
وعن التَّصوُّف في الإسلام
الدُّكتور فالح الكيلانيّ أديب يحمل شهادة الدكتوراه في الآداب من جامعة النجاح في نابلس والدكتوراه الفخرية من المجلس الأعلى للإعلام الفلسطيني والدكتوراه الفخرية من أكاديمية رياض الشعر والأدب السورية. وهو شاعر يكتب القصيدة العموديَّة (الكلاسيكيَّة) وله عدد من دواوين الشِّعر والكتب التي تبحث في الشعر، منها “الموجز في الشِّعر العربيّ” و”ملامح التَّجديد في الشِّعر العربيّ” و”الشِّعر العربيّ بين الحداثة والمعاصرة”.
ويلفت الانتباه اهتمامه بالتَّصوُّف والشِّعر الصُّوفيّ.
تحيَّة تقدير واعتزاز بك ضيفنا الكريم:
هَمْسُ الحِوار: كتبتَ في التَّصوُّف، فهل لك تجربة فيه وهل تعدُّ نفسك متصوِّفاً؟
الكيلاني: التَّصوُّف تجربة روحية خالصة أو حال يعانيها الصوفي من خلال توجُّهه إلى خالقه لعبادته أو سمت مستقيم في سبيل الوصول إلى الغاية المرجوة. ويقصد به تزكية النفوس وإصلاح الأخلاق والوصول إلى مرتبة الإحسان. وله من الصفات والخصائص والأحوال ما يميزه عن غيره من الانفعالات النفسية الإنسانية، فهو – كما أتصوَّره- صورة لمعراج النفس الإنسانية في الارتقاء إلى المستوى المرجوِّ نحو هدفها الأسمى وهو بعد ذلك أروع صفحة – في نظري- تتجلَّى فيها الروحانية والنصيب الخصب المشرق العميق في توجيه الروحية الإنسانية بخاصَّة في توجيه وتربية الحياة الروحية في الإسلام. وقد عرفه المتصوِّفون الأوائل في الإسلام فقال فيه الشيخ معروف الكرخي المتوفَّى سنة 200 هجرية: ( التَّصوُّف الأخذ بالحقائق واليأس ممَّا في أيدي الخلائق). وعرَّفه الشيخ سهل التستري: ( الصُّوفيّ من صفا من الكدر وامتلأ من الفكر وانقطع إلى الله من البشر). وعرَّفه الشيخ الكيلاني: (إنَّه الصدق مع الحقِّ وحسن الخُلُق مع الخَلْق).
وقد قلتُ في التَّصوُّف:
شُغفتُ بمن لا مقلتي انتشـــــت به
وقد لا تراه العين ما دمت في عمري
تعالى عن الأنظار ســـــــيماء قادر
بعيـــــد قريب من محبِّيه بالفكرِ
وفيه المنى إنِّي لنـــــوره عاشــــــق
ونور الشموس الزهر من نوره تجري
تعشَّــــقتـــــه مذ لم أكُ نطفــــة
وقيَّدت نفسي في هواه وفي فكري
لقد زاد بي وجدي كبحر بعمقـــــه
وغرقى قلوب العاشقين في البحر
هَمْسُ الحِوار: يميل بعض الكتَّاب إلى التَّمييز بين المتصوِّف والصُّوفيّ، ويقول آخرون إنَّهما واحد. ما تقول في ذلك استناداً إلى تخصُّصك في العربيَّة ونزوعك نحو التَّصوُّف؟ *
الكيلاني: التَّصوُّف شامل لكل المعتقدات والنزعات النفسية في طموح المرء نحو ربِّه، لا علاقة له بدين معيَّن أو بمذهب من المذاهب أو بفرقة من الفرق فهو شامل وموجود في الجميع فهو الإحساس النفسي والشعور الإنساني المتوقد في الفكر الإنساني نحو الرب العظيم وبيع النفس (روحيتها) إلى بارئها مقابل الجزاء الأوفى في العالم الآخر. فهو الصورة الحقيقية الشاملة لهذا الدين ويجمع بين هذه الحال والأصول والنصوص أو بين التفسيرات والتأويلات ويفنِّد مزاعم ومآخذ الاخرين عليه من الذين ينكرون على المتصوِّفين حالاتهم ومقاماتهم وأمورهم فهو قبس من نور هذا العالم يسري في نفوس المتصوِّفين وأفئدتهم وينير السبيل أمامهم لنيل مرادهم وما تصبو إليه نفوسهم المتعلقة بربِّها وهو الهدف الذي يهدفون إليه ويكرِّسون فيه حياتهم حتى يتم الوصول من خلال طريقه إلى حالة روحية خاصة يدركونها إدراكاً مباشراً ذوقياً لهم وحدهم دون غيرهم.
هَمْسُ الحِوار: ما الَّذي يميز المتصوِّفين من غيرهم، الاعتقاد أم التَّعبير عنه أم غير ذلك؟
الكيلاني: التَّصوُّف تفرَّق إلى طرائق كثيرة اختلفت الواحدة عن الأخرى لكنَّها بمجموعها ترجع إلى أربع طرق صوفية:
أ- الطريقة القادرية، مؤسِّسها الشيخ عبد القادر الكيلاني
ب- الطريقة الرفاعية، مؤسِّسها الشيخ أحمد الرفاعي الصيادي
ت- الطريقة الشاذلية، مؤسِّسها أبو الحسن الشاذلي
ث- الطريقة البدوية ، ومؤسِّسها الشيخ أحمد البدوي
وهنالك طرق أخرى مثل السهروردية والمولوية والتجانية والسنوسية والمهدية ولكنَّها مشتقَّة أغلبها من الطريقة القادرية أو الرفاعية.
والمتصوِّفون أصبحوا فرقاً كثيرة يجمعهم تعريف التَّصوُّف وقد خرج بعضهم عن المألوف أو ما أسِّس التَّصوُّف له. والحديث يطول في ذلك.
هَمْسُ الحِوار: وماذا عن الشِّعر الصُّوفيّ؟ هل هو وليد شعر الزُّهد الَّذي قام في جوهره على الوعظ والنُّصح والدَّعوة إلى الرُّجوع إلى الخالق، وكيف ينماز منه؟
الكيلاني: الشعر الصوفي امتداد لشعر الزهد فقد انحدرا في نهر واحد ثم افترقا قريباً من بعضهما ثم يلتقيان في مصبٍّ واحد، فشعراء الزهد كانت قصائدهم في التقرُّب إلى الله تعالى طمعاً في الجنَّة والجزاء الحسن لذا ترين شعرهم مليئاً بألفاظ التَّوسُّل والرجاء والمناجاة والتحذير من النار وملذَّات الدنيا وشهواتها والتذكير بالآخرة والمعاد والحساب في يوم القيامة. أمَّا الشعراء الصوفيون فقد نبعت قصائدهم من هواجس الحب والشوق والوله والعشق لخالقهم. وشتَّان بين الخوف والرهبة والحب والشوق.
اللغة الشعرية التي استعملها الشعراء الصوفيون اشتملت على ألفاظ الغزل العذري في الحب والشوق والوجد والوله والفناء في داخل المحبوب، وقد أضافوا عليها إحدى طرق التعبير الصوفي ألا وهي التلويح أو الرمز الشعري الذي يومىء به، ومن خلال هذا الطريق استطاع الشاعر الصوفي أن يعبِّر عمَّا يخالجه ويجول بخاطره دون الاكتراث بما حوله. يقول الشيخ عبد القادر الكيلاني في وصف القرآن الكريم:
وأسراري قراءة مبهمات مستَّرة بأرواح المعاني
فمَن فهِمَ الإشارة فلْيصُنْها وإلَّا سوف يُقتَل بالسِّنانِ
كحلَّاج المحبَّةِ إذ تبدَّتْ له شمسُ الحقيقةِ بالتَّداني
وقال أنا هو الحقُّ الَّذي لا يغيِّرُ ذاتَه مَرُّ الزَّما نِ
هَمْسُ الحِوار: في كتابك “التَّصوُّف والطَّريقة القادريَّة ” تقول إنَّ التَّصوُّفَ اللَّبِنةُ الثالثة في البناء الإسلامي أي أنَّه يقوم مقام الإحسان في الإسلام. وكأنَّك تقصر الإحسان على المتصوِّفين وتنفيه عن غيرهم. أليس في الأمر مبالغة؟
الكيلاني: أسِّس التَّصوُّف على هذا الأساس أوَّلاً فهو تجربة روحية خالصة في سبيل الوصول إلى مقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات في الإسلام وهو معرفة الله الحق أو السبيل للوصول إلى مقام الإحسان. إلَّا أنَّ مرور الزمن الطويل واختلاف الآراء والأفكار والقيادات لهذه الجماعات وكثرتها كلُّ ذلك سبَّب اختلاف الموارد والمشارب وقاد إلى التَّزمُّت فتغيَّرت بعض أوجه التَّصوُّف في القول والفعل.
هَمْسُ الحِوار: إذا كان التَّصوُّف قلب الإسلام النَّابض – حسب وصفك إيَّاه- فكثير من ممارسات الفرق الصُّوفيَّة تدخل في باب البدع المذمومة. هل تراها تصدر عن قلب عليل؟
الكيلاني: نعم. كان التَّصوُّف قلب الإسلام النابض إلَّا أنَّه دخلته الكثير من الممارسات والتَّحوُّلات والبدع فأبعدته عمَّا أُسِّس لأجله وجعلتنا
لا ننتسب إلى أي من الفرق الصوفية. إنِّي في قرارة نفسي أحبُّ التَّصوُّف والإخلاص في العبادة لذا بقيت بعيداً عن الدخول في الفرق الصوفية وقد بيَّنت ذلك في مقدِّمة كتابي (التَّصوُّف والطريقة القادرية) وكتابي (المختار من شعراء التَّصوُّف وعيون الشِّعر الصُّوفيّ).
وفي ختام حوارنا الهامس نتمنى لك دوام العطاء شِعراً والمزيد من البحوث المثمرة.
* الصُّوفيّ نسبة إلى الصُّوف والمتَّصوُّف اسم فاعل من الفعل تَصوَّفَ، والمعنى المقصود واحد أو متقارب.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
