حكمة طارئة

سعد عبد القادر ماهر

1

استشارة حكيم

  • ماذا ستجلب؟

أجابه: مصيدة، وأنت؟

– مقلاعاً.

وقال ثالثهم: سأجمع لكما ما يلزمكما من الحصى والحجر.

شاهدهم والد أحدهم فتساءل عن سبب ذلك كلِّه، فردُّوا عليه بصوت واحد: نذهب للصَّيد.

انطلق الثلاثة في رحلة الصَّيد الغريبة حاملين أدواتٍ بدائية… 

عادوا من الرحلة خالي الوفاض…

في اليوم الثاني أعادوا رحلتهم، وعادوا أيضاً خالي الوفاض…

عزموا على الصَّيد مائة يوم لكنَّهم عادوا خالي الوفاض…

قرَّروا أن يستشيروا حكيماً. 

بعد أن سمع الحكيم قصَّتهم قال: هل رأيتم صيَّاد سمك يصطاد حوتاً بسنَّارة؟ هكذا أنتم تفعلون.

  • إذن، ما الحلُّ يا حكيم؟

أجاب بهدوء: بدِّلوا بوسائل الصَّيد أخرى أكثر فاعلية تستطيعون بها الصَّيد برمية واحدة …

فهم الشباب مُراد الحكيم وقرَّروا تغيير وسيلة الصَّيد… 

19/1/2020

2

حادث دهس

خرج من بيته يبحث عن الخلاص من أمر وقع له أثناء إنقاذه رجلاً دهسته سيارة مارَّة من أمامه. رفع الرَّجلَ الذي كانت الدماء تنزف من كلِّ مكان من جسمه: من رأسه، من صدره، من ساقيه…

نقله بسرعة إلى أقرب مستشفى لعلاجه.

من هنا بدأت معاناته مع الآخرين، بدءاً من إجراءات المستشفى الذي رفض استلام المدهوس وعلاجه بسرعة حتى وصول الشرطة للتحقيق معه حول أسباب الحادث، وانتهاءً بأهل المدهوس.

شهد تحقيقاً طويلاً من الشرطة؛ قصَّ عليهم كيف وقع الحادث، وكيف هربت السيارة التي دهسته، وكيف ساعد الرجل حتى نقله إلى المستشفى. اقتنعت الشرطة بكلامه وحرَّرته بعد ساعتين من التحقيق معه.

في طريقه للخروج من المستشفى أوقفه أحد أقرباء المدهوس وبدلاً من أن يشكره اتَّهمه بشتَّى الاتهامات أخطرها أنَّه من تسبَّب في حادث الدهس وعليه أن يواجه عائلة الرجل وعشيرته في فصل عشائري.

جُنَّ ولم يصدِّق ما سمع وتسارعت دقَّات قلبه حتى كاد أن يغمى عليه في أروقة المستشفى. لم تفلح محاولاته في الدفاع عن نفسه، ولم تفلح تبرئة القانون له. أشعره إصرار عائلة الرجل على اتهامه بالخيبة والمرارة بعد أن أدَّى ما عليه من واجب تجاه حالة إنسانية.

أين الخلاص؟ أين الخلاص؟ هذا ما كان يردِّده وهو يخرج من بيته باحثاً عنه.

هام على وجهه لا يعرف تدبيراً ولا حلولاً مُيسَّرة لحالته. 

نصحه أحدهم باللجوء إلى الشرطة، ونصحه آخر باللجوء إلى عشيرته، وثالث بالاختباء وعدم الخروج من البيت بعض الوقت، وآخر بالخروج من البلاد والفرار… حتَّى لجأ إلى رجل كبير السن من أقربائه يسأله النصيحة. سمع الرجل منه قصَّته فأشار عليه بأن يهدأ.

“التفكير الهادئ يحلُّ أيَّ مشكلة”. هذا ما قاله الرجل. 

– ما أصنع؟

– احصلْ على توثيق للحادثة من خلال كاميرات التصوير الموضوعة في الأماكن القريبة من مكان وقوعها. 

وتساءل: ما أهمية الكاميرات إذا لم تحسم أمراً مثل هذا؟ اذهب واحصل على صور للحادث واعرضها على أهل المدهوس لتبرئتك.

شعر أنَّ هذا الحلَّ قد يكتب نهاية لقصَّته مع حادث الدهس الذي شاهده، شكر صنيع الرجل وغادر.

3

هديَّة

قرر عادل أن يشتري هدية لأمِّه في اليوم العالمي للمرأة. اشترى لها مجموعة جميلة من فناجين القهوة، فهو يعرف أنَّها تحبُّ شرب القهوة كلَّ صباح بمفردها أو صحبة صديقاتها.

فرحتْ بها وانتظرت مناسبة استخدامها يوماً ما… 

أرادت أمُّه أن تشتريَ هدية لصديقتها. تذكَّرت أنَّ مجموعة الفناجين التي أهداها إيَّاها ولدها ما زالت على حالها محفوظة في خزانة مطبخها، حتى ورق الهدايا الذي كان يلفُّها على حاله.

شكرت الصديقةُ فضلها…

سأل زوج صديقتها إن كان ثمَّة شيء في البيت يستطيع أخذه لتقديمه هدية لصديقه الذي عاد بعد أن اعتمر، فما كان من زوجته إلَّا أن تقدِّم له الهدية التي حصلت عليها من صديقتها.

قبِلَ صديقُه الهدية وشكر صنيعه…

ستَّة شهور مرَّت…

وصلت الهدية إلى…

ستَّة شهور مرَّت ثمَّ وصلت مجموعة فناجين القهوة إلى عادل بمناسبة زواجه!

ضحك وضحكت أسرته. قال والده: أما قرأت قول جبران: “افعل الخير وليقع حيث يقع، فإن وقع في أهله فهم أهله، وإن وقع في غير أهله فأنت أهله”؟

4

كنتُ مُمِلَّاً

عرف زملائي في الصف عني أنِّي كثير الأسئلة. كنت آخذ من الدرس وقتاً لا يستطيع أستاذ المادَّة أن يعوِّضه إلا بأن يقوم بتسريع محاضرته أو إنهائها بعد الوقت المخصَّص للمحاضرة، وكان ذلك يؤثِّر سلباً على فهم الطلاب ويلغي الاستراحة القصيرة ما بين المحاضرات.

دعاني الجميعُ اللَّحوحَ المملَّ لكنِّي لم أبالِ… اشتكى الطلبة للأستاذ مني ومن أسئلتي وطلبوا منه أن يوقفني إذا أكثرتُ ولا يسمح لي بمزيد من الأسئلة.

غضب الطُّلَّابُ مني ومن الأستاذ عندما رفض طلبهم واستمر في إجابة أسئلتي، وعندما رأوا عنادنا تطوَّع أحدهم بالشكاية إلى مدير المدرسة للتدخل.

دخل مدير المدرسة الصَّفَّ، واستمع إلى شكوى الطُّلَّاب من كثرة أسئلتي ومن عدم وضع الأستاذ حدَّاً لها. أراد مدير المدرسة أن يشاهد بعينيه ما يجري في الصف، فأخذ مكانه في الصفوف الأمامية بين الطُّلَّاب يراقب سير المحاضرة.

وقفتُ متحدِّياً لأسال الأستاذ في حضور المدير، وقبل أن يقاطعني مدير المدرسة أجاب الأستاذُ سؤالي على الفور. دُهِشَ الطلاب من ردِّ فعل مدير المدرسة الذي لم يقاطعني ولم يقف في وجه الأستاذ. مرَّةً بعد مرَّة وموقفُ مدير المدرسة على حاله لا يتغيَّر.

انتهت المحاضرة فنهض مدير المدرسة من مكانه يقول كلمته: طلَّابنا الأعزَّاء، إنَّكم منزعجون من كثرة أسئلة زميلكم لكنِّي راقبت باهتمام ووجدتها عميقة ويجب مراعاتها. أعتقد أنَّ مدرِّسكم يفهم هذا، لذا فهو لا يريد أن يمنع عنكم مثل هذه الأسئلة. الاستزادة من الأسئلة نافعة لكم؛ فقد تعلَّمنا من أوائل المعلِّمين حكمةً بليغة أودُّ أن تحفظوها: “خيرٌ لك أن تسأل مرَّتين من أن تُخطىء مرَّةً واحدة”.

ولكي تنجحوا عليكم أن تسألوا قبل أن توضع ورقة أسئلة الامتحان أمامكم.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply