
*ديوان الشاعر عدنان الصائغ تزيّن واجهة الغلاف لوحة الفنانة بتول الفكيكي والصادر عن دار لندن للطباعة والنشر في ٢٠٢٤
– النص القصير – تحولات التجربة الشعرية عند الشاعر عدنان الصائغ
بقلم: عقيل هاشم
” ومضاتُـ…كِ” مجموعة شعرية جديدة للشاعر عدنان الصائغ، وقد جاء العنوان مباشراً لجنس الشعري قصير النفس جداً وما يوحي بالومض – الفلاش – وهو ما يعني دلالياً أنها تعبير عن حالة إجمالية للحالة الخاطفة، الآنية والتي توثقه الذات الشاعرة
وإن اختيار الشاعر لنصوص قصيرة جداً يحمل رغبة داخلية بالبوح المصاحب للشعرية، أي أنها تحمل في بنيتها سمة بصرية، ومن ثم فإن شاعرية البوح هنا متمكنة وغالبة، وهو ما يجعلنا ننظر إلى القصائد على أنها لقطة للمشهد التعبيري الوامض.
عن دار لندن للطباعة والنشر بالاشتراك مع دار سطور في بغداد – لندن -2024 صدر للشاعر الأستاذ عدنان الصائغ مجموعة شعريّة جديدة بعنوان: “ومضاتُـ….كِ” تتكوّن من 60 قصيدة، مجموعة من نصوص: نصوص قصيرة جداً – الومضة – الهايكو – الشذرات – التوقيعات .
صمم الكتاب الأستاذ رياض راضي أما مصمم الغلاف الأستاذ محمد الصفار واللوحة للفنانة بتول الفكيكي أما الغلاف الاخير – بورترية للفنانة الاسبانية اميليا دياز باندا, أما عن الاصدار الأخير للشاعر فهو قصيدة طويلة بعنوان – نرد النص 2022- ونشيد أورك عام 1996..
حاول الشاعر ومن خلال نصوصه القصيرة الموازنة ما بين التجربة الذاتية المحفوفة بالقلق، والطابع الفني الذي تتطلبه القصيدة الحديثة، لكن الصوت الذاتي الواعي كان يتغلب على السياق الشعري ما جعل القصائد تعتنق المجاز والإيجاز تارة، والأسلوب الخبري تارة أخرى.
أثبت الشاعر من خلال تنوّع النصوص شكلاً ودلالة، لاسيما وأن التجربة الشعرية للشاعر سافرت عدة محطات متنوعة لكنها في كل مرة تقبض على المعنى حيث تترك اللاوعي يبوح بما اختزنه النص من جمال ودهشة وهذا ما أراده الشاعر.
وهنا تنوعت القصائد ما بين قصيدة -التفعيلة والعمودية والنص المفتوح وقصائد النثر. مادتها تشتغل على فكرة “الوطن والمنفى، الفيض والوجود، الحب والحرب، المفارقات، التهكم، الحس، والحكمة”. كُتبت بلغة شعرية مكثفة ومختزلة، لا تبتعد أبداً عن ظواهر الحياة – الوجود، ظاهرة ومضمرة مفعمة بالترميز والفنتازيا، ففي كل قصيدة فكرة عميقة تكمّل بعضها في قصيدة أخرى وصولاً إلى المعنى الفلسفي الشامل، الذي يأتي عادة على شكل تساؤل معرفي، لكن بدلالات وإحالات مختلفة كتبها الشاعر بذكاء واضح.
الشاعر عدنان الصائغ ومنذ بداياته عُرف بقصيدة الوزن ثم النثر وهكذا تماشياً مع النهج الحديث للبناء المعماري للقصيدة، قصيدته التي امتلكت أفقها بعيداً عن ما يحتّمه عليه قواعد والتزام النص التقليدي، في أحيان كثيرة، من معالجات جراحية للمفردات، تكييفاً لما يقتضيه السياق الموسيقي للقصيدة، أو الاضطرار إلى الاستعانة بنص الهايكو والومضة، انسياقاً لضرورة العصر، وكان هذا التحرر مدعاة لإثراء قصيدته، مع الحفاظ على المناخ الشعري الذي دأب الشاعر على إشاعته، وذلك بفعل اللغة التعبيرية وبما تحفل به من تفاصيل، عُرفت به قصيدته عادةً، تفاصيل تخص ما هو إنساني أو ما يتعلق بمظاهر الوطن، المرأة والطبيعة والوجود والعرفان إجمالاً، تفاصيل يقوم عليها معماره الشعري .
نصوص تخللها ما يعرف بنظرية التلقي بتقنية – الفراغات – المساحة البيضاء – هذه الفراغات والتي أرادها الشاعر أن يسحب القارئ للنقطة الأساسية التي يرغب في تكريسها في القصيدة، من الواقع المتردي / الاحباط / الوطن المستلب / فقد المرأة – محاولة التفكير إن كان ثمة طريقة احتجاجية، هذه المشاعر، أسهمت بشكل كبير في تقبل الصورة ووضعها في إطار التساؤل الشعري بصورةٍ إبداعيةٍ شديدة التفرد..
“وكثيراً
ما تتأخّرُ القصيدة
وتتأخّرين
الجمال ُ
يبتكرُ أعذارَهُ”
ومن هذا النص تبرز لنا أولى التقنيات الفنية التي يعتمد عليها الشاعر هنا، ألا وهي الإيقاع، فطريقة تقسيم أسطر القصيدة، وسلاسة الألفاظ فيما تؤديه كل لفظة إلى التي تليها بين وقع الكلام والحالة النفسية للشاعر، إنها مزاوجة تامة بين المعنى والشكل بين الشاعر والمتلقي..
الإيقاع إذن إحدى التقنيات التي تساعد على اجتذاب القارئ للنص، وعلى إحداث حالة المزاوجة والتماهي بين الشاعر والمتلقي، ويعمد الشاعر في تحقيق الإيقاع الداخلي الخاص بالقصيدة. وبناء على وضع هذه الكلمة في سطر واحد، فإنه يعقبها توقف، وهنا يستغل الشاعر بوعي ومهارة أسلوبية، فن الوقفات مع المد في داخل بنية الكلمة – إذ نلاحظ العنوان وبقية النصوص القصيرة جداً، هنا يظهر ما أراد الشاعر وقد تم غلبة المد بين – ومضات… والضمير كاف – ليصنع من ذلك إيقاعاً داخلياً متوازناً، يوحي بالسلاسة ويدفع القارئ إلى الاستمرار في المزيد من قراءة الشعر.
“إِطراقتكِ
أمامَ مرايا الورقةِ
موسيقى داخلية لقصيدةِ نثر”
هنا يبرز بوضوح تعبير الذات الشاعرة عن الحزن بطريقة ممتلئة بعين الحسرة الممزوجة بعين المفارقة وبين الحلم، يعكس مقدار الألم الذي تركه غياب وفقدان المرأة في نفس الشاعر والتي أصبحت نفسه مثقلة بالهموم.
ولا يقتصر حضور المرأة فقط في هذه القصيدة، بل في قصائد أخرى من المجموعة الشعريّة، كل قصيدة تحاول أن تستخدم رمز المرأة للتعبير عن حالة وجدانية أو إنسانيّة أو ربما عدمية ذاتية فيها من نمط كتابة الغياب، كما في هذا النص:
“حجرٌ يكسرُ مراتك…. لكنْ سيكاثرُ معناك”
*
“القرابين؛ أسمع صراخَها عبر
ممراتِ التاريخ
كأنَّها صدانا”
*
“التاريخ؛
عندما لا تقرأُهُ بجدٍّ
يعيدنا إلى سبورتِهِ، بصفعاتٍ أشدّ”
نلمس تَحولاً شعرياً كبيراً عندما يتناول النص اللغة الشعرية كونها لغة مجازية، لغة تأويل، فهي تحمل دلالات كثيرة ومن هذا نستنبط أن تحول اللغة إلى النغمة الخطابية والنزعة الجناسية والموسيقية العالية عند الحديث عن التاريخ – الذات / الآخر.
إن ما في عمق القصائد من وجدان وشعور صادق لا يزال صالحاً للطرح والتناول والتجاوب معه في وقتنا الراهن، ربما كان هذا سبباً أساسياً في تجلي عذوبة التعبير الشعري تجاه الاخر. ولا يكتفي الشاعر بذلك فكل ما يهمنا هنا هو المعنى في توظيف اللفظة التعبيرية حيث النغمة الخطابية والجهرية والصورة الواضحة والوصول إلى أعماق الوجدان الذي يستحث المتلقي.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
