رحلةٌ إلى قمم الرُّوح

غادة عريم

سليم وهلا جمعهما حبُّ الرحلات واكتشاف العالم وهي التي جعلت المستحيل هيِّناً. يتبادلان الأفكار والمشاعر فتصوغ الأيام لهما لحظات سعادة بعيدة عن الضوضاء. قد يكون التفكير المختلف طريقاً للاكتشاف والتقارب، والنقاشات بينهما تأخذ طابع العمق والتفكر. وفي أثناء رحلة لهما على الجبال احتد النقاش بينهما ليأخذ عمقاً في الروح. 

“نكهة الحنين وعبير الحياة والصدق والأمان هي الأنغام الوحيدة التي يبقى صداها عميقاً في الروح، في فجرٍ جديد يبحث عن الحقائق التي لا تتغير مهما اختلفت الظروف ومهما تغيَّرت الأحداث وتغيَّر البشر. تبقى الحقيقة واحدة راسخة كحجر الصَّوَّان. الحقيقة التي إن رفضتها أو تقبَّلتها لا يمكن أن تُمحى. فلا تدع هذا الاشياء تموت فيك وإن طحنتك الأيام بحجرها”. تلك الكلمات خرجت من هلا وهي تكلِّم سليم. وأردفت: 

“الحقيقة الوحيدة التي يجب التمسك بها هو أن نعيش اللحظات دون تذمُّر، فالتَّذمُّر يجلب الأقدار السيئة. لا وجود للحظِّ إنَّما هو القدر، ويجب علينا مسايرته والاهتمام به ليكون لطيفاً معنا. إنَّها خدعة العقل الباطن أن يعتقد الإنسان أنَّه يعرف كل شيء فيكتفي بما لديه ويظنّ أنَّ كلَّ من حوله أغبياء. الجميع يمتلك العقل والجميع يظن أنَّه يُحسن استخدامه لكنَّ القلَّة من يمتلكون البصيرة.”

كان سليم يبحث عن أقرب طريق للسعادة ليكتب في مذكَّراته على أرض منبسطة سهلة المنال. ولكنَّ الأرض ليست منبسطة كما نراها عن قرب فكلما امتد البصر اكتشف المرتفعات وأدرك صعوبة تسلقهَّا، والمنخفضات وعرف سهولة الإنزلاق إليها. قال لها:

إنَّ المشقَّة في الصعود تستنزف طاقة الروح لكنَّها تسمو بها فتقترب من السماء الصافية، وحتى تلك الغيوم التي تتخلَّلها تصبح وسائد استراحة ومحطَّات متعة، ولكن عندما نصل القمة تتضاءل العلاقة الطردية بين السعادة والهدف لنبحث عن هدفٍ جديد. أمَّا الانزلاق فسهلٌ سريع قد يستقر به الإنسان وقد يهرب منه، فالبقعة المنخفضة قد تكون هاوية وقد تكون الأمان. فالهاوية هي الانزلاق في الأخطاء التي يرفض الإنسان الاعتراف بها ويعدُّها محصِّلة لظرف هو مُجبر عليه. أمَّا الأمان فهي أن تنزلق في الحظ السعيد كأن تكسب بطاقة يانصيب! لكنَّ الأرض ليست منبسطة وطرقها متعرِّجة.

قالت له: إنَّ الحظَّ مفهوم غامض يجعل الإنسان ينتظر الوهم. لا شيء اسمه الحظ إنَّما هناك أمور تلتحم لتصنعه كصدق النية وسلوك الطريق الصحيح ووجود الظروف التي تسهل الوصول إليه، وكما قال سوفوكليس: (لا يمكن للحظِّ أن يساعد من لا يفعلون شيئاً). إذن لا وجود للحظ ِّ دون أفعالنا وسعينا وكل تلك العوامل المساعدة عليه. نحن من يصنعه ويشقُّ الطريق إليه فهو موجود بذاتنا دون أن يكون ذلك الذي ننتظر قدومه. النقطة المخيفة التي يقع فيها الإنسان حين ينتظر اللاشيء فيعيش الفراغ دون إنجازات ودون المحاولة للوصول إلى الأهداف. فهل نسمِّيه الحظ َّ أم نقول إنَّ الدافع الذي بداخلنا بنسبه المتفاوتة من شخص لآخر هو ما يستدعي ما نبغي الوصول إليه وما يرغب به المرء، طبعاً بمساعدة العوامل المذكورة مُسبقاً؟ إنَّ بعض التسميات التي يتمسك بها الناس والتي تُردَّد دائماً تصبح شبه عادة للإنسان، يستمر بالبحث عنها في دوامة الحياة، وقد يصل إليها و هو لا يعلم فيتيه ويبقى يبحث عنها وهي بيده. السعادة والحظ كلمتان اتعبتا البشر حتى صاروا كلما اقتربوا منها تخيَّلوا أنَّهم مازالوا بعيدين عنها. 

قال سليم: اللحظة وقيمتها مفهوم سعادة لو أنصفناها. والحظُّ هو الربح الذي نجنيه في حياتنا من صحة وأصدقاء ومال حتى لو كان قليلاً. كلُّ الأمور التي نستطيع تحقيقها، حتى خطوات المشي أو السباحة و الرقص، كلُّها يمكن أن نضعها في خانة الحظّ، كما يسمِّيه الناس. من يفقد القدرة على الحصول على تلك الأشياء فذلك هو من لا يمتلك الحظّ لأنه لم يفعل شيئاً للوصول إليها أو أنَّ الظروف كانت سبباً في فقدانها. إذن فلنسمِّها القدرة والتقدير، قدرة الوصول و تقدير ما نصل إليه.

الفرق بين سليم وهلا أنَّ هلا على قناعة أنَّها يمكن أن تصنع ما تريد وتصل إليه، أمَّا سليم فكان ينتظر ظرفاً يساعده على الوصول، وطالما اشترى بطاقات اليانصيب لعلَّها تحقِّق ما يصبو إليه ولم يجنِ غير الخسران. 

قالت له هلا: أعتقد أنَّك حتى لو حصلت على البطاقة الرابحة فهناك ما يكبِّلك ويمنعك من التصرف بحرية. 

كان يردُّ بابتسامة ثمَّ يردف: “أنا إنسان عمليٌّ أحبُّ التوازن وأحسب خطواتي بدقَّة.” فتغضب هلا وتقول: “إذن احسبْ حتى ينتهي العمر و تنتهي معه الرغبة في الوصول لما تبتغي”. ليكون الصمت آخر هذه النقاشات.

الاستماع إلى صوت الريح ونغمات الروح  مثل التَّمتُّع برائحة الورد دون قطفه. 

أن ترى السعادة وتعيشها أجمل من أن تبحث عنها في الأمور الملموسة كما هي الحال في السفر و الترحال الى البلدان الأخرى، فالاستمتاع بالسفر ليس من الضرورة أن يكون في اقتناء الاشياء المادية ولكن أن تشعر بأهل البلد وناسه وتعرف طريقة تفكيرهم فتكتسب المعرفة وتتبصَّر بها وتروِّضَ النفس بالقناعة والرضا. 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply