خداع بصري

محمد الدباسي

 ننظر دائمًا للمجتمع الغربي نظرة إعجاب وانبهار بالتطور الهائل والمذهل الذي وصل إليه في  أكثر مجالات الحياة.

تطور يشار إليه بالبنان، بل ويضرب به المثل.

ليتنا مثلهم، عبارة نطلقها بعد أن نعود من بلادهم أو عند مشاهدة أفلامهم ثم نردد.

نظام خواجة.. كفار بأخلاق مسلمين.. يطبقون الإسلام أفضل منا.. أصحاب عدل وإنسانية.. متطورون ونحن متخلفون… الخ.

نردد هذه الكلمات ونحن نرى ذلك ونسمع أكثر من ذلك.

نردد ذلك ونتحسر على واقع مجتمعنا، ونتمنى لو كنا منهم.

هل ما نراه صحيحًا؟

هل هم كذلك؟

هل فعلًا ما يطبقونه هو نظام إسلامي تركناه؟

نتفق جميعًا على أن الإسلام يحرص على بناء المجتمعات وتسخيرها وإقامة حكم الله فيها لخدمة كل الناس والرقي بهم وتأمين حياة كريمة لهم.

ونعلم كذلك بأن المسلمين في بداية أمرهم استطاعوا تحقيق ذلك، لكن بعد ركونهم للدنيا وانشغالهم  تسلط الغرب عليهم فقدوا كثيرًا من ذلك.

من تلك الحياة الكريمة، والتي حتمًا ستندثر كلما قل تمسك المسلمين بإسلامهم.

عندما نسمع من بعضنا بأن الغرب يطبقون الإسلام ليس لأن الغرب كذلك حقيقةً، بل هم أبعد من ذلك، لكن لأنهم يقولون ذلك وهم يرون حالهم كأمة مسلمة أصبحت في تخلف فينبهروا بالمجتمع الغربي كلما نظروا إلى ذلك الحال الذي وصلت إليه أمتنا، ويرون ما وصل إليه الغرب، و لوقارنوا ما وجدوه أو سمعوا عنه من نظام في بلاد الغرب بما كان عليه المجتمع المسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو عهد الخلافة الراشدة، أو بداية العهد الأموي والعباسي، أو حتى أيام الأندلس، لما أبهرهم حال المجتمع الغربي، بل لتنبهوا لذلك الانحطاط الأخلاقي الذي وصلت إليه المجتمعات الغربية.

إن ما نشاهده ونحن في بلدانهم أو من خلال أفلامهم ما هو إلا خداع بصري.

نعم، فهل نظن بأن الإنسان الغربي يعيش حياة كريمة في بلده؟

هل هو منعم بالرفاهية؟

هل وجدت الأرض لخدمته، أم هو من يخدم الأرض؟

نعم، فالأرض لخدمة الإنسان وليس الإنسان هو من يخدم الأرض.

صحيح أنه هو من يعمرها لكنه يفترض أن يعمرها ليتمتع بها لا ليشاهد ذلك الإعمار من بعيد فقط.

إن الرجل الغربي عليه التزامات لا بد أن يوفي بها إذا أراد أن يعيش، فلكل شيء ثمن عندهم، وضريبة تدفع لهم، ولذلك يستهلك وقته في العمل وكفى.

إنها متاهة يعيشها الرجل الغربي ولا ينفك منها إلا بعد أن يصل إلى أرذل العمر إن كان موفقًا، ولذلك نجد أكثر السياح الذين يأتون من بلاد الغرب إما هم من الأثرياء أو من كبار السن، فهم فقط من وصلوا إلى أن يجدوا وقتًا وقليلًا من المال ليسافروا ويستمتعوا بالعالم.

حتى المرأة لديهم إذا أرادت أن تعيش لا بد لها من أن تعمل تمامًا كالرجل.

لا يراعي الغرب حقوقها كزوجة، أو أخت، أو حتى بنت عندما تكبر.

لا يراعي وضعها من أنها امرأة.

بل لا يحميها من التحرش، وليس شرطًا أن تكون الحماية من التحرش حمايتها من الاعتداء إن هي تضايقت منه، بل الحماية من التحرش يكون بتوفير بيئة نقية للمرأة تحميها ليس من الاعتداء وحسب بل ومن النزوات التي قد تحدث منها.

إن الحماية من التحرش هي حماية من الشيطان ومن الهوى قبل أن تكون حماية من المتحرش.

إنه لمن المؤسف من أن نترك أسباب التحرش في المجتمع بحجة أننا نريد أن نسير مع العالم، ثم نضع قانونًا لمنع التحرش فقط من أجل أن نضع صبغة إسلامية لسيرنا الأعمى نحو العالم الغربي المزيف.

كذلك ما ننقله من أن المجتمع الغربي يساعد العاطلين في العيش فهو أيضًا من الخداع البصري الذي يصيبنا ونحن في حالة انبهار بذلك المجتمع، فمتى كانت مساعدة المجتمع للضعفاء لها مقابل لابد من سداده حين تتيح الظروف؟

ثم لو كان الأمر كذلك ماذا عن المشردين لديهم؟ لماذا هم كذلك؟

لماذا لا تشملهم مساعدة العاطلين، أم هم خارج حساباتهم طالما أن الدراسات أثبتت أنهم لن يُستفاد منهم ولو مستقبلًا؟

لماذا غناء فاحش أو فقر مبكي؟

لماذا نجهل بأن هنالك نماذج لأحياء في المجتمع الغربي تحرم الخدمات لأنها فقط فقيرة لا تدفع؟

هل ميزان الحرية لديهم يجعلهم يحاربون حرية المرأة المسلمة في لبس النقاب، أو في إقامة شعائر الدين؟

لماذا نسمع عن مقاطعات حوربت لأنها طالبت بحقها في الانفصال إن كانوا صدقًا يدعون الديمقراطية؟

إن العلاقة بين المجتمعات الغربية وأفرادها هي علاقة تاجر بمستهلك.

هي علاقة مالية لا إنسانية، وإن العلاقة الإنسانية وحدها هي من ستقيم الحياة الكريمة للإنسان على هذه الأرض، ولن يقيم هذه العلاقة إلا الإسلام.

لن نجدها إلا من خلال الإسلام الذي نظمها لتنظم الحياة، وعندما نرى المجتمع المسلم في غير مثاليته التي نتحدث عنها فليس للإسلام ذنب فيها طالما أن أبناءه هم من أساءوا تطبيق مبادئه وفرطوا في التمسك بها.

إننا عندما نقول ذلك ليس تعصبًا لديننا وحُق لنا ان نتعصب له، لكن كل نظام في الكون عبارة عن مقايضة بين طرفين والإسلام ليس كذلك  لأنه لا يفكر في ذلك.

إنه لا يجمع ندان ليتقايضا فيما بينهما، إنه بين رب خلق كل شيء وهو أعلم به، وغني ليس بحاجة إلى مقابل مادي، وبين مخلوقين فقراء يريدون العيش.

إن الأنظمة البشرية في العالم بحاجة إلى أن تستمر ولن يعينها على الاستمرار إلا ثمن تقبضه لتقوى به، ولن يأتي بذلك الثمن إلا مستهلك وهو الفرد الذي يعيش تحت نظامها، وحينها يصبح الفرد لخدمة النظام، وليس النظام لخدمة الفرد ولذلك لم أتعجب حينما قرأت مرة كلاماً ذُكر فيه: (ماذا تصنع بدستور سويسري أو اسكندنافي في دولة متعثرة مثل الصومال؟ ومالذي يتغير لو فرضت القضاء الأميركي في بلد فقير؟).

لم أتعجب لأنه اعتراف منهم وإقرار من حيث لا يعلمون.

ألا يدري من قال ذلك وهو يقول مثل هذا الكلام أنه بهذه الكلمات يعترف بأن القوانين الوضعية التي يتغنى بها الكثير ويريدون تطبيقها عند المسلمين من أنها قوانين لا ترفع بلدًا ولا تطوره وأنها بحاجة إلى مجتمعات جاهزة متطورة؟

هذا إن كانت حقًا نافعة.

إنها قوانين لا تبني الإنسان ولا المجتمعات، بل أن الانسان هو من يبنيها، ولا يبني الانسان إلا شريعة الله الذي خلق الإنسان وبنى الأرض التي يسير عليها الإنسان، والتي هي بالتأكيد لكل زمان ومكان.

إنها قوانين لم ترتقي بالإنسان، وإن الحضارة التي وصل إليها الغرب بقوانينه خاصة لفئة معينة من الناس، لا يستطيع كل إنسان التمتع بها، ولذلك هي حضارة يخدمها أُناس ليتمتع بها فئة أخرى من الناس كما ذكرنا ذلك سابقًا، وهذا ضد مبدأ (العيش حق للجميع).

وهنا، من الذي ينبغي أن ينبهر بالآخر؟

من الذي ينبغي أن يلحق بالآخر؟

أزيلوا الغشاوة من أعينكم قبل أن تجيبوا.

وارتقوا بأسماعكم عن أدعياء اللحاق بالعالم الأول المزيفون، فالعالم الأول هو عهد الخلفاء الراشدين.

هي الأندلس وكفى.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply