة في حياته وشعره”، حين قال عن السياب إنه “كان – في بعض اللحظات – يرى في الحجاج بطلًا عربياً، رغم ما قرأ في كتب التاريخ من أخبار( صحيحة أو مكذوبة) عن عسفه ..” ص100.

     لقد غاب عن أدونيس أنّ السياب كان من بين المساهمين في الانقلاب “العراقي” مادحًا وهاجيًا، ومشاركًا أحيانًا، وللتحقّق من ذلك يمكن الرجوع إلى الشهادة الرديئة التي كتبها الشاعر البعثي “على الحلي” في مجلة الآداب العدد 7 سنة 1963 م, ومدائح السياب لانقلاب 8 شباط البعثيّ، وقصائده في مديح عبد الكريم قاسم وهجائه له، وأن لم تضمّ أعماله الشعرية الكاملة سوى القليل من هذه القصائد، فلم يخلص المحقّق لأعمال السياب الشعرية الكاملة، لا في توثيقه لها، ولا في ما أضافه إليها، وهو بذلك (أعني المحقق) أضاع السبيلين: سبيل أدونيس في التخلي عن خمسة دواوين، وتغيير ما شاء له من تغيير، وسبيله المتعرج الخاص، في تحقيقه الذي أورثنا أعمالًا هجينة لشاعر ظلّ القدر يلاحقه حتى بعد موته؛ فلم  تحمه حتى شهرته الواسعة، ومنزلته الشعرية الرفيعه في تراثنا الشعريّ.

     يعقب حديثَ أدونيس عن “غياب التأمل” قولُه: “وهو إلى ذلك، يغيّب “أصول” الأحداث، يغيِّب الماضي – الجذر، وإذا غاب الماضي عن الرؤية والفهم، لا يعود الحاضر إلاّ لحظةً عالقة في الفراغ. ومهما كان فهم اللحظة بارعاً وذكيّاً، فإنه يظلّ جزئيّا وعابراً”، فلماذا إذن غاب الحديث عن ماضي السياب وماضيك لكي نرى ونفهم، ولكي لا يعود الحاضر، الذي أنت فيه، عالقاً في الفراغ.

     إنّ ما أعقب فهم اللحظة البارع الذكيّ، ليس سوى حديثٍ سياسيٍّ طويلٍ لا علاقة له بماضٍ ولا حاضر، كهذا الحديث المكرور “ففي السنوات الخمسين الأخيرة تحولت العلاقة بين المواطن العربي والسلطة، فأصبحت “أمْنية” في المقام الأول خصوصاً أن مشكلات المواطنين، في كثير من البلدان العربية،… إلخ ” يتخلله مقطع لا تدري أين تضعه من الشعر، أو السياسة يتساءل فيه عن نوعية الكتابة في هذه المرحلة، وعن الماضي الذي يقود إلى الحاضر، فيجيب “كانت هذه الأسئلة تشغلنا، بدر شاكر السياب وأنا فيما وراء تغيّر أشكال التعبير وظهور ما سميناه، اصطلاحًا، “قصيدة النثر”، إنها أسئلة ترتبط عضويا بالكينونة والمصير،غير أنها بالنسبة إلى الشعراء العرب، في معظمهم، مجرد أسئلة إيديولوجيةٍ، سياسية، سلطوية – كأنها كانت تضمر القول: نغير السلطة ونحل محلها سلطة أخرى تغير كلّ شيء” وهو بذلك لا ينسب الفضل إلّا له وللسياب في تغيير الأساليب، ولربما لا يتجاوزهما إلى ثالث. إنّ في كلمة “معظمهم” من التجريد والتجني كثيرًا من الظلم لمن أمضوا حياتهم في المنافي، وسجون الأنظمة العربية التي ازدادت بشاعة، ومنها أنظمة طالما احتفت بأدونيس واحتفى بها، وأدمن حضور أعراسها المتلاحقة، رغم تطبيعها مع دولة محتلةٍ، طالما نعتها بأبشع النعوت. وهذه مشكلته ولا تعنيني كثيرًا، مثلما تعنيني إدانته للآخر بتعميم يطلقه بلا حرج، ولا إنصاف، مثل من يرتشف ماءً من كأس. ثم كيف تستوي سلطة عنف مع سلطة تعبير، وأين تجلّى هذا التغيير وقد عمّ كما تشي كلمة “معظمهم”، وهل يكمن إبداع السياب في هذا الشكل “قصيدة النثر” الذي لم يكتب فيه قصيدة واحدة، أم في اشكال أخرى؟ أليس ذكر هذا الشكل وإلصاقه ببدر إنْ هو إلّا وسيلة أخرى من وسائل الإعلان عن النفس الأمّارة بالريادة؟

     نحن الآن في منتصف مقدمة أدونيس، ولا ذكر لشعر بدر شاكر السياب أو لوقائع تضيء شعره، أو حياته، أو، في الأقلّ، علاقته الشخصية بالسياب، رغم اشتراكهما في “تأمل واحد في تاريخية الثقافة العربية!”.

    هل ترى يرجع عدم حديث أدونيس عن شعر السياب، إلى ما يذكره فيما بعد من أنّ “بدر شاكر السياب بين الشعراء العرب القلّة الذين يرون أن مشكلة الشعر في المجتمعات الإسلامية العربية لا تكمن في الشعر ذاته، بقدر ما تكمن في الثقافة.”

     لم يغب التأمل وحده، بل غاب بدر شاكر السياب، ليظهر ثانية كمن يغرق ويطفو، فلا هو ميت ولا هو حيُّ: “كان بدر شاكر السياب يعي هذا الحصار الثقافي كما يتمثل على الأخص في الإيديولوجيات، وفي صراعاتها وأوهامها” وهو بهذا التعليق أو الاستنتاج الآخر يقفز عاليًا من السلطة، إلى الفرد العربيّ، إلى الإيديولوجيات، مبتعدًا ثانية عن موضوعه أميالًا، بل عصورًا في عودة كعودة المحمولين على آلة الزمن إلى أفلاطون الذي يرى، في نظر أدونيس وليس كما جاء في كتبه، أنّ “النظام الذي يعيش الإنسان في ظله يحدد سيكولوجيته خصوصا في كل ما يتصل بمعتقداته وعاداته وقيمه، ففي الكتاب الثامن من “الجمهورية” يقول أفلاطون ما خلاصته:”إنّ الإنسان الذي يعيش في نظام ديمقراطي يعتقد بأنّ العقل موزع على البشر بالتساوي، وإن تباينوا في استخدامه …. لا مطلقات في الديمقراطية. الديمقراطي هو إنسان النسبية” دون أن يدري أن هذه الخلاصة لا تمت لإفلاطون بصلة أبدًا؛ لأن للديمقراطية مسارات مختلفةٍ في تحولاتها وارتباطاتها بما قبلها وما بعدها من أنظمة حكم أخرى. وهو في حديثه عن أفلاطون واستنتاجه أن الديمقراطي هو إنسان النسبية خطأ مريع، فهذا لا يقال عن أفلاطون، وإنما هو أقرب إلى توصيف خصومه السفسطائيين. 

     إن أفلاطون من أشدّ الناقدين للديمقراطية، ويرى أن الحكومة الديمقراطية أسوأ أنواع الحكومات، لأنها لا تعنى بالفروق بين الأفراد، وما الحرية التي تكفلها الدولة للفرد إلا وسيلة لأداء خدماته المطلوبة منه، وليس لمنحه الإرادة الحرّة كما نفهمها في زمننا نحن، كذلك هي العدالة لدى أفلاطون، كما يلخصها فؤاد زكريا في مقدمته لكتاب الجمهورية “أن يلتزم كل فرد حدود الطبقة التي ينتمي إليها تبعا لطبيعته أو تكوينه” ص90  فلا مساواة هناك، بل عدالة تلائم النظرة الارستقراطية يطلق عليها إفلاطون عدالة هندسية، أو عدالة اللامساواة، لذلك يرى أفلاطون أن نظام الرق ظاهرة طبيعية، وهذا ما دعاه لا إلى تبرير نظام الرق، والدفاع عنه، بل إلى المزيد في الصرامة في معاملة العبيد.

     سآتي بمثال من بين عشرات الأمثلة من كتاب الجمهورية، ومن الكتاب الثامن الذي أشار إليه أدونيس ليدرك القارئ مغالطة قراءة أدونيس ووهمها: 

    يصف سقراط الرجل “الديمقراطي” (هذا التعبير لسقراط) المقابل للنظام الديمقراطي: “إنه على الإجمال لايعرف في سلوكه نظامًا ولا قانونًا، وإنما يعدّ هذه الحياة مرحة، حرة سعيدة، فلا يفكر يوما في تغييرها”. 

     يجيبه محاوره: هذا أفضل وصف لمن كان شعاره هو الحرية والمساواة. 

فيرد عليه سقراط: لقد بينت أيضًا أنه يجمع في ذاته التنوع والتباين نفسه الذي تتسم به الدولة الديمقراطية وأن حياته متعددة الألوان كذلك الدستور الجامع بين كلّ الأضداد، ومن هنا كان لهذا النمط من الحياة معجبون كثيرون من الرجال والنساء معًا”.

     لا يكتفي سقراط بقوله هذا، بل نراه ينهي حديثه عن الديمقراطية بالقول: “فلنتأمل، ايها الصديق، كيف ينشأ الطغيان، من الواضح أنه ينشأ في الأصل من الديمقراطية” ص462. 

     وقد يذهب أفلاطون مذهبًا غريبًا، فيرى أن دعوى فوضى الديمقراطية تمتد إلى الحيوانات ذاتها. يسأله محاوره: ماذا تعني؟ فيجيبه: أعني أن الأب يعتاد أن يعامل أبناءه على أنهم نظراء له فيخشاهم، والأبناء يتساوون مع أبيهم فلا يعودون يحملون له احتراما ولا رهبة، لأنهم يريدون تأكيد حريتهم، ويغدو العبد مساويا للمواطن، والمواطن مساويا للعبد، والأجنبي الدخيل مساويا لهما معا”. ثم يستطرد – لا فض فوك يا سقراط -: “ولنضف إلى هذه الشرور نقائص أخرى أقلّ أهمية ففي مثل هذه الدولة يخشى الأستاذ تلاميذه ويتملقهم، ويسخر التلاميذ من أستاذهم، ومن المشرفين عليهم. وعلى الإجمال فإن الصغار يقفون على قدم المساواة مع الكبار وينازعونهم في الأقوال والأفعال. أما الكبار، فإنهم رغبة منهم في إرضاء الصغار يشاركونهم لهوهم ومرحهم ويقلدونهم حتى لا يظهروا بمظهر التسلط والاستبداد” 

ولا يكف سقراط عن الاستطراد: “على أن أقصى ما تصل إليه الحرية من تطرف في مثل هذه الدولة، هي أن يغدو العبيد من الرجال والنساء الذي يشترون بالمال متساوين في حريتهم مع ملاكهم الذي اشتروهم “.

وأخيرا يعرج سقراط على الحيوانات: “فالواقع أن الحيوانات المستأنسة تتمتع في الديمقراطية بحرية تفوق كثيرا تلك التي تتمتع بها في أي نظام آخر، وهو أمر لن يصدقه المرء حتى يشاهده بنفسه، فيها تكون الكلاب ذاتها مشابهة لأسيادها، كما يقول المثل، وفيها ترى الخيول والحمير وقد انتقلت إليها عادة السير في الطرقات سيرا طليقًا، شأنها شأن الأحرار من البشر، فتصدم مدن المارة من لا يفسحون لها الطريق، وهكذا يكاد كل شيء ينفجر حرية” سنكتفي نحن ايضًا من الاستطراد بهذا القدْر.

     من هذه الإشارة العابرة الخاطئة غير المكتملة التي لا ندري من أيّ مصدرٍ أتتْ، يستنتج أدونيس: “في هذا الضوء، يمكن القول إن العربي ليس ديمقراطيا” 

     هل هناك ضوء حقّا؟

     وكأن صراع أودنيس ليس مع السلطة، بل مع العربيّ المقيت الذي هو ليس ديمقراطيّا في جوهره، وليس ضحية لهذه السلطة المستبدة، وإنما هو “طاغية في جبلته الفكرية ذاتها” وهذا التعبير الأخير ليس لي، بل لأدونيس. وإذا كان ثمة مشكلة لأدونيس مع القارئ فهل هي المشكلة ذاتها مع القارئ لدى السياب، أم أن الأمر مختلفٌ؟

     ليت أدونيس يرجع إلى قراءة الفصل ثانية ليرى أن ما قاله عن أفلاطون لا علاقة له بفكر إفلاطون، أو بما عناه في حديثه عن الديمقراطية، وإن كان لا يزال يشك في ما أقوله بوصفي قارئًا عربيًّا، فليرجع إلى مقدمة فؤاد زكريا المستفيضة، التي تقرب من مئتي صفحة، في علاقة أفلاطون وفهمه للديمقراطية، ويبدو أن الفهم الخاطئ لدى أدونيس مبعثه تداخل الشخوص والحوار في قراءته المسرعة،  ومن غير دليلٍ إلى فهم فلسفة أفلاطون.

     إن أدونيس يقع في تفسيره هذا في الفخ ذاته الذي سبق له أن أوقع فيه القارئ العربيّ الذي وصفه بأبشع النعوت في عدم فهمه ما يقرأ. إنه يكرر أسوأ ما يتصوره عن القارئ العربي، مستعيدًا أفلاطون من وهمه، وتصوره، متجاهلًا، وهو شاعر “الثابت والمتحول”، غياب التحول في فكر إفلاطون الذي يرى في تغيير الأساليب والأوزان الشعرية والمقامات الموسيقية إضرارًا بالمجتمع، وإفسادًا للدولة، ولعلّ ما يجمعه بإفلاطون المثاليّ الباحث في الوجود الثابت، والواقعيّ في الشؤون العملية – إن كان ثمة ما يجمعه به – شيئان هما: قدرتهما على الجمع بين التصور الفكري الثابت، وواقعية الممارسة وتحولاتها من جهة، وكسب الأتباع والمريدين من جهة أخرى، فالأول وأعني به إفلاطون المثاليّ خلق أتباعًا طغاة يحكمون، وأدونيس خلّف أتباعًا شرسين في ولائهم له، وشعراء أغلبهم عديمو الموهبة.. نظّامون.                                                                                                                                                       

     عمّ يتحدث أدونيس؟

     أين بدر من كلّ هذا ولم يبق على مقدمة أدونيس غير صفحتين ليختم بهما كل هذا العدم – العماء الذي يُرجع إليه الطاويون أصلَ الكون؟

     سنرى.. 

     يجيب أدونيس في هاتين الصفحتين عن سؤاله الذي يطرحه: ما القيمة في الشعر؟ بالقول إن كتابة الشعر:”ليست حرفةً أو مهنة بين الحرف والمهن، وليس الشاعر صانعاً من أهل الصناعة “

     وهنا لا نتوقف عند مفهوم الصناعة الذي أطلقه العرب على الشعر والنثر معًا, لنترك أدونيس وحده في صراعه معهم، على الرغم من أن شعرنا العربيّ سادته الصنعة حتى في أحسن شعره، وشاهدنا شعر أدونيس نفسه، لكنّ هذا ليس شاغلنا. ما يشغلنا هو البحث عن السياب الذي اختفى في سراديب أدونيس ومتاهاته المكشوفة. 

     يعرّف أدونيس الشعر أنه حدس خلّاق لا قانون له من خارجه، ونحن نتفق معه، لكنه لا يكتفي بهذا التعريف، بل يستطرد، كما استطرد سقراط واستطردتُ أنا، ليدخلنا في نفق آخر أنّ الشعر لا يُحدد بهذا، أو بذاك، من المعايير، ومنها كمّ البيع، وكمّ الجمهور لأنهما يدخلان في عالم السلعة والاتجار، وهنا أيضًا يعود إلى هاجسه القديم ليذكرنا باحتقاره القديم للقارئ العربيّ الذي جاء هنا بصيغة أخرى هي: مفرد بصيغة الجمع.

     لم يبق أمامنا غير صفحة واحدة، لقد اختفى بدر نهائيًّا . 

     هل سنعثر عليه؟

     سنرى..

    ها نحن نجتاز له عباراته أو عبّاراته ” فالقيمة حصيلة كيمياء”، “القصيدة فضاء بلا حدود” ” القصيدة نسيج كوني” “شعر الأفق الكبير الواسع” وبدر لم يظهر مع أن الصفحة تكاد تنتهي فهل يظهر في الأسطر الأخيرة، الأسطر الستة الباقية؟ 

     سنرى..

     ها هو السياب إنه يطفو، فلنحملْه، وهو الضعيف، في عبّارتنا خشية أن يغرق ثانية. 

     أصدقائي المتعبين النائمين في عبّارتنا: انهضوا!

     “وهذا هو الأفق الذي سارت فيه رؤية السياب في قصائد كمثل أنشودة المطر والنهر والموت والمسيح بعد الصلب تمثيلاً لا حصراً. إنه شعر يحتضن آفاق الإنسان، مازجاً بين سومر واليونان، بين جلجامش وهوميروس، وبين هوميروس ودانتي، وبين دانتي والمعري. الآخر وشعره في عناق مع الذات وشعرها. المسيح أدونيسيًّا”. 

     وهنا تنتهي كل هذه الضجة الفارغة بأدونيس الحاضر ابدًا : “المسيح- أدونيسيًّا”. 

وقد أضاف سطراً أخيرا إليه على استحياء: “التراب، بوصفه غيما آخر، والسماء بوصفها أرضاً والأرض بوصفها سماءً”.

     سألني أحد النائمين في العبّارة: ولكن ما الذي جاء بدانتي. ألم يقلْ، عنه أدونيس في مقابلة له، إنه: “كان عنصرياً ومتديّناً بالمعنى الكنسي، ولم تكن له قيمة سوى أنه كتب باللغة الإيطالية الدارجة، فقيمته ثقافياً لا شعريّاً ولا إنسانيا”

     قلتُ: لعل هذه من تحولاته ليس “في الليل والنهار”، بل خارجهما. وقد يحسبه آخرون من فضائله. من يدري؟

أتساءل أخيرًا ما علاقة ما أوردناه بعنوان مقدمة أدونيس” أنشودة المطر.. آفاق المعنى” هل هو البحث عما يفتقده أدونيس؟

جناية أدونيس وخضير على السياب

(القسم الثاني)

جناية خضيّر محقّقًا

علي محمود خضيّر
علي محمود خضيّر

عن دار الرافدين صدرت المجموعة الكاملة لأشعار بدر شاكر السياب في طبعةٍ جديدةٍ، يقول عنها محققها الشاعر علي محمود خضير “إن وراء طبعها ضرورة تأخر إنجازها كثيرًا، هو أن السيّاب لم يحظ طيلة الحقب الماضية بتوثيق جاد لأعماله الشعرية على أساس مهني محايد يبتعد عن الأخطاء الإجرائية والتأثيرات (بأنواعها) وظلت الدواوين الصادرة له والمجاميع الكاملة تعاني من ثغرات مؤثرة وعلّات متوارثة لا تتناسب مع قيمة الشاعر. لذا فإن هذه الطبعة تحاول المضي بهذا التوثيق والإحاطة بعالم السياب الشعري بشمول يجعلها متحفا رمزيّا لشاعر في كتاب، وهي، في الوقت ذاته لا تدعي بلوغ الكمال”.

     ويبدو هذا المقطع على بساطته، ووضوحه، في الظاهر، مثيرًا للتساؤل في أكثر من موضع: ما معنى التوثيق الجاد الذي افتقد في أعماله الشعرية، وهي أعمال ناجزة صدر أكثرها في أثناء حياة الشاعر؟ ما الذي يعنيه المحقق بالأساس المهني المحايد؟ وما معنى الأخطاء الإجرائية؟ ولماذا القوسان الكبيران الملحقان بالتأثيرات .. إلخ بينما صدرت، كما ذكرنا، معظم أعمال بدر شاكر السياب في حياته وبمعرفته، بل وبتدقيقه، وحذفه الكثير من نتاجه القديم، وليس أدلّ على ذلك أنّ “أزهار ذابلة” و”أساطير” نشرهما  في مجموعة واحدة، بعد صدورهما منفصلتين، متخلّصًا من الكثير من القصائد التي يرى أنّ بقاءها، في الديوانين، سيكون بقعًا غير مستحبةٍ، تضرّ في المشهد الشعريّ الذي أقامه، ولنستعمل تعبير المحقّق، ستكون بقعًا ناتئة في متحفه الشعريّ الذي أراده خاليًا من أيّ لطخةٍ، تركها سهوًا في مساره الشعريّ، على جدران هذا المتحف؛ لذلك حذف الكثير من قصائد الديوانين جامعًا إيّاهما في ديوان واحد هو “أزهار وأساطير”.

     لقد حذف من الديوان الأول 19 قصيدة من مجموع 25 قصيدة، كما حذف أبياتاً كثيرةً من كلّ قصيدة من القصائد الستّ المتبقية، ما اضطرّه أن يضيف هذه القصائد الستّ المنقحة إلى ديوان “أساطير” الذي حذف منه أيضًا قصائد شتّى، لأنها لم تعد تشكّل ديوانًا يصلح بمفرده للنشر. 

فماذا فعل المحقق؟ 

     لقد أعاد الديوانين كما طُبعا في طبعتهما الأولى. ولم يكتف بذلك، بل أعاد ما غيّر السياب من ألفاظٍ، وجملٍ، في ما تبقّى من قصائد، وهذا اجتراء على ما صنع الشاعر، وعلى ذوقه، وإرادته، وبادرة لم تسبقها بادرة مثيلة من قبل.

     سأشير إلى أول قصيدة في “أزهار ذابلة” وهي بعنوان “ديوان شعر”، ليطلع القارئ على هذا الاجتراء، غير المسبوق من قبل، والمكرور في أكثر من موضعٍ، وسـأنقل النصوص كما وردت بأخطائها، وتشكيلها الناقص في الكثير من الأحيان:

                  ديوان شعر ملؤه غزلُ       بين العذارى باتَ ينــتقلُ

                 أنفاسي الحرى تهيمُ على     صفحاته، والحبّ والأملُ

                 وســتلتقي أنفاسهنّ بها        وتحوم في جنباتِه القٌبَـلُ

                 ديوان شعر، ملؤه غزل       بينَ العذارى بات ينــتقلُ

     استبدل السياب ما جاء في الإهداء “إلى اللائي استعرن مني ديواني” بإهداء جديد هو” إلى مستعيرات ديواني” فجاء المحقق وأثبت الأولى. ما ضرورة ذلك؟  فلا هي بضرورة شعرية، ولا بلاغية وما اختاره السياب هو الأكثر اختصارًا وتعبيرًا، ثم ما لنا ولذوقه، وهو الشاعر الكبير الذي يحقّ له فعل ما يشاء بشعره، مثلما فعل كل الشعراء العرب الذي سبقوه، أو جايلوه، أو جاءوا بعده، ومن بينهم مقدّم ديوانه الشاعر أدونيس.

     كذلك أبدل السياب “وتحوم” بـ “وترفّ” فجاء المحقق وأعاد “وتحوم” بينما الكلمة الأخرى هي الأنسب، فهي الأكثر إيحاءً واقترانًا بالقبلة من كلمة “تحوم”، والمسألة بالتالي ذوقية لا تتعلق بمنهج، أو بحث، وقد يبلغ التعسف بالمحقق مبلغًا كبيرًا حين يسترجع كلمة “يعين” المقيتة في موقعها، بدلا عن الكلمة الجديدة الأبسط، والأكثر وضوحًا، تلك التي اختارها الشاعر، وهي “وإذا رأين” في البيت التالي:

                لما يعين النوح والشكوى      كلّ تقولُ: من الّتي يهوى؟

هذا ما فعله في المقطعين الأولين ليلحقهما بمقطع محذوف أعاده، وليته لم يعده، ولعلّ ما زاد  هذا المقطع عريًا وانكشافًا أنه جاء بلا تشكيل. لا يُستثى من ذلك بيتٌ واحدٌ فيه:

         سيرين ما لاقيت في حبي       فيصحن: يا للعاشق الصب!

         ولقد تسيل دموعهن على        جنباته، موصولة الســـكب

         يا ليت قلبي من قصائده         لترى الحسان الغيد ما قلبي

         سيرين ما لاقيت في حبي      فيصحن، يا للعاشق الصب

ثم يعود ثانية ليصحح للسياب ما فعله فيبدل الفعل”لأفرّ” في المقطع الخامس من القصيدة بالفعل الذي أورده السياب قبل ما يقرب من عشرين عامًا: “أختالُ” وكأن الفعل الأول “لأفرّ” لشخص غير السياب.. شخص مدسوس ينبغي القضاء على فعلته، إن لم يكن لنا القدرة على القضاء عليه؛ لأنه الشخص نفسه. سيتبين للقارئ قبح “أختال” حين نضعه في موضعه من البيت التالي:

         يا ليتني أصبحتُ ديواني       أختال من صدرٍ إلى ثانِ

ثم يأتي ليعيد مقطعًا سادسًا محذوفًا لا يقلّ سوءًا عن المقاطع المعادة، ثم سابعًا، ثمّ ثامنًا، ثم عاشراً، وقد اجتاز المقطع التاسع الذي أبقاه الشاعر، ولأننا لا يمكن أن نستشهد – وقد استشهدنا كثيرًا- بكل المقاطع، سنكتفي بمقطع واحد عارٍ كالمقطع الثالث الذي ذكرناه، اقتصر التشكيل فيه على بيته الأول من دون قافيته، ليرى القارئ بعينيه ما فعله المحقق من جنايةٍ: 

          يسمعنَ فيكَ أغانيَ الريف         مترنماً بحســــــــــــانهِ الهيف

          الماء يشكو للجرار هوى          والنخل في صمت وتعزيف

          والليل والأنسام عاطرة             والزورق الغافي المجاذيف

         تلقي مسامعها إلى الريف          يشكو غرام حسانه الهيف

     هذا ما سيفعله المحقق في قصائد أخرى.

     هناك ما هو أكثر إرباكًا، فهو يشير إلى قصيدة طويلة بعنوان “أهواء” بالملاحظة التالية “أعاد السياب نشر القصيدة “في أزهار وأساطير” مع تغييرات واسعة، ولكثرة التعديل فيها، أبقينا على متنها في الديوانين معا لئلا نصنع للقارئ إرباكا يفسد متعة القراءة”. 

     وما فعله في الحقيقة هو الإرباك بعينه، بل الاجتراء الذي لا يمكن أن يقدم عليه أحدٌ مهما بلغت منزلته من التحقيق، أو الذوق، أو الاستبصار، لأن المحقق لم يحلّ محل الشاعر وحده، بل حلّ محل القارئ أيضًا بثقة مفزعة: كيف يمكن ذلك؟ 

     إن نشر القصيدتين بمتنيهما في الديوانين معًا هو بحد ذاته إرباك، بغضّ النظر عن طولهما الذي يبلغ أربع عشرة صفحةً معًا، وعن كل ما يحيط بهما من إشكالات أخرى سنتطرق إليها في مقالتنا هذه.

     لنقل إن ذلك جائز، فكيف يجوز عدم نشر القصيدة، كما أرادها السياب في شكلها الأخير ليعرف القارئ – ولا أقول ليقتنع – بما جدّ على المتن من تغييرات أرادها الشاعر، فأبى المحقق إلّا أن يكون ضد هذه الإرادة، بفرض إرادته هو، متيقنًا من صواب حكمه، وذوقه، وجراءته. إنني حقا أشعر بالرعب من هذه الجرأة المخيفة التي لا حدّ لها من اليقين والثبات.

     هل هي دراسة أم تحقيق ليعيد القصيدة مرتين في مكان واحد، مثلما أعاد غيرها من القصائد، ليدل على ما هو محذوف، وغير محذوف وكان الأولى أن يتجنب مثل هذا الإجراء، بالإبقاء على ماحذفه ليتحاشى كل هذه الإرباكات من تكرار وتعسّفٍ وفوضى.

     وحين ننتقل إلى قصيدة “هل كان حبًا” نرى المحقق يفعل ما هو نقيض ذلك، فقد أبقى ما حذفه الشاعر في القصيدة، من خلال شروحه وهوامشه، فلا ندري ما الطريقة التي يتّبعها في الحذف والإبقاء، وما الطريقة الصحيحة التي تجنبه وتجنبنا الارتباك الذي أشار إليه، لكننا مع ذلك نشكره؛ لأنه أشار إلى إبقاء ما حذفه الشاعر في قصيدة: “هل كان حبّا”، لنكون، في الأقلّ، على بينة بما فعله، ولنعرف هل يصح ذوقه – وليس حكمه – أم لا، وإن كان لا يجوز له الحكم، ولا الذوق في ما خلّفه الشاعر من منجز لا ينبغي المساس به مطلقًا، مادام هو الذي أشرف عليه وأجازه.

إننا في فوضى حقّا نخوضها مرغمين.

هل يمكن أن يُلام شاعر كبير على حذفه مثل هذه المقاطع من قصيدة “هل كان حبًّا”، وهل يجوز إعادتها من قبل محقق مهما كانت منزلته في الشعر أو التحقيق (سأورد النصوص كما وردت في الكتاب بأخطائها أحيانًا):

هل يكون الحبّ أنّي

بتُّ عبداً للتمنّي!؟ 

أم هو الحب إطراح الأمنيات   (همزة اطراح وصل لا قطع، وطاؤها ينقصه التشكيل)

والتفاء الثغر بالثغر ونسيان الحياة؟ 

واختفاء العين في العين انتشاء

كانثيال عاد يفنى في هدير

أو كظل في غدير…

أمس.. بالأمس التقينا في سفار

هاج ذكرى كاد ينساها وينساني زماني

كان يوم آمنت فيه الآماني بالأماني        (الصحيح الأماني وليس الآماني) 

كان يوم فكّ عن ساعاته غلّ المدارِ   (هل يمكن أن ننسب مثل هذا البيت بتركيبه الضعيف إلى السياب؟ أيّ أمانةٍ غير أمينةٍ خلف ذلك؟)     

ثم أمسى تحت أقدام الليالي 

مثل جرح في الرمال 

داسه الركب وسارا…

*

يومك المرموق.. لا يوم تقضّى قبل عام      (يومك المرموق.. هل هذا يمكن أن يقوله السياب أو يُبقي عليه؟)

فاسمعيني، فالأماني كلها أن تسمعيني:

أذكرتني فرحة اللقيا بصهبائي وجامي 

آن أن تحسى على نخب العيون!

بت أسقاها دهاما          (وهذا خطأ لم يلتفت إليه المحقق والصحيح دهاقا)

أحسب الشرب اعتناقا

بيننا، هل كان حبّاً ما أعاني؟

*

أهي حب كلّ هاتيك الأماني 

أم رؤى سكران مجنون اللغى طلق المعاني 

غارق الألحاظ في غور من الأقداح.. ناء

راسم بالإصبع الحمقاء، في عرض الفضاء 

كلّ أسماء الحبيبات الحسان 

كلما نادى.. أتاه الساقيان 

بالطلى آناً.. وآناً بالأغاني؟

     لا ندري هل علامات الترقيم من وضع الشاعر أم من وضع المحقق؟ وكان الأولى الإشارة إلى ذلك، مثلما كان الأولى ألّا يهمل المحقق التشكيل، وترك القوافي بلا علامات إعراب، فهذا قصورٌ ولا يليق بالمحقق أن يترك القارئ في قراءته للقصيدة لذوقه ومستواه، فليس كلّ قارئ يعرف أن يقرأ النهايات “عرض الفضاء” بوضع الكسرة، أو السكون في نهاية “الفضاء” وكذلك “عام” ومثلهما “سفار، مدار”

     يُؤخذ على المحقق أيضًا أنه لم يقل الحقيقة في إشارته إلى ديوان أزهار ذابلة، إذ لم يذكر عدد القصائد المحذوفة وهي 19 من بين 25 قصيدة، وأنه أعاد ما حذفه السياب من مفردات وجُمل إلى بقية القصائد، وفعل ما هو أسوأ من ذلك إذ أعاد أربع قصائد فقط من القصائد الست المتبقية، من ديوان “أزهار ذابلة” (لا ندري، كالعادة، السبب وراء ذلك، إذ لم يفصح عنها المحقّق)  لينشرها ثانية في ديوان ” أزهار وأساطير” أي أن هذه القصائد الأربع ترد مرتين في (أعمال السياب الشعرية) مع اختلافٍ يبدو بسيطا ولكنه غريب حقّا، ففي الديوان الأول “أزهار ذابلة” تأتي بحذف ما غيّره السياب، وفي الديوان الثاني “أزهار واساطير” بالإبقاء على ما غيّره السياب، فلا ندري إلى أي نص نحتكم، وأيُّ النصين سيعتمده الباحث أو القارئ في دراسته أو حفظه؟. لقد أربكتنا يا خضير القادم لطمأنتنا، نحن المربكين أصلا. لم كلّ هذا؟ ألم يستوقفك هذا القفز، والاستبدال، والأخذ، والرد، وكأننا في سيرك، أو حرب بين جيشين يتصارعان، كلاهما بوجه واحد، كما في الأحلام، هو وجه بدر شاكر السياب إنْ بقي له وجه في مرقده الأخير. 

     نفهم أن ذوقك وسوء تقديرك هما المتحكمان في اختياراتك وأحكامك، ولكن ما الذي يدفعك إلى حذف قصيدتين ضمهما السياب إلى ديوانه “أزهار واساطير” وهما “اقداح وأحلام” و “في أخريات الربيع”؟

المحقق يراكم أخطاءه: 

     يبدو وكأن خضير يراكم أخطاءه عن عمد، من دون أن يدري.

     أنا كقارئ أجدني مرهقًا، وفي رحلة غير مبررة، لأقرأ ما يقرب من 100 صفحة لكي أنتقل من الديوان الأول “أزهار ذابلة” إلى الديوان الثاني “أزهار وأساطير” وهذه الصفحات المائة هي مما حذفه السياب. كيف أتحمل قراءة مئة صفحة لا جدوى منها، لتطالعني ثانية بعد عدة صفحات أيضًا القصائد ذاتها مع بعض التغييرات التي أقرّها الشاعر، والتي سبق أن حُذفت. وكيف أتحمل أيضا نشر قصيدة مرتين أبقى على متنها في الديوانين: ديوان “أزهار ذابلة” وديوان “أزهار وأساطير”، لسبب يذكره المحقق بنفسه “لئلا نصنع للقارئ إرباكاً يفسد متعة القراءة” كما يذكر ذلك في الهامش المنشور في ص165.

     لعلّ ما فعله مع ديوان “أساطير” بالإبقاء على تغييرات السياب هو أهون الشرّين لولا كثرة التعليقات والشروح التي لا طعم لها، وكأننا أمام دراسة مملة، وليس أمام ديوان للاستمتاع، فهو في إشاراته إلى التغييرات، التي أحدثها الشاعر على قصائده في طبعة 1963 تحت عنوان “أزهار وأساطير”، لم يكتف بالرجوع إلى طبعة ديوان “أساطير” في الخمسينات وإنما إلى المجلة التي نشر فيها القصيدة في أواخر الأربعينات، كما حدث ذلك بالنسبة إلى قصيدة “هوى واحد” التي يتناول فيها المحقق الحذف الذي طرأ علي أحد مقاطعها وكأنه جيولوجي يدرس طبقات الارض. فهو يفتعل حدثًا لم يوجد، لأن السياب حذف هذا المقطع ليس في ديوان “أزهار وأساطير” وإنما هو محذوف أصلا في ديوانه “أساطير” فما المشكلة؟ لماذا الرجوع إلى مجلة البيان العراقية وتثبيت المقطع والشاعر لم يورده في الديوانين؟

المقطع (بلا تشكيل ايضًا) هو:

      أنا الدوح ماتت ليالي الشتاء            فأوفى عليه الربيع السعيد

      نسيت الفصول الثلاث البطاء         على خفقة من شذاك الوليد

      كأني – وآذار في ساعدي             يعدّ الأزاهير – خلق جديد

     عملية متعبة حقّا لا جدوى منها على الأطلاق.

     المحقق هنا يخلق المشاكل لا للسياب وحده، وإنما لنفسه هو بلا مبرر. ما الذي جعلك تذهب إلى مجلة البيان في الأربعينات، مع أنّ المقطع المنشور في القصيدة لا ذكرَ له في  الديوانين سوى البرهنة على شطارة ليست في محلها.

     لقد كتب السياب الكثير من الشعر العاديّ الذي كان واعيًا لعاديته، فلم يضمنه ديوانًا، ولم يشر إليه قطّ، وتركه خلفه متقدّمًا في مسيرته الشعرية الرائدة، وكأن هذا الشعر ليس سوى أوراقٍ مهملةٍ غير مأسوفٍ عليها أضحت طيّ النسيان، لا يذكرها إلا القليلون من القراء من دون التوقف عندها، أو التأسف على عدم إدراجها في ديوان، من بينها القصيدة الحائية في مديح مزهر الشاوي التي سبق أن نشرت في مجلة “الموانيّ” وهي غير القصيدة العينية الواردة في ديوان “الهدايا” بعنوان “يوم ارتوى الثائر”، وقصائد كثيرة لم يذكرها المحقق، وهي لا قيمة لها، ويبدو أن المحقق لم يكن على علم بها، على الرغم من أنها أشهر من غيرها من القصائد التي أوردها، لا لأنّ لي تجربة في التحقيق سابقًا، بل لأنّها ما زالت عالقةً في ذاكرتي، ولأنها كُتبت في ظروف استثنائية، أو مناسبات استثنائية امتلأ بها تاريخنا المعاصر، حتى عاد الاستثناء هو القاعدة في حياتنا اليومية، وتاريخها الحافل بضجيج التاريخ العام الذي لم يترك للشاعر، ولا لقارئه فرصةَ هدوءٍ؛ ليمارس هذه الحياة اليومية بعفويتها التي أصبحت مطلبًا عسيرًا.

انعدام الأمانة في التوثيق:

     إذا كان علي محمود خضير حريصًا على التوثيق فلِمَ لم يلتفت إلى قصائد كان الأولى به أن يضمّها إلى الأعمال الشعرية انسجامًا مع نهجه في توثيق حتى ما ليس له قيمة كما يقول في مقدمته؟.

     إنّ عدم توثيقها – مادام شاغله التوثيق- يخلّ “بحياده المهني البعيد عن الأخطاء الإجرائية”، والتأثيرات (بأنواعها) ومن هذه القصائد، غير القصيدة الحائية التي أشرت إليها- قصائد السياب الثلاث التي يتوسّل فيها عبدالكريم قاسم لإنقاذه من مرضه ومطالعها:

       عبدالكريم أغثني هدّني الداءُ               وحطّمتني أرزاءٌ وأعباءُ

وهي تحتوي على ما يقرب من عشرين بيتًا.

       أطلّ فرشَّ الليل ناراً وأنجما               ونوّرَ أفقًا كان لولاه مظلما

وهي قصيدة طويلة تحتوي على 40 بيتًا.

القصيدة الثالثة هي:

      ربيع شبابنا عادا                   بفخرٍ لفّ بغدادا

     كأنّ شعاعه نادى                  بلغنا غاية الأربِ

والأولى هي أشهر القصائد التي يعرفها الكثيرون ممن جايلوا السياب، ولا تخفى أبدًا على أيّ محقق مهما كان نصيبه من التحقيق ضئيلًا. 

     إنّ إهمال مثل هذه القصائد سيضع المحقق إزاء تساؤلات عديدة لماذا هذا الإهمال؟ أبسبب نسيان أم إهمال متعمد؟ وكيف يتفق هذا الإهمال وادعاؤه بالحرص على التوثيق والإحاطة بكل ما يمتّ بصلة إلى تراث السياب؟ وما علاقة كل ذلك بالظروف السابقة والحالية، سياسيةً كانت، أو دينيةً، أو تجاريةً تتعلق بتسويق الكتاب في بلدان لا تزال تتحكم بها هذه العوامل، رغم كل ما طرأ على العالم من تغييرات على االمجتمعات والأفكار والكتب. 

     إن لم يكن التوثيق شاغل المحقق الرئيس، فما هو الجانب الفني الذي استدعى جلب  كلّ هذا الركام العجيب من القصائد التي أضيفت إلى ركامات سابقة، لم تبخل في إضافتها “دار العودة” المعروفة بحسّها التجاريّ، وإلصاقها قسرًا بتراث السياب؟. فإن لم يكن التوثيق هو الباعث، ولا الجانب الفني فما هو الباعث إذاً وراء هذا الجهد الذي لا طائل وراءه؟.

     ما جدوى إضافة قصيدة عادية قالها السياب مادحًا في مناسبة عابرةٍ، ولم ينشرها في أي مجموعة من مجموعاته؟ هل الإجابة هي: التوثيق ولكن هناك قصائد أهم من هذه فنيًّا ودلالة على مراحل معينة من مراحل الشاعر والوطن معا، كالقصائد التي ذكرتها أو تلك التي لم أذكرها، لا بالرجوع إلى بطون الكتب، بل لأنها ببساطة ما زالت عالقة بذاكرتي، رغم سوئها، ولعل سوءها وعدم تصديقي أنها صادرة من شاعر كبير كالسياب هما مبعث التصاقها في الذاكرة.

     ألم يكن الأولى، لكي لا تختلط الأمور، أن يتم الاعتناء بما صدر للسياب في حياته، وتحت إشرافه، وعلمه، ومعالجة الثغرات المؤثرة، و”العلّات المتوارثة” التي لا تتناسب وقيمته الشعرية، وإقناع القارئ بهذه المعالجة، في مجموعات متفرقة أو مجتمعة، وإصدار ما تشاؤون بعد ذلك، من غثٍّ وسمين في نتاجه كما تشاؤون أيضًا، لكي تبرئوا ذمتكم، وليقتنع الآخرون أنكم صادقون في ما تدّعون من أساس مهني محايد بعيد عن أي غرض سياسيّ، أو طائفيّ، أو تجاريّ.

     إن ما نشره الشاعر في حياته واضحٌ، ولا يحتاج لكل هذه المقدمة من الحرص، والرجوع إلى الدراسات، والمكتبات، والأراشيف، والوثائق، والأصدقاء في “شرق الارض وغربها”؛ وكأنه شاعر من عهد حمورابي، ما دام الشاعر هو الذي قام بالإشراف على طبعه، ولا يحتاج إلى البحث في الصحف، والمجلات لمعرفة ما التغييرات التي طرأت عليه؛ لأن الصيغة الموجودة في الديوان الذي أشرف عليه الشاعر هي الصيغة الوحيدة الأخيرة التي يمكن الرجوع إليها، حتى لو كان ثمة أخطاء هناك، ولن تكون أخطاء هناك إلا ثانوية؛ فالسياب ليس بذلك الشاعر الذي سينشر شعرًا بأخطاءٍ فادحة لن تستقيم إلا بتصحيحِ محقّقٍ يأتي لاحقًا.

     لم كل هذه الضجة إذاً؟

     إن ما فعلتَه هو الضجة ذاتها.

     هل يمكن أن تقول لي ما الجديد النافع الذي أتيتَ به بعد كل الركام الذي امتلأت به طبعتك أنت، وليست طبعة الشاعر بدر شاكر السياب: هل يمكن أن تورد لي قصيدة واحدة أهملها الشاعر وأضفتها أنت يمكن أن تضيف قيمة للشاعر أو لشعره. 

     لقد “أسعفك الأصدقاء من شرق الأرض وغربها” (وهذا تعبيرك في مقدمتك)، فاطلعتَ على ما فات غيرك ممن سبقوك في تحقيقهم، فكيف فاتك أن تكشف عن هذه القصائد التي ذكرتُها وهي أمام عينيك، وتلك التي لم تطرأ في ذهنك ربّما، ومن بينها، على سبيل المثال، القصيدة التي أشار إليها عيسى بلاطة في كتابه عن السياب “وكتب بدر قصيدة موجهة إلى أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم الصباح يمدحه فيها ويرجوه أن يرسله إلى الخارج للعلاج الطبّي” ص163، وغيرها، ولو بذلت جهداً أكثر لوجدت ربما العديد من القصائد الأخرى التي أهملها الشاعر والتي لا تستحق حتى الإشارة إليها، وليس فيها من التوثيق إلا كونها من شعر البدايات الذي غالبا ما يعتوره الضعف، حتى لدى أهم الشعراء، وأكثرهم اصالة فهل أتيت بها لتثبت ماذا: قدرته على نظم الشعر أم ضعف قدرته هذه؟ وما فائدة التدليل على كليهما؟

      يعلّق بلاطة على ما أورده عن قصيدة السياب الموجهة إلى أمير الكويت “أنه لم يتمكن من العثور على هذه القصيدة” ثمّ يضيف “ولكن ناجي علوش يشير إليها في مقدمة (إقبال) ص16 “.

     تقول في مقدمتك: “وسيجد القارئ أن الموقف السياسي أو الفكري للناشر أو للدولة آنذاك هو من تحكم بالحذف والإضافة في معظم الحالات”، وأنت لستَ بناشر، ولا بدولة، فما الذي تحكّم بك إذاً لتضيف أو تحذف؟ وإن اعتبرت ما أضفتَ فضيلة، فما هي الفضيلة وراء ما حذفت والتوثيق – كما تؤكد أنت – نصب عينيك؟

     تقول: “والحال هذه، افرزت في أحيان عدّة أكثر من “رواية” لقصيدة واحدة بعينها في كل طبعة، فأنت تقرأ، مثلًا، قصيدة ” الأسلحة والأطفال” منشورة في كرّاس خاص أصدره الشاعر عن مطبعة “الرابطة” في بغداد سنة(1954م) بصياغة معينة، وتقرأ القصيدة ذاتها في ديوان “أنشودة المطر” طبعة منشورات “مجلة شعر سنة” (1960م) بصياغة أخرى، ثمّ في طبعة دار العودة سنة(1971م) بصياغة، وقد وجدت، على وفق هذا المثال، أكثر من قصيدة”

     هذه مقايسة خاطئة، فالطبعة التي تأتي بعد الطبعة الأولى بـما يقرب من 16 عامًا، وبوجود الشاعر هي الأدق بالتأكيد، ولا حقّ لك بالرجوع إلى طبعة قبل ما يقرب من عقدين كما حدث لك مع ديواني “أزهار ذابلة” و”أساطير”، لتقول إنها الأصح، أو كما حدث مع ديوان “إنشودة المطر” لاسيما أنه تمّ بإشراف الشاعر نفسه، وبإشراف الشاعر أدونيس الذي عهدتَ له بتقديمه لثقتك به، وإطمئنانك لمعرفته بشعر السياب، وتفاصيل حياته – كما يُفترض – فلم المفاضلة إذاً؟

المفاضلة النافلة:

     أما المفاضلة بين طبعة مجلة شعر، وما تلاها من طبعة دار العودة، فلا محلّ لها من الإقناع أو المفاضلة، بل أنها تبدو نافلة؛ لأن دار العودة دار تجارية لا همّ لها سوى الربح، فكيف يمكن مقارنة طبعة يشرف عليها شاعران رائدان، بطبعة يشرف عليها تاجر هو صاحب هذه الدار المسمى بـ “محمدية” المحدودة معرفته بالشعر.

     لقد طبع محمدية ديوان السياب حاشرًا فيه قصائد كتبها السياب في بداياته وأهملها، راكنًا إياها في زاوية من أدراجه مثلما يفعل شعراء كثيرون، مبدعين وغير مبدعين، ثم جُمعتْ على عجل يعد وفاته في ديوان “ملفّق” شهد من الإضافات والحذف ما لا يمكن أن تسميه ديوانًا كما يشهد بذلك أحد أعضاء اللجنة المكلفة بتحقيقه. سمي بـ “قيثارة الريح” بمناسبة الذكرى السادسة على رحيل السياب، أقامتها وزارة الأعلام العراقية، ولم يكن محمدية معنيًّا بالتدقيق فيه، فأضافها إلى الجزء الثاني من أعمال السياب لأن غرضه تجاريّ بحت.

     تقول “كانت عمليتا المقارنة والمطابقة للنصوص قد فتحت الباب لاكتشاف أخطاء وهنات الطبعات السابقة، وهي ليست مطبعية فحسب، بل أخطاء حدثت في أثناء الإعداد والنقل، كسقوط بعض الكلمات، أو الأشطر؛ نقصها، ارتباك توزيعها (عدم الامتثال لتوزيع الشاعر)، أو قطّعها، وقد عالجتُها بالتحقيق على وفق نماذج أخرى للقصيدة ذاتها، نشرها الشاعر في الصحافة المحلية أو المجلات الأدبية آنذاك، أو بالعودة إلى بعض المخطوطات في حالات أخر”.

     ما جدوى عمل كهذا إذا كانت القصائد لم يولها الشاعر أهمية في حياته، وهي من رديء شعره. ما جدوى ضبط الرديء وتجميله؟ وإذا كان هذا المنشور المليء بالأخطاء يمكن تصحيحه، فماذا تفعل إذا كانت الأصول لا يملكها سوى وزارة الإعلام العراقية، كما حدث لديوان “قيثارة الريح” الذي أصابه ما أصابه من إضافات المشرفين على طبعه؛ بسبب عدم إمكانية قراءة الكثير من المواضع فيه، ولأنهم محكومون بوقت ضيق، وأمرٍ وزاريّ. أمّا دواوينه المطبوعة، في أثناء حياته، فما يدريك بعدم الامتثال لتوزيع الشاعر،وبعضها طبع مرات عديدة. وحتى لو كان الأمر بهذه الصورة، فهل من الجائز أن يقوم محقق واحد بهذا العمل، أم أن الأمر يتطلب وجود لجنة من المختصين المهتمين بشعر الشاعر.

     كان الأولى بالمحقق أن يطلع بشكل تفصيلي على ما جرى لديوان “قيثارة الريح”– على سبيل المثال –  وأنّ يطلع على ما كتبه أحد أعضاء اللجنة الذي هو الشاعر سامي مهدي وما تخلل كتابته من اعتراف بجناية كبيرة بحق تراث شاعر كبير.. جناية هو أحد مرتكبيها الذين ضمتهم لجنة ثلاثية كما يذكر، أو رباعية كما يذكر ناجي علوش في مقدمته لأعمال السياب الشعرية الصادرة عن دار العودة (الرابع هو زكي الجابر الذي لم يذكره الشاعر سامي مهدي).

     يقول سامي مهدي: “في عام 1970 حصلت وزارة الإعلام العراقية على كرّاس مدرسي دونت فيه بخط السياب قصائد من بواكيره. فشكل وكيل الوزارة، في حينه، لجنة ثلاثية من كل من الناقد الراحل عبد الجبار داود البصري والشاعر خالد علي مصطفي وكاتب هذه السطور، وكلفها بتحقيقها تمهيداً لنشرها في مجموعة في الذكري السادسة لوفاة الشاعر. وكان كل هذه القصائد، عدا قصيدة اللعنات، من إنتاج عام 1944م أيام كان السياب ما يزال يتلمس طريقه في عالم الشعر ويتلقي مشورات صديقه الشاعر خالد الشواف بشأن شعره.وقد صادفت اللجنة صعوبات جمة في تحقيقها منها الفراغات التي تركها الشاعر والتشطيبات التي أجراها في أوقات لاحقة، ومنها عدم وضوح الخط أحياناً. ولأن اللجنة طولبت بإنجاز عملها في وقت محدد ضيق، ولأن حماستها لخدمة تراث السياب كانت عالية وعاطفية، أباحت لنفسها أحياناً أن تخرج علي مباديء التحقيق العلمي، لتظهر العمل بأفضل صورة من وجهة نظرها. وهكذا ملأت فراغات تركها السياب في أكثر من قصيدة، وغيرت كلمات، وعدلت قوافي، وحذفت بتعسف أربعة أبيات من قصيدة اللعنات وسوغ هذا الحذف بعدم وضوح الخط، ثم ضمت القصائد في مجموعة خاصة سميت قيثارة الريح صدرت في حينه، ثم أدخلت في الجزء الثاني من ديوان بدر شاكر السياب حين قامت دار العودة في بيروت بنشر هذا الجزء عام 1974 “

     كان الأولى بالمحقق أن يقول لنا كيف تعامل مع هذه القصائد التي سميت بـ”بقيثارة الريح”. أما كان من المفروض أن تستوقفه مثل هذا االاجتراءات والتغييرات ولا سيما أنه اطلع ، كما يذكر في أحد تعليقاته، على الكراس المدرسي الذي دونت فيه قصائد السياب والذي اعتمدته الوزارة في تحقيقها، أو أن تجعله حذرًا في التعامل مع تراث السياب بعد رحيله، أو تستحثه ليدعو إلى تكوين لجنة تضم خيرة المحققين والشعراء من ذوي الخبرة في التحقيق، أو ما يشبهه، لتخفيف عبء المسؤولية التي اتخذها على عاتقه، بعيدا عن المساس بنتاج السياب الآخر المنجز المكتفي بنفسه الذي خلّفه في حياته وأشرف عليه، تاركا الكراريس والقصاصات مثلما يفعل الكثير من الشعراء بصفتها ذكرى يعزّ عليهم تمزيقها، أو محوها، ولا يعني احتفاظهم بها أنها مهيّاة أو صالحة للنشر؟. 

     وإذا كانت اللجنة مرغمة لتنفيذ واجب رسميّ فرضته وزارة الإعلام في المكان والوقت المناسبين، وهذا ما نستشفه من رأي الشاعر سامي مهدي حين يذكر في مقالته التي استشهدتُ ببعض المقتطفات منها:” لم أكن في قرارة نفسي راضياً عما قمنا به، ولا مقتنعا بمبدأ نشرها، ذلك لأن قصائدها لا تضيف أية قيمة فنية إلى شعر السياب”، أقول إذا كانت اللجنة مرغمة فما هو الإرغام الذي دفع المحقق علي محمود خضير لنشر هذا النتاج الذي يسيء إلى تراث شاعر كبير. هل نحن إزاء مخلفات مادية، أم إزاء موروث روحيّ لا علاقة له بالكمّ، أو بأي حسابٍ آخر، حتى ولا بأقرب الناس إليه، باعتبار هذا الموروث موروثًا وطنيًّا عامًّا خاضعًا لعلاقة يفترض بها أن تُنظَّم بقانون يسهم فيه الجميع، وأولهم الجهات الثقافية الرسمية بالتعاون مع الأطراف الأخرى من اتحاد أدباء، وعائلة الفقيد، ومقربين منه في حياته، إن كانوا لا يزالون أحياء، وبنقاد، وباحثين حريصين على تراث شاعرهم السياب. 

     لم تكتف وزارة الإعلام العراقية بهذه التجربة الفاشلة، فجاء المحقق “الحريص” بطبع مجاميعه الأخرى التي جمعت بكل تأكيد من مخطوطات وأوراق متناثرة بعضها غير مقروء وواضح، شأنه شأن مجموعة “قيثارة الريح” مثل : “أعاصير:1972″، “البواكير:1974″، “الهدايا:1974”.

     يتساءل الشاعر علي محمود خضير بحرقة ولكن إجابته مع الأسف نقيض سؤاله فلا ندري أين الحقيقة لديه: هل في سؤاله الحارق أم في إجابته الباردة:

     يسأل: “أشير هنا إلى سؤال ملح: ما الذي كان يمنع السياب من نشر هذه القصائد التي شكلت في النهاية متنًا شعريّا وصل إلى خمسة دواوين أصدرت بعد وفاته؟ خاصة وأننا بإزاء قصائد هي محاولات الصبا الأول ومعظمها كُتبت والسياب بين (16-18) عامًا، كما أن الشاعر لو كان راغبًا ومقتنعًا بنشر تلك “المحاولات” لفعل ذلك بديوان مشابه لـ”أزهار ذابلة” و”أساطير” بل أذهب أبعد لأقول بأنني (الصحيح: لأقول إنني – كاصد -) أظن “أزهار وأساطير” هو الديوان الوحيد الذي يمثل ما ارتضاه السياب من بداياته ونتاجه القديم بدليل أنه لم يرجع لطباعة أزهار ذابلة ولا “اساطير” بل انتقى منهما مختارات مع جملة تعديلات ليختصر شعر بداياته بـ”أزهار وأساطير”… إلخ

     أما إجابته فهي: “قد يُرى أن نشر هذه القصائد الأولى له ما يبرره بوصفها جزءًا من الإرث الشعري، وربما يُرى أن ما تركه السياب في إدراج النسيان قد يقبله القارئ والدارس مع الأخذ بعين الاعتبار بأننا لسنا أمام أعمال ناضجة ومكتملة فالدواوين التي صدرت بعد (1964م) – عدا “إقبال” – ليست مخطوطات جاهزة أو دفاتر “مبيّضة” وجدت في مكتبة السياب لم يسعفه الوقت لطباعتها، بل أوراق مبعثرة، وقصائد غضّ النظر عنها هو” 

     ثمّ يضيف:”أشير هنا أن نشرنا لأي قصيدة لم ينشرها الشاعر في حياته في هذه الطبعة يأتي بقدر ما يتطلب نشر أعمال شعرية “كاملة” لشاعر مثل السياب من شمول وتعميق تفرضهما آليات وأدبيات مشاريع كهذه”. 

     أترك الحكم للقارئ وأسأل: أين يمكن تلمّس هذين: الشمول والتعميق؟ وما هي آليات وأدبيات مشاريع كهذه؟

كيف جمع أجدادنا أشعارهم (أبو فراس الحمداني نموذجاً):

     أما إجابتي فستكون غير مباشرة ليدرك القارئ أي جناية اُرتكبت بحق شاعرنا السياب الذي كما يبدو أن سوء الحظ يرافقه دائمًا، فوجود مثل هذه اللطخات من القصائد كتشويهٌ لهذا المتحف الرائع الذي خلفه لنا ولن نستأنس بمتحف حيطانه ملطخة بما يشبه الوحل. 

     للقاضي التنوخي كتابٌ ضخم جميل ضمّ أجمل الحكايات، في عدة أجزاء يسمى بـ (نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة)، والنشوار هو “ما يظهر من كلام حسن”. يرد في جزئه الأول حكاية عن الشاعر أبي فراس الحمداني الذي أراد، قبل وفاته، أن يجمع ديوانه فحذف منه شيئا كثيرًا ثم عرضه على صديق له هو أبو الفرج الببغاء ليحذف منه ما يشاء أيضًا وهذا ما فعله أبو الفرج الببغاء واستأنس به أبو فراس. وما جاء بلسان أبو الفرج هو التالي: “واقفني على نفيه، لأنه عرضه عليًّ، فكلُّ ما استضعفناه نفاه، وما اجتمعنا على استجادته أقرَّه، وحرره في نسخة تداولها الناس”ص225 .

     إذا كان أجدادنا بهذا الوعي والمستوى الأخلاقي والرهافة في الاختيار فما نقول ونحن نعيش بعدهم بعد كل هذه القرون؟

     أيّ نزاهةٍ، وسماحةٍ، وتواضعٍ يتمتع بها هؤلاء الأجداد؟

     يكفي الاستشهاد بهذا الجدّ الشاعر أبي فراس لنتعلم درساً في الأدب والأخلاق، وإذا ما كان عليّ ان أذهب بعيداً فأنني سأعتذر؛ لأبدو قريباً من القارئ، والشاعر، والمحقق جميعًا. 

     سأترك جانبا ما جمع من شعر في صباه أو ما أهمله في سنيّ حياته المتأخرة، ولأقف مع مجاميعه التي نشرها في حياته، لأبيّن ما لحقها من تشويه، وجراءةٍ في الحذف والإضافة، ما لا يمكن السكوت إزاءه، ولاسيما أن مجموعاته المنشورة في حياته ارتبطت بذاكرتنا الجماعية، فأي تشويه لها هو تشويهٌ، لا لتراث الشاعر وحده، وإنما هو تشويهٌ لذاكرتنا مما يتطلب اتخاذ الاجراءات الكفيلة بإيقاف هذه الطبعة “المريعة” من الأعمال الشعرية الكاملة للسياب؛ لتكون مانعًا لكل ما سيلحق بهذا العمل الإجرائي المتعسف من أعمال تعسفية أخرى لتراث مبدعينا، لئلا تصبح نهبًا لدور نشر لا همّ لها سوى الانتشار والربح.

نماذج ما جرى من التشويه في “أنشودة المطر”:

     سابدأ بمجموعة “أنشودة المطر” الصادرة عن مجلة شعر والتي صدرت بإشراف الشاعرين السياب وإدونيس وعنايتهما:

     في قصيدة “عرسٌ في قرية” جاء المحقق بمقطع بائس، وألحقه بالقصيدة، بلا مبرّرٍ سوى أنه اطلع عليه في مكان آخر غابر لم يذكره لنا، في إشارة غامضة في الهامش:”عندما أعاد الشاعر نشر القصيدة في ديوان “أنشودة المطر” حذف الشاعر هذا البيت والأبيات الثلاثة التالية، أي المقطع كاملا”.

المقطع هو:

فاشهدي يا سماء

واشهدي يا سهول الجنوب:

ما بقينا فهيهات يبقى الشقاء –

إننا الأقوياء…

هل يجوز هذا؟ في اي عرفٍ فنيّ أو أخلاقي؟

وفي قصيدة “المخبر” يضيف هذا المقطع الذي حذفه السياب:

قدماي متعبتان من فرط ارتكاضي كالخيول 

لأجرّ مركبة الوباء ومقلتاي مُضبّتانِ 

لفرط ما تتنقلان على الوجوه وتَنْفِضانِ 

مفارق الطرقات 

والهَلَعُ الكبيرُ من الزمان 

يمتصُّ روحي، فهي أوشالٌ من الدم والوحول

     يكفي وجود مثل هذه العبارات “فرط ارتكاضي” والتشبيه العاديّ الشائع “كالخيول”، وكلمة “مضبّتان”، لتدفع أي شاعر حتى الأقل موهبةً، لحذفه بلا تردّد. ما الدافع إلى إرجاعه: التوثيق؟  متى كان التوثيق فيصلا في تقييم الشعر وتقديمه؟ إنه إرباك لذاكرتي التي سبق أن انطبعت فيها هذه القصيدة. إنه بقعة سوداء شائهة في بياض ذاكرتي إن لم أقلْ: وباء.

    مشكلة المحقق أنه يجهل لماذا حذف السياب بعض الأبيات في هذه القصيدة، أو غيرها من القصائد القادمة التي سأتعرض إليها. يتصور أن الحذف مجرد ذوق، أو استعادة مجانية من  السياب، في لحظة ما من لحظات تأملاته، أو مراجعاته المتأنية في فحص قصائده، الخاضعة لمزاجه، وأحكامه، دون أن يدري أنها وليدة صراع وآراء محتدمة في شعر السياب، من قِبل نقّاد كبار كرئيف الخوري، ومحمود أمين العالم، وشعراء لهم منزلتهم في الشعر العربيّ كصلاح عبد الصبور، والفيتوري الذين واجهوا السياب بآرائهم الجريئة في مجلة الآداب، من خلال إسهامهم في حقل نقد العدد الماضي من أعداد هذه المجلة، وإجماعهم تقريبًا، على اختلاف مشاربهم، أن السياب ” قد ترك شيئاً كثيراً وراء ما قاله لم يوفق إلى قوله” وأنّ “قصيدته ذات فجاجة في التكوين العام لأن حشد الأساطير والصور فيها من الخارج” على حدّ تعبير رئيف الخوري، أو أن قصيدته “مثقلة بكثير من الأفكار غير المتمثلة تمثلاً فنياً” و”مزدحمة بالصور غير المترابطة” وأنها “حشد من الدلالات التي لم تنجح في أن تتناسج في داخل العمل الفني، بل ظلت منضافة إليه” على حدّ تعبير محمود أمين العالم، فكان لهذه الآراء صداها العميق في نفس السياب ما دفعه إلى إعادة النظر في قصائده، وتشذيبها، والتخلص من زوائدها، وهذا ما دفعه أيضًا إلى حذف التقديم الذي أشار إليه المحقق خضير وهو “أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًاً” الذي كان يغمز فيه، بطرف خفيّ، الشاعر عبد الوهاب البياتي، وهو غمز ليس خافيًا على من له معرفةٌ بمعاركهما المعلنة، التي أشار إليها نقادٌ كإحسان عباس في كتابه عن السياب، وحين حان نشرها في الديوان لم يجد ضرورة في الإبقاء عليها، إذ بدت لا علاقة لها بمحتوى القصيدة، أو عالمها، أي أن حذفها لم يأت جراء ذوق حسب، بل استبصار أيضًا. ولو أخذنا بمنطق المحقق خضير ورجعنا إلى الأصول، كما يفعل هو في رحلاته الاسترجاعية إلى المجلات، والجرائد، والرسائل، لوجدنا أن هذا التقديم  ليس سوى جزء من صيغة كان من المفروض أن تُستعاد كاملة على الرغم من طولها، وعاديتها، بل وسماجتها، وهذا ما أدركه السياب فيما بعد، وإلّا فهل يعقل أن نورد تقديمًا لقصيدة بمثل هذه الفجاجة وهذا التطويل:”الجاسوس يفتري على أخيار الناس ويلصق بهم التهم الباطلة والأكاذيب، وأقرب الناس إليه واشبههم به من داس على ضميره فاتهم الوطنيين بالخيانة وأكل لحم أخيه ميتاً” كما جاء في رسالة له إلى سهيل إدريس، مثلما يذكر ذلك الدكتور إحسان عباس..

     وردّ الفعل هذا ليس استنتاجًا دخيلًا على السياب، فهو نفسه قد أقرّ بذلك” لقد كنت إلى وقت قريب أبرم بنفسي لأني أستفيض في الموضوع الذي أعالجه فأقول كل ما عندي ، لأن الشاعر الحق هو من يقول خير ما عنده لا كلّ ما عنده أو كلّ ما يمكن أن يقال” (يمكن الرجوع إلى كتاب إحسان عباس عن السياب وأعداد مجلة الآداب سنة 1955م)، لذلك نرى أن محاولة المحقق خضير باطلة، وغير صحيحة، وتدور في منطقة مظلمة، وأن ما أضاف إلى السياب لم يكن يستند إلى أي  منطق شعري، أو نقدي، فلا واقع يسنده، ولا خيال، ولا ذوق، ولا تاريخ، وهو ليس سوى خبط عشواء لا يليق بأي تحقيق مهما ضؤلت قيمته.

     وهذا ما يمكن قوله عن مواضع أخرى في شعر السياب فهو قد نشر في مجلة الآداب عدد كانون الثاني 1952 م قصيدة “من رؤيا فوكاي” يستهلها بهذه المقدمة “المقاطع التالية أجزاء من قصيدة طويلة بهذا الأسم، ما زالت قيد الكتابة” ليتلوها بعد ذلك بقصيدة “مرثية الآلهة” في عدد الآداب الذي يليه، منوها أنها مقطع من قصيدة رؤيا فوكاي، ولكنه عدل عن ذلك حين نشر قصيدته الثالثة “مرثية جيكور” بعد عددين من مجلة الآداب، وإن ضمها إحسان عباس إلى القصيدتين السابقتين، عادّا إياها الخاتمة، رغم أن السياب نشرها منفصلة من دون أي مقدمة، لذلك حين حان نشر هذه القصائد الثلاث في ديوان “إنشودة المطر” تخلى نهائيا عن نشرها مجتمعة، وجاء هذا الاختيار بعد اطلاع السياب على ردود أفعال النقاد على القصائد الثلاث، وما رافقها من آراء سلبية تجاهها. لذلك أسأل هل يجوز مثلًا لمحقق أن يجتهد، وينشر القصائد مجتمعة، بوصفها قصيدةً واحدةً، أراد لها الشاعر أن تكون ملحمةً في البدء ثمّ تخلى عن ذلك. لم يفعلها خضير، لحسن الحظّ، وهو المولع بتقديم السابق على اللاحق، ولكن ما فعله هو الأسوأ، إذ أضاف ستة أبيات حذفها السياب من قصيدة “من رؤيا فوكاي” بلا أي مبرّر. أراحنا السياب بحذفها ليأتي خضير بأعادتها ثقلًا علينا وعلى القصيدة ثانية، دون أن يدري ما رافق نشرها ونشر القصائد الأخرى من وجهات نظر أقلقت السياب وجعلته يقرّ ببعض أخطائه. وهذه الأبيات هي:

و”أريل” الجديد

الهدرجين، واهب المياه للقفار

ومنجب اللهيب، عاد يرسل الوعيد

يهز شنغهاي

يُرجع “كونغاين كونغاي”

وذلك المجلجلُ المُرِنُّ من بعيد 

هل يمكن تحمّل مثل هذا الشعر الذي ضاق به السياب ذرعًا، فأهمله وكان على حقّ؟

     أما ما فعله المحقق في “أغنية في شهر آب” فهو أدهى، إذ جاء بمقطع هجين ليحشو به قصيدة جميلة هي من بين أجمل قصائد السياب، ناقلًا إياه عن طبعة دار العودة، دون أن يشير إليها، ما أوحى إلى القارئ إنها إضافة مستجدة لم تحدث من قبل، على طبعة مجلة شعر:

سيعود إذا انتصف الليلُ 

زوجي سيعود إلى الدارِ

من بيت صديق أو بارٍ

لا شوق يعلّق بالرقّاص ولا بالعقرب أبصاري 

لا آهةَ – من رهَبٍ – تعلو:

من رنة مفتاح في البابْ

وضياء من شِقّ ينساب 

كالماء المالح أشربه حتّى تتفطّر أغواري 

ولقد يتأخر أو يأتي 

قبل الميعاد إلى البيتِ

لكن سيعود 

لا لوم عليه، فقد أعطى ما أطلب منه، ولا عتبُ!

خدمٌ ورياشٌ ملء البيت، وأبهةٌ. دنيا، ونقود 

“..ماسٌ ، وبقيّتُخت ذهبُ:

وهديّة والدها.. عجب:

صياد بين يديه شِباك

تتلامح ملأى بالأسماك

ذهب وزعانف من فضهْ

ولآلئ توهم أنّ هياكلها تثبُ

وبإنّ لصائدها خضّهْ!”

تتعوَّذ من عُقَد السحر

والليل الراكد بالخُضْرِ

     ما حاجة القصيدة لهذا المقطع المملّ الذي احتوى على ثلاثةٍ وعشرين سطرًا، بلا تشكيل في مواضع تستحق التشكيل، وما حاجتي إليه أنا القارئ؟ 

     ستكون الإجابة البليدة المعتادة بلا شك: التوثيق.

     حسناً لنمض في هذه الرحلة المضنية على مضض، غير أنك من الصعب أن تحافظ على أعصابك، حين تقرأ هذا الهامش تعليقًا على قصيدة “قافلة الضياع”:

“حين أُعيد نشر القصيدة في ديوان “أنشودة المطر” تم حذف الأبيات الأخيرة التي تشكل خاتمة القصيدة ووُضع مكانها الأبيات الآتية: 

النار تركض كالخيول وراءنا: أهمُ المغول 

على ظهور الصافنات؟ وهل سألتَ العابرينَ 

أروّضوا أمسِ الخيول؟

أم نحن بدء الناس: كل تراثنا أنصاب طين؟”

     المحقق يتكلم بصيغة المجهول عن بدر شاكر السياب: “تمّ حذف الأبيات الأخيرة”، ووُضع مكانها” وكأن السياب ليس هو واضعها. والأغرب من ذلك أنه يستبدلها بأبيات هو اختارها من نسخة القصيدة المنشورة في مجلة الآداب، وكان الأولى أن يُبقي القصيدة – إذا كان له الحق في فعل ذلك – كما هي منشورة في المجموعة، ويشير في الهامش إلى المقطع المنشور في مجلة الآداب، وليس العكس، وإنْ كان كلّ ذلك لا ضرورة له كما أرى. وإذا احتكمنا إلى الذوق فإن المقطع المشار إليه هو أفضل بكثير من هذا المقطع المباشر المتكلف ذي التركيب المهلهل، المتداخل المنشور في مجلة الآداب:

الليل أُجهض: ليس فيه سوى مجوس اللاجئين

الليل.. كلا! ما هناك؟ انظرْ – تضوَّأت السماء 

بنور نجمٍ كالصليب، هو الخلاص! هو الفداء!ْ

وُلد (الفدائيون)، بابُ غد،

فلا غدَ لليهود!

     ويبدو أن أسباب حذف هذا المقطع، بالإضافة إلى ضعفه، ورود كلمات مجوس، والصليب، والخلاص في غير محلها، وهذا ما أدركه السياب بعد اطلاعه على نقد الفيتوري لقصيدته هذه في الآداب، حين قام بمراجعة قصائد العدد الماضي. 

     ورد في هذه المراجعة أن هذه قصيدة “لا ترتفع إلى مستوى أغنية المطر رائعة صديقي بدر السياب، بل لا اعتقد أنه سيخالفني كثيرا عندما أقرر أنها لا ترتفع كثيراً عن مستوى هذا الشعر الذي نحاربه معاً: شعر الخيالات السقيمة والحقائق التاريخية الجامدة والتجارب العقلية المشاعة، شعر القوالب الصناعية الخالية من حرارة الحياة وجدية المأساة” (الآداب عدد آب 1956م) ثم يؤكد على الخلاف الجذري بين تجربة اللاجئين الواقعية الأليمة، والاتكاء على أسطورة “قابيل وهابيل” ذات المنظور الديني الغيبي”

     ثم يأتي محقق لا يدري بخلفية هذا الحذف، ليضيفه ثانية، بلا مبرر، وبطريقة تفتقد إلى الأمانة في التحقيق.

     أتساءل: أليس هذا اجتراء باعث على السخط حقَّا!

     كيف يجيز محقّق لنفسه أن يختار مقطعاً أهمله الشاعر، ويحذف ما اختاره الشاعر مفضّلًا اختياره، فكيف إذا كان هذا الشاعر هو بدر السياب. إنها إشكالية ليست ثقافية حسب، وأنما هي إشكالية سايكلوجية تستدعي السؤال عن سراديب هذه الثقة التي تتقدم إلى القارئ في حدّها الأقصى المثير للارتياب. 

    لم نعهد قطّ أن هناك شاعراً يعيد ما حذفه، فكيف إذا كان الإعادة من محقق، أو ناشر. إنها مفارقة تبدو غريبة وأقرب إلى السخرية حقّا.

     أتساءل أيضًا ما معنى أن يشير محقّق إلى إهداء سابق حذفه الشاعر لينوّه بحذف الشاعر له، وكأنه معلْم لفهم مبنى القصيدة، من دونه سيتم هدم هذا المبنى بأكمله، وكأننا نتعامل مع ألغاز في رواية بوليسية، مع العلم أن الشاعر الذي أوكل إليه كتابة المقدمة أعني أدونيس تمتلئ مجموعاته الشعرية بالإهداءات التي حذفها فيما بعد. أليس المحقق على معرفة بهذا؟.  

     سأسأل المحقق أيضًا هل يعتقد أن أدونيس يمكن أن يبيح للآخر، ناشرًا أو محققًا، أن يذكر مثل هذه التفصيلات في طبعات دواوينه اللاحقة، أم أن هذا يبدو زائدًا لا معنى لإيراده في مجموعات، أو أعمال شعرية، وإن كان جائزًا، ربما، في مقالةٍ أو كتابٍ لسبب ما. 

     ما الداعي إلى ذكر حذف اسم “مصالي الحاج” من قصيدة في “المغرب العربي”؟، أللتدليل على شطارةٍ في البحث والاستقصاء؟ إن كان لهذا الحذف دلالة فليكنْ توضيح هذه الدلالة في مقالةٍ، وليس في ديوان مليء بهوامش تفسد لذتنا بالشعر، صاعدين هابطين، في دوّامتها، وبلا تبرير في الغالب سوى التبرير المشفوع بالتوثيق، مع أن كلّ ما جرى من حذف هو من فعل الشاعر، لا أحد غيره.

     وهذا ما حدث لقصيدة أخرى حشاها بزيادةٍ، هي قصيدة “رؤيا في عام 1956م” وبتعليق لا قيمة له (نشرت القصيدة بعنوان” نبوءة في عام..” في جريدة “الحرية” العراقية، ثمّ نشرت ثانية في “مجلة الآداب” اللبنانية …إلخ، وكأن المحقق يبدو مفتوناً بهذه التعليقات النافلة والزوائد التي لا تنتهي سواء في قصائد ضمها الشاعر إلى دواوينه في حياته، وانتهى منها بعد مراجعة مرهقة لشعره،  بالتأكيد، أو لم يضمها.

لماذا إعادة هذا المقطع الطويل الضعيف البائس في هذه القصيدة ذاتها “رؤيا في عام1956م”؟ ما جدواه في قصيدة مكتملة بنفسها؟ ما الذي يضيفه إليها؟ هل حذفه الشاعر كما تعتقد جراء نزوة أو ضعف في حسه اللغويّ؟

أسمع في كركوك والموصل

أسمع في كركوك هذا النداء

هذا حصاد الموسم المقبل

نار وأشلاء ومجرى دماء 

“نحن رعايا اتيس                 (الصحيح أن يكتب أتيس بهمزة قطع)

نحن مواليه 

جئناه يوم الخميس 

نرجو اياديه                        (الصحيح أن تكتب أياديه بهمزة قطع)

على هدير الرصاص 

تعلو أغانينا 

هذا أوان القصاص 

فيا أعادينا 

جئنا، فأين الخلاص 

جئنا نؤدي طقسه الدامي 

من بعد أعوام واعوام  (ينبغي كتابة “أعوام” بهمزة قطع ووضع كسرة تحت الميم بوصفها قافية)  

كان الاسى فيها وخبز الشقاء

زادا لنا، والدمع يروينا 

نفصد، لا أعراقنا، انما     (الصحيح أن تكتب إنما بهمزة قطع)

نفصد أعراق المصلينا 

ننحر، لا اطفالنا، انما      (الصحيح أطفالنا بهمزة قطع)

أطفال كركوك قرابينا.”

     لم تسلم القصائد الأخرى من الهوامش والإضافات، والتدخل، وعدم الاحتراز. 

     فإن نجونا من الإضافة والحذف فاجأنا ” هذا الهامش في قصيدة “بور سعيد”: “نشرت القصيدة في مجلة “فنون العراقية”، في كانون الأول 1956 ونشرت لاحقا في ديوان “أنشودة المطر” مع حذف بيت واحد هو :

        يا أمة تصنع التاريخ من دمها       لا تيأسي إن “عبدالناصر” القدرُ”

       مع العلم أن هذا البيت لم يُحذف فهو موجود في الطبعتين: دار العودة ومجلة شعر، ولكن باستبدال عبد الناصر بسيف الدولة. (المعروف في اللغة أن الاسم المسبوق بالباء “سيف الدولة” هو المهمل، ولكنني جريًا مع المألوف، وما جاء في نصوص المحقق، سيكون المهمل أو المتروك في الجملة هو الاسم الأول “عبد الناصر”، وهذا ما فعلته في الجمل التي أوردتها من قبل). 

     ولا أخفي عن القارئ شكي في ذاكرتي، رغم تيقني من خطأ المحقق في ما أورد، وهذا ما دفعني، لعدم وجود طبعة مجلة شعر بين يديّ، إلى الاتصال بالصديق العزيز الشاعر محمد صالح عبدالرضا، قبل رحيله ببضعة أيام، لكي يطمئنني إن كان البيت محذوفا أم لا؟ وبالفعل اتصل صديقي الشاعر الراحل بإيلاء بنت السياب، لأنه لا يمتلك الطبعة أيضًا، فأكدت له، مشكورةً، وجود هذا البيت في طبعة مجلة شعر، واستبدال اسم عبدالناصر بسيف الدولة. 

     والسؤال كيف يفوت المحقق معلومة هي في غاية البساطة في ديوان يفترض أن يكون لديه، بينما يشغله ما ليس بطائلٍ في الآفاق. 

     والغريب أنه لا يكفّ عن التعليق حتى في ما هو ليس بحاجة إلى تعليق، كهذا الهامش الذي ورطه في خطأ نحوي شنيع – حدث سهوًا بالتأكيد – جراء إلحاحه في التعليقات:”حذف السياب بعد هذا البيت بيتان شعريان (الصحيح بيتين شعريين) كانا قد وردا في نص القصيدة المنشور في مجلة الثقافة الجديدة  …إلخ”

وكأنه واقف على كتف السياب يُحصي ما حذف أو أضاف. 

     إننا في حيرة من هذا المحقق الذي يضيف في مواضع، ويهمل في مواضع أخرى من دون سبب، وبالتالي فنحن لا ندري لِمَ أشار إلى البيتين على غير عادته، ولم يضفهما إلى المتن؟ 

     كما قلت إنه لا يكفّ عن إعاقتنا، وكأنه في حرب لا مع بدر، بل ومع القارئ الذي أراد أن يسرّه بشعر السياب فأزعجه بهوامشه، وأدهشه لا ببراعته، بل بإلحاحه. وها هو يلحّ ثانية، وثالثة، وعاشرة، ليعيد لنا مقاطع وأبياتًا لسنا بحاجة لنعرف كيف كتبها السياب من قبل أن يصوغها بشكل نهائي، فبيت كهذا في قصيدة “المومس العمياء”:

الزاحفون من البحار كما يفور قطيع دود

لا بدّ أن يعلق عليه تعليقًا لا ضرورة له أبدًا: “كان هذا البيت، في نص القصيدة الأول، على هذا النحو:”من أدعياء الانكليز (الصحيح الإنكليز أي بهمزة قطع وليس بهمزة وصل) إلى صعاليك الهنود”، مكرّرا خطأه النحوي، الذي ظنناه سهوًا، في تعليق ثانٍ، :”حذف السياب بعد هذا البيت بيتان شعريان كانا وردا في نص القصيدة المنشور في كراس مستقل عام 1954م… إلخ 

     وليته بقي حيث تركناه، فها هو يفعل النقيض تمامًا، فيورد أبياتًا في غاية الرداءة لا ليضعها في الهامش، بل في المتن، بلا مبرر أبدًا مرتكبًا خطأ أشنع من السابق:

وأجدى على الأرض، من أن يبيع 

طواغيت (وول ستريت) الحديد

عشيش جديد!       

     يعلق المحقق على هذه الأبيات:”حُذف هذا البيت والبيتين التاليين له في طبعة مجلة شعر” والصحيح أن يقول: “حُذف هذا البيت والبيتان التاليان له في طبعة مجلة شعر”، والأصح من كل ذلك أن يقول:”حُذف هذا البيت، وهذان البيتان التاليان له في طبعة مجلة شعر”

     لا ندري ما الذي يقصد المحقق بهذا “العشيش” وما الذي أعجبه فيه، فجاء به فرحًا من سلة مهملات السياب، ليبعثه من جديد من قعر العدم.

     بعد هذه الأبيات بصفحة أو صفحتين يعيد المحقق لا أبياتًا، بل مقطعًا كاملا لا طعم له، دون أن يكلف نفسه – وهو المثابر- حتى في شرح مفردة للقارئ جاءت غريبة وسط المقطع هي: “أعجاله”، وكأنه يترصد طبعة مجلة شعر ليبين تهافتها وعدم دقتها، وخلال كل هذه الملاحظات، والإشارات، والاتصالات، عبر الهاتف بأدونيس، نرى أن أدونيس لم يحرك ساكنا ولم يُبد ولو نصف ملاحظة، فلا ندري عمّ كان المحقق يتحدث طويلًا عبر الهاتف مع أدونيس (الذي تناولنا مقدمته في القسم الأول من مقالتنا هذه).

المقطع هو:

سلام على المسيسبي الكبير 

وما طاف من أغنيات الزنوج

بشطّيْه وانسابَ عبر المروج

هناك استقلّ الضّياء الأسير

إلهُ الوغى، مركباً للدمار

يرشّ الجراثيم حيث استدار

بأعجاله القادحات الشرار   

ويُدمي الشيوخ، ويُصلي الصغار

شآبيب نار

وما شاء من زعزعٍ عاتيه 

تبيدُ الملايين في ثانيه.

بعد هذا المقطع، يعود إلى ديدنه فيعيد ثلاثة أبيات بائخة بعد أن حذفها السياب هي:

فقد لاح فجر انطلاق العبيد

وأنا رفعنا لواء السلام

رفعناه “فليخسأنّ الظلام”

     أمّا تعليقه على هذه الأبيات فهو التعليق السابق بأخطائه النحوية المكرورة:”حُذف هذا البيت والبيتين التاليين (الصحيح وهذان البيتان التاليان) له في طبعة مجلة شعر…. إلخ “

     وإذا أهملنا ذكر أخطائه في مقدمته فإنّ هذه الأخطاء تعيدنا،على الرغم منا، إلى أخطائه التي تجاوزناها، في مقدمته ففي مقطع صغير من هذه المقدمة ترد هذه الأخطاء الآتية:

1- “هذا غير ثمانٍ قصائد لم يسبق نشرها، قبل اليوم،..” (والصحيح “ثماني قصائد”)، وهي لغة في غاية الاعوجاج: “هذا غير ثمانٍ قصائد” … ولو قال “ثمانِ” بالكسرة لهان الأمر. أما أن تأتي “ثمانٍ” بالكسرة المنونة فهذا ما لم نسمع به من قبل.

2- “التي ارتآها في طبعاتها الأخيرة أثناء حياته، مع إعادة تدقيقها وضبطها مع الأصول المبينة سابقا وتصليح ما وجدناه من أخطاء…” (والصحيح  “تصحيح” فلسنا هنا نحن إزاء أثاث أو عجلات لإصلاحها).

3- “أما أثناء حياته” التي صحيحها ” في أثناء حياته” وهذا ما يتمسك به البعض من الحريصين على لغتهم، فليس شاغلنا أبداً.، وإنما هو شاغل غيرنا من النحويّين. 

نماذج مما جرى من تشويه في “المعبد الغريق”:

نأتي إلى ديوانه الآخر “المعبد الغريق” فماذا نرى؟:

الإلحاح نفسه في ما حذف السياب وما أبقى، وكأنّ عالم السياب واقفٌ على قرني ثور، يوشك أن ينهدم إن لم يسرع محققه لإنقاذه، ولكن المحقق هنا يبدأ بداية في غاية السوء.. بداية ليست في محلّها على الإطلاق، لأن حذف السياب كان في غاية البراعة والرهافة في التعامل مع قصيدةٍ في غاية الجمال هي قصيدة “شباك وفيقة”، ولا أرى في هامش المحقق إلا فضولًا وتعليقا فجًّا، لان التعليق لا محلّ له وسط هذا الجمال الخالد النادر في الشعر. 

المحذوف أربعة أبيات هي: 

فلم تفتحي، آه هل تفتحين 

ولو كنت، من رحمة، تنظرين 

وهيهات أن تنظري والتراب

مهيل على مقلتك

لم يُبقِ السياب من هذا الأبيات إلّا عبارة :”فلم تفتحي”

فأي عبقرية في هذا الحذف الذي لو أبقاه السياب، لكان لطخة بشعة وسط هذا الجمال النادر في الشعر العربي:

أطلي فشباكك الأزرقُ 

سماءٌ تجوع 

تبينتُهُ من خلال الدموع 

كأنّي بيَ ارتجف الزورقُ 

إلى آخر هذا الجمال الذي ينثال كالشلال في قصيدة صافية نادرة، لا في الشعر العربي، بل في شعر السياب أيضًا، حتى أنّ هذا الهامش يبدو سمجًا لمحقق لا يدري ما ذا يفعل. وكأن الاطلاع على الرسائل كرسالة بدر، التي وردت فيها هذه الأبيات المحذوفة، إلى الشاعر يوسف الخال، فتح الفتوح في الثقافة واكتشاف العوالم السرية للشعراء. 

     لعلّ من حسن حظنا أنه لم يُرجع المحذوف إلى القصيدة، بل وضعه في هامش عابر، وليته فعل مع الحذوف الأخرى؛ لأننا ما إن ننتقل إلى القصيدة التي تليها وهي قصيدة “حدائق وفيقة” حتى نجد أنه فعل العكس، ليضع ما حذفه السياب في متن هذا القصيدة، وكأنه بهلوان لا محقّق يقفز من حبلٍ إلى آخر، كما يشاء بلا حذرٍ، ولا وعي، ولا تأنٍّ، ويؤسفني أن أقول وبلا ذائقةٍ : ما المعايير التي تتحكم بهذه القفزات أيها المحقق “البارع” الذي لم تترك قصاصة إلّا وحملتها، كأنك حامل مصباح علاء الدين السحريّ.

     كيف يمكن لمحقق أن يُرجع ما رماه الشاعر في سلة المهملات، كهذا المقطع الرديء ليحشره في جسد قصيدة جميلة أخرى، كقصيدة “شباك وفيقة”: من يدلني أين الجمال في هذا المقطع وما علاقته ببقية القصيدة؟ أكان السياب على خطأ حقًّا في حذفه، ليعيده، إلى الصواب بعد أن شبع موتًا، محققٌ لا يزال في بداية طريقه في مهنة التحقيق. 

إنه لشيء فاجع حقا!

تخالها تلوح في القرار

من جدول أحاله النهار 

صدى من المياه مقمرا.

كأن عشتروت آخى فوقها الحجار 

صفائحاً من الزجاج، أصبح الثرى 

ذرّاً من الضياء والغبار 

     ولم يكتفِ بإعادة هذا المقطع الكريه المحذوف، بل جاء بمقطع آخر أسوأ منه ليحشره أيضًا في هذه القصيدة المجنيّ عليها، وكأن لا شاغل له غير البحث في سلة المهملات ليكلل بها ما يريد أن يُتَوِّجَهُ من قصائد اتخذت شكلها الأخير على يد صانعها.  

هناك حين يهبط الموت في سكون 

يسمّر العيون 

على شموس تنشر الظلام

هناك يستنيم، في محفّة الغصون

شذى إذا تنشقته روح ميِّت غفا 

له ونام 

شعوره القديم واستراح للقتام 

      أهذا شعر يعتدُّ به، ويليق بالسياب الذي رماه في سلة مهملاته؟

ما جرى من تشويه في “شناشيل ابنة الجلبي وإقبال”:

     حسناً سننتقل إلى ديوان آخر هو “شناشيل ابنة الجلبي وإقبال”.

     جاء على لسان المحقق ما يأتي:”السياب عمد إلى دمج ديوانين أو أكثر ليصيرا في النهاية ديوانًا جديدًا بعنوان جديد مع تعديلات وتغييرات عديدة. هذا ما فعله مع ديوان “أزهار ذابلة” حين دمجه مع ديوان “أساطير” ليصيرا ديوانًا جديدًا هو “أزهار وأساطير” وهذا ما فعلته بعض دور النشر حين دمجت “شناشيل ابنة الجلبي” (1963 م) مع ديوان “إقبال” (1965 م) ليصيرا مجلّدًا بعنوان “شناشيل ابنة الجلبي وإقبال” وقد آثرنا الاحتفاظ بالدواوين المنشورة كاملة وتنسيقها حسب الترتيب التاريخي لسنة الأصدار، مع بيان التعديلات في إشارات مفتاحية أو هوامش مرفقة” 

     هذه مغالطة واستعمال للألفاظ بشكل سيّء، فالسياب لم يدمج ديوانين، بل حذف ديوانًا كاملا هو “أزهار ذابلة” أبقى منه، كما ذكرت في أول مقالتي، ست قصائد لم تخلُ من الحذف أيضًا، فاضطر إلى إضافتها إلى ديوان أساطير الذي حذف منه بضع قصائد، لأنه ليس من المعقول أن ينشر الديوان الأول محتوياً على 6 قصائد حذف الكثير من أبياتها. 

     كيف يمكن إجراء مقارنة كهذه؟ ولسوء الحظ أن هذا الدمج القبيح يعلن عن قبحه منذ غلاف الديوانين المدمجين “شناشيل ابنة الجلبي وإقبال”. أهذا عنوان حقّا؟. إنّ قبحَ هذا العنوان  يتمثل في شكله ومضمونه، فلا شيء يجمع الديوانين، مثلما لا شيء يجمع بين الحبيبة ابنة الجلبي، والزوجة إقبال. وما الجمع بينهما إلّا جشع تاجر، وغفلة محقق.

     أيّ إضافة إلى هذا العنوان “شناشيل ابنة الجلبي”  ستسيء إليه وتشوهه. إنه العنوان الجميل المكتفي بنفسه، والذي اختاره السياب واختار قصائده، وإن لم يره مطبوعًا في حياته، مثلما هو عنوان “إقبال” المكتفي بنفسه معنى لا جمالًا، والذي يمكن حصره ببساطة رغم التشويه الذي رافقه، والإضافات، والتصورات؛ لأنه ببساطة كان ينبغي أن يحتوي آخر القصائد التي كتبها السياب قبل رحيله، والتخلص من أي زوائد أخرى تضاف إليه، ورغم  الفرز الذي حدث في ما بعد بين ما كتبه السياب قبل رحيله والقصائد التي أُضيفت إلى الديوان من شعره المبكر، ما زالت التصورات تلاحقه ولعل أشدّ هذه التصورات وهْمًا هي تصورات خضير حين يتوهم ، في أحد هوامشه، أن قصيدة حميد المكتفية بنفسها يسبق متنها مقطع ” بعنوان (العودة) تبدأ بـ :

إذا عدتُ من وحدتي واغترابي 

أصيلان يومٍ حزين السحاب” 

ثم يعلّق في الهامش نفسه: ” ويبدو أن الشاعر قرر الاستغناء عن المقطع ذاك وعنون بقية القصيدة “بحميد”. وهذا بعيدٌ عن الصواب ولا يدل على حرص، أو دقة من المحقق في التثبت من الوقائع، لأن قصيدة ” حميد” نشرت في مجلة كانت تصدر في مصر بعنوان “الشعر”، في أثناء حياة الشاعر، وأنا أتذكرها – إذا لم تخني الذاكرة – وأتذكر مشاعري كقارئ في ذلك الوقت، ولو أتعبَ المحقق نفسه لتأكد من ذلك، وإن كان ليس بحاجة إلى هذا التأكد، لأن المقطع المرفق بالقصيدة غريب عليها، ولا سيما أن القصيدة تتميز من بين جميع القصائد المنشورة للسياب آنذاك بموضوعها المتماسك، ووحدتها العضوية البارزة التي لا تحتمل زيادة، أو تقبّل أيّ جسم غريب عليها، وما أثارني وقتها عند قراءتي لها هو قدرتها على الإيحاء المدهش رغم كثافتها. إنني أتذكر حتى مكان قراءتي لها حين كنت طالباً  في جامعة دمشق. 

وبسبب ولع المحقق بالتفاصيل النافلة تراه يستدعي كلّ ما هو غريب، أو مفترض وكأنه موكل بالرد عليه، خالقًا إشكالات إضافية لبحثه، ناسيًا أنه إزاء أعمال شعرية، وليست نقدية، فيأتي بشاهد طويل عريض، ذاكراً في موضع  آخر من الكتاب قصيدة “العودة” المرفقة بقصيدة “حميد” واختلاف الآراء حولهما، رغم عدم قناعته بهما مجتمعتين، بسبب تردده، وعدم يقينه، تاركا تقدير الموقف للقارئ، ليظهر سماحة ليست في محلها، وكأننا في محكمة مفتوحة، معيداً نشر المقطع المرفق بأكمله مع قصيدة “حميد” بلا مبرر، تحت  عنوان “قصائد لم تنشر في دواوين الشاعر” مع العلم أن القصيدة منشورة في مجموعة “إقبال”. 

     كل هذا الوهم مبعثه أن “هناك مسودة للسياب ” كما جاء في هامشٍ للمحقق وكأن السياب في أحسن أحواله من تنظيم وترتيب في حياته المضطربة، وكأن المحقق يخلو من التقدير والمخيلة في تصور الأشياء التي يبحث فيها، فلا يتصور أن هذا المقطع قد يكون البداية الأولى المبعثرة للقصيدة القادمة المكتملة.

     ما فعله السياب هو النقيض الكامل لما فعله الناشر وما فعلتَه أنت. وهذا ما نلمسه حتى في العنوان السابق، واقصد به “أزهار وأساطير” إذ نشره بعنوان:”أزهار وأساطير” وليس ” أزهار ذابلة وأساطير” ليدل أن ما يقوم به ليس دمجًا، وأن ما ينشره ديوان واحد لا ديوانان. فشتان ما بين “أزهار” أعاد إليها الحياة، وأزهار ذبُلت فرماها إلى سلة مهملاته التي عاد إليها التجّار، ولجان السلطة المختصة، والمحققون، ومدّعو صداقة السياب، الحريصون على تراث ميت امّحى الكثير منه، فلم يترددوا من بعثه ميّتا بأعضاء مستعارة، وهذا ما اعترف به من شاركوا في اللجان التي حققت شعره، كما حدث في إعادة الحياة الشبيهة بالموت لديوانه ” قيثارة الريح”.

     يقول خضير في مقدمته  إنّ السياب “دمج ديوانين أو أكثر”  ما موضع كلمة “أكثر” هنا؟ أين وجد هذا الأكثر، في أي ديوانين آخرين؟

حتى لفظة الاندماج ربما لا تصلح للاستعمال هنا لأنه مجرد جمع بليد لناشرٍ، لا يعرف معنىً للدمج ولا للجمع. كل ما يهمه هو: الربح.

      لقد أشرف السياب، قبل رحيله، رغم مرضه، على ديوانه “شناشيل ابنة الجلبي” وهذا ما يتأكد من خلال الملاحظة التي وردت في كتاب “بدر شاكر السياب حياته وشعره” لعيسى بلاطة: “طلب بدر حذف قصيدة له من ديوان شناشيل ابنة الجلبي” ص148. أما ما خلّفه السياب من قصائد، بعد رحيله، فهي معروفة وقد نشر بعضها أو أغلبها في أثناء حياته. أما ما أضيف إليها من بواكير شعره فقد تمّ إقصاؤه من ديوان “إقبال” الذي جمعه أخو زوجة السياب السيد فؤاد طه العبد الجليل ونشره كما يقول ذلك عيسى بلاطة في كتابه الذي أوردناه سابقًا في ص164، وكان الأولى أن يطبع هذا الديوان أو يلحق بأعماله الكاملة منفصلًا وليس مدمجاً مع “شناشيل ابنة الجلبي” لاختلاف عالمي المجموعتين. 

     والأجدر من كلّ ذلك أن تطبع أعماله الشعرية المكتوبة في صباه، والتي أهملها في حياته  في كتاب آخر، لا علاقة له بأعماله الكاملة، إذا كنا حريصين حقّا على تراث السياب وقيمته، وموقع السياب الرائد في شعرنا العربيّ المعاصر.

كيف تعامل أدونيس مع أعماله الأولى:

     ألم يُعهد التقديم لشاعر كبير آخر هو أدونيس فلنر إذًا في تاريخ إصداراته لنتبين بوضوح كيف يقف الشاعر إزاء إصداراته وكيف يتعامل مع أعماله الأولى :

     يذكر موقع أدونيس – وهذا ما ذكرناه في القسم الأول من مقالتنا هذه – أن لأدونيس خمسة أعمال في بداياته (هانيبال، وديدون، وقلقامش، ودليلة، ومعزوفة الدماء) لم يضمها لسلسلة أعماله.. وأن مجموعته “قصائد أولى” التي نشرها يوسف الخال في بيروت عام 1957 ليست سوى اختيارات من عملين هما “دليلة” و”قالت لي الأرض” كما ورد ذلك في الحوار الذي اجرته معه مجلة قناص.

     هذا ما فعله أدونيس مثلما فعل السياب بديوانيه “أزهار ذابلة” و”أساطير” فلمَ هذا الخرق الذي تمّ، ولم التقديم إن لم يكن هناك استفادة من تجربة صاحب التقديم، وخبرته في المجال الذي نخوض فيه. ألم يلاحظ أدونيس هذا الخرق، أو يتحاور معك حوله، وقد ذكرت أنك على اتصالٍ دائمٍ به؟ ألم يقلقك ما أحاط بتراث بدر من وسائط تمتد من الأهل إلى المحقق، إلى الوزارات ودور النشر، واللجان، وما تشابك من أمور أخرى ما يجعلك بعيدًا عما هو نافل من تفصيلات وزوائد لا تعني شيئاً، إن لم تضف إلى الأخطاء أخطاءً أخرى. 

     في كتاب عن إزرا باوند بعنوان” إزرا باوند وأناشيده” يورد مؤلفه الناقد جورج كينز، مستشهدًا بقول للشاعر تي إس إليوت ما ترجمته”التعليقات الجيدة يمكن أن تكون نافعة غير أنّ أغلبها يبدو مضيعة للوقت، وهذا يشمل حتى أفضلها، إن لم تكن وليدة موضوعات قادرة على الإثارة رغم غموضها”   

     أليس ما فعله السياب هو ما فعله شعراء آخرون كصلاح عبدالصبور، ونزار قباني، ونازك الملائكة، ومحمود درويش، وشعراء الجيل الذين قبلهم كالجواهري، وأحمد شوقي، وعمر أبي ريشة، وغيرهم

     لقد حذف الصبور قصيدته المقفاة عن أبي تمام في مجموعته “أقول لكم”، فلم نعد نجدها في طبعاته المتأخرة، وأعاد نزار قباني صياغة الكثير من قصائده الأولى التي وردت في “قالت لي السمراء” حتى لم تعد تشبهها كما اعترف هو نفسه بذلك، في مقالة شهيرة له في أحد أعداد مجلة الآداب، وغيرت نازك الملائكة الكثير من شعرها الذي كتبته قبل ديوان “عاشقة الليل” والذي استغرق أغلب مجلدها الأول متذرعة بتجربة الشاعر الإنكليزي جون كيتس في قصيدته الشهيرة “هايببريون”، التي ولدت منها فيما بعد قصيدة:”سقوط هايبيريون”، أما محمود درويش  فهو  يذكر في إحدى مقابلاته أنه حذف مجموعته الشعرية الأولى كلّيًا ولم يعترف بها، وكانت قد صدرت في فلسطين، وهي ليست سوى قصائد مراهقة، على حدّ تعبيره، مفصحًا عن أمنيته أن يواصل الحذف. يذكر محمود أيضًا أنه لم يدرج الكثير من قصائده المكتوبة في مراحله المتأخرة في كتبه، رغم نشرها في الصحف، والمجلات المعروفة. يستثني محمود درويش مما ذكره قصائد قليلة من شعره  أسهمت في انتشاره شعريًّا، وأصبحت جزءًا من الذاكرة الجماعية؛ لذلك حرص على الاحتفاظ بها، لئلا يبدو مجحفًا، أو ناكرًا للجميل.

      أما في آداب العالم فثمة شواهد لا تدل على التغيير بمعناه المألوف الشائع، بل التغيير الذي يكاد يكون محوًا، كما فعل ديلان توماس بشعره.

     وإذا كان الإبقاء ملزمًا للشاعر بشكل خاص فلم حُذفت دواوين كاملة وقصائد كثيرة لشعراء معروفين، بتواطؤ معروف، لأنها مدائح لطغاة مرّوا في تاريخ العراق، مثلما حدث مؤخرا للأعمال الشعرية الكاملة لحسب الشيخ جعفر، وغيره من الشعراء المسكوت عن تاريخهم؟   

    كيف ترى تطمئن روح الحيّ وهو يتأمل عذاب روح الميت التي ما زالت نابضة في شعره، وكيف يُضيف إلى ما يختلج في روحه قصاصاتٍ وكراريسَ لا قيمة لها: باسم من؟ ما نفع لصق الميت بما هو حيّ؟ وبدر حي بقصائده الحية التي تجاورها جثث محنطة اهترأت أكفانها منذ زمن طويل.. منذ أن كان صاحبها في الحياة.

أخطاء وردت في نصوص السياب: 

     حسنًا!

     بعد كلّ ما مرّ من أخطاء وسوء تقدير هل نستغرب إذا ما فوجئنا بأخطاء نحوية لا في تعليقات المحقق وشروحاته، بل في نصوص بدر شاكر السياب التي  لم يتوقف عندها المحقق ولم تسترع انتباهه، كأنها شيء عابر لا يستحق الوقوف كهذا الخطأ الوارد في قصيدة (الروح والجسد)

       وحلفتُ ما أنا تاركًا حبي لها             ظمِئَ الفؤاد – يد الزمان- أم ارتوى

والصحيح ما أنا تاركٌ…

أو فوجئنا بإضافات المحقق باعترافه هو في الهامش، كما فعل في البيت التالي الذي أضاف إليه كلمة “الفتح” ليستقيم الوزن: 

     أقوْمُ أحمد مضروبٌ على يدهم       بالذل من هول ذاك “الفتح” واعجبا

وما تخلل ذلك من أخطاء فادحة أجد حرجاً في إيرادها، لأنها من المضحكات ، مثل هذا الهامش الذي يرد تعليقًا على بيت في قصيدة “وحي النيروز” سأذكره مع البيتين اللذين سبقاه ليتضح المعنى للقارئ:

     يا شعب (كاوا) سل الحداد كيف هوى       صرح على الساعد المفتول ينهار؟

     وكيف أهوت على الطاغي يد نفضت       عنها الغبار وكيف انقضّ ثوّار؟

     والجاعل (الكير) يوم الهول مشعلةٌ          تنصبُّ منه على الآفاق أنوار

     القصيدة تفتقد التشكيل، ولا ضرورة لوضع علامتي الاستفهام في نهاية البيتين الأولين، كما أنّ هناك خطأ نحويّا، فالصحيح أن ترد (مشعلة) بالفتحة المنونة لا بالضمة المنونة، بوصفها مفعولا ثانيا لاسم الفاعل (جاعل) العامل عمل الفعل (جَعلَ) الذي ينصب مفعولين، وما يستوقفنا أكثر هو شرح المحقق لكلمة (الكير) شرحاً غريبًا، من دون الرجوع إلى القواميس والمصادر، وهذا أبسط ما يفعله أي محقق، فقد جاء في شرحه أن: “الكير هو القار، القطران، بالتسمية الشعبية العراقية”.

وهذا يعني أن الكير الذي أورده السياب يعني باللهجة الشعبية: الكَير، مثلما ذكر المحقق، بينما المقصود هو : زقّ أو منفاخ يستعمله الحداد وغيره للنفخ في النار لإشعالها.

وبتفسير أخر: جهاز من جلد ونحوه يستخدمه الحداد وغيره للنفخ في النار لإذكائها. فشتان بين الكَير أي القطران ومنفاخ الحداد، ولو فسرناه بالقطران فلا معنى للبيت، وعدم الفهم هذا هو السبب في الخطأ النحوي الذي ارتكبه المحقق. فالذي جعل الكير يوم الهول مشعلةً هو شعب كاوا الحداد الذي يخاطبه الشاعر، وليس القطران إذ لا قطران هناك تنصبُّ منه الأنوار بل الزفت. 

    وما نستغرب له أيضا أن يورد المحقق تفسيرًا لغيره في هامشٍ يشرح  فيه ما يأتي: اللثة : لحم الأسنان.

ما نُسب إلى السياب من قصائد:

     أما الإشارات إلى فوضى الأبيات التي تمّ ضمها من هذه القصيدة، أو تلك إلى قصيدة ثالثة، ومعالجتها، كما جرى لأبيات قصيدتي “ثورة الأهلة” و”أراها غدًا” التي ضُمتْ إلى قصيدة “أهواء” في “أزهار ذابلة” فلن أتوقف عندها، لمناقشتها، لأن ذلك سيطول، وسأتجاوزها إلى ما هو أدهى وأمرّ: انتحال قصائد من شعراء آخرين ونسبتها إلى السياب، كما حدث ذلك للشاعر، صديق السياب، ناصح محمود القاسم الذي نُسبت قصيدتان له إلى السياب كما ذكر ذلك الشاعر الراحل حسين عبداللطيف في كتابٍ له بعنوان “مقدمات السياب – وثائق وملاحظات” الصادر سنة 2014 عن دار الشؤون الثقافية العامة.، وفيه ورد ما يأتي:     

“وعلى ذكر مجموعة (أشواق) فقد دخلت قصيدتان منها على السياب ونسبت إليه خطأ أو سهواً، وهاتان القصيدتان هما (حب وشاعر) و(خطاب وآلهة) وهما ليستا للسياب، وأنما للشاعر، ناصح محمود القاسم – كما أثبتنا – في الحكاية التي فصلنا في ملابساتها في مجلة ( آفاق عربية ) شباط / 1969 والتي لا بأس من إيراد ملخصها:…. “

ثم يورد الشاعر الراحل حسين عبد اللطيف علاقة الشاعر ناصح محمود القاسم بالسياب بتفصيل استغرق ما يقرب من صفحات أربع. سأقتطع من هذا الملخص ما يتعلق فقط بالقصيدتين المنسوبتين إلى السياب، من خلال ما أورده الشاعر حسين عبداللطيف على لسان الشاعر الراحل ناصح محمود القاسم، في أثناء اللقاء به: “وحين رأيت ضمّ القصيدتين المذكورتين والمؤرختين 17/10 و1/11/1963 م إلى المجموعة سلمتها للشاعر السياب لغرض إبداء الرأي قبل ضمهما للمجموعة الشعرية وبقيتا في حوزته لحين وفاته فاطلع عليهما السيد الباحث (يقصد السيد عيسى بلاطة الذي كان يعد أطروحة عن السياب صدرت فيما بعد بعنوان  ” بدر شاكر السياب- حياته وشعره” – كاصد – ) أثناء زيارته البصرة على ما اطلع عليه من تراث الشاعر الراحل فظنهما من نظمه الذي لم ينشر… الأمر الذي دعاه إلى إضافتهما إلى القصائد الأخرى التي لم تنشر للسياب” ثم يكمل الشاعر ناصح القاسم قائلًا: “وحين اطلعت العام 1972 على كتاب (السياب – حياته وشعره).. وجدت قصيدتين من نظمي (حب وشاعر) و(خطاب والهة) مدرجتين ضمن أعمال السياب التي لم تنشر من قبل كما أورد ذلك السيد الباحث”.

القصيدتان هما (ساوردهما كما جاءتا في “أعمال السياب الشعرية”):

1- خطاب والهة:

    أنت تدري أنّ في قلبي جرحي         ألف آهٍ تتنزّى دون بـــــــــــوحِ

   أنت تدري صار مثل الليل صبحي     أنت تدري أيها الجاني – فنحِّ

   ودع الآلام واقبلْ بعض نصحي         يا عذابي خلّني وحدي أضحّي

   دعْ أغانيّ اللواتي صغتــــهنَّ            في أســـــار مبهم بين الدجنّـهْ

  دعْ أمانيّ، فإني عفتـــــــهن              يا عذابي دع رؤى عاودتهن

  ودع الآه فلن تجديك أنّـــــــه             ثمّ دعني، فأنا أشــــتات محنهْ

البصرة 1/1/1963م

(هذا التاريخ يرد بصيغة تختلف عما ورد في رواية الشاعر حسين عبد اللطيف)

2-  حبٌّ وشاعر:

      سـألتني ذات يومٍ عابرهْ            عن غرامي وفتاتي الساحرهْ

      لم تكن تعلم أني شـــاعر           ملهم أهوى فتون الطاهــره

      وحبيب لستُ أهوى عاتباً           إنما أهوى العيون الآســـره

      وقواماً أهيفاً خلّفنــــي               ساهماً خلّف روحي سـادره

      ووفاء لم أكن أنكـــــره              أترى ينكر غصـــن طائره

     سألتني والربى مزدانة              في شروق، والأماسي زاهره

     ليتها تدرك أني ها هنا            شاعر لا بُدَّ لي من شـــاعره

    قلتُ يا أختاه لا لا تسألي          أنا ذاك الصبُّ أهوى “سادره”

البصرة 17/10/1963م

القصيدتان مؤرختان في سنة 1963 م أي بعد كتابة أنشودة المطر وقصائد بدر الشهيرة الأخرى التي ضمها ديوان “إنشودة المطر” بعشر سنوات تقريبًا، فهل يُعقل حتى لأقل الناس بصيرة بالشعر أن يقتنع أن كاتب هذه الأبيات هو السياب نفسه. يمكن أن تحدث مثل هذه الغشاوة لو كانت القصائد مؤرخة في الاربعينات، وحتى هذا الافتراض غير محتمل إزاء الركاكة الواضحة في القصيدتين. 

أنت تدري صار مثل الليل صبحي     أنت تدري أيها الجاني – فنحِّ

     إن كلمة فنحِّ الذي ينتهي به البيت الشعري ليس ركيكا فحسب، بل في غاية الركاكة وحتى لو افترضنا أن هاتين القصيدتين للسياب فأنني أجد أن الإقدام على نشرهما اجتراء لا يمكن تبريره، وانتهاك لمنزلة السياب والشعر. 

     هل أضحى السيّاب نهباً للناهبين القادمين بأسلاب غيرهم، وهل يجوز أن يأتي صديق للسياب احتفظ ببعض قصائد أهملها السياب فلم يحتفظ حتى بنسخ منها لديه، ليطبعها في ديوان بعد رحيله، بحجج واهية منها أنه “قد يكون فقدها”. مثلما حدث للسيد جبار عاشور الذي اقدم على نشر ديوان السياب: أعاصير.

     أكتفي بهذا القدر من الأسئلة، من دون الشعور بأنني انتهيت مما أطرحه الآن.

 المصادر:

أفلاطون (427 – 348 ق.م) “كتاب الجمهورية”، ترجمة ودراسة د. فؤاد زكريا  (2004) دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر، الإسكندرية، مصر.

بلاطة، عيسى (1972) “بدر شاكر السياب- حياته وشعره”، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، لبنان.

السيّاب، بدر شاكر (2020) الأعمال الشعرية الكاملة، المجموعة الأولى؛ دار الرافدين للطباعة والنشر ومنشورات تكوين، العراق-لبنان-الكويت.

السيّاب، بدر شاكر (2020) الأعمال الشعرية الكاملة، المجموعة الثانية؛ دار الرافدين للطباعة والنشر ومنشورات تكوين، العراق-لبنان-الكويت.

عباس، إحسان (1992) “بدر شاكر السيّاب، دراسة في حياته وشعره”؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة السادسة، لبنان.

عبداللطيف، حسين (2014)   “مقدمات السياب – وثائق وملاحظات”؛ دار الشؤون الثقافية العامة، العراق.

مجلة الآداب (الخمسينات والستينات من القرن الماضي) مقالات متفرقة، لبنان.

مجلة آفاق عربية، شباط / 1969

مجلة شعر (الخمسينات من القرن الماضي)، لبنان. 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply