Abstract
photo credit, Sphere Magazine
This article provides a general introduction to the concepts of sight and insight in the Arab and Islamic heritage. After introducing these two concepts, we mention some opinions about them in the Greek civilisation. Then, the spotlight is shed on their occurrence in the Holy Qur’an with some selected examples. The article concludes with a famous problem in the history of mathematics known as the (Zarqa al-Yamama problem), which revolves around the power of this woman’s eyesight. The poet Al-Nabigha Al-Dhubyani mentioned (the issue of Zarqa Al-Yamamah) to advise King Al-Numan bin Al-Mundhir to gain insight.
الملخص
يقدم هذا المقال مقدمة عامة عن مفهومي البصر والبصيرة في التراث العربي والإسلامي. وبعد التعريف بهذين المفهومين تُذكر بعض الآراء عنهما في الحضارة اليونانية ثم تُسلَّط الأضواء على ورودهما في القرآن الكريم مع بعض النماذج المختارة. ويُختتم المقال بمسألة شهيرة في تاريخ الرياضيات تعرف (بمسألة زرقاء اليمامة) التي يدور فلكها حول حدَّة بصر هذه المرأة. وقد أورد الشاعر النابغة الذبياني (مسألة زرقاء اليمامة) لينصح بها الملك النعمان بن المنذر بالتبصّر.
البصر والبصيرة:
لقد عُرف التبصّر على نطاق واسع عبر التاريخ، وأجرى أرسطو تحقيقًا في الأحلام التنبؤية المزعومة في كتابه (حول التنبؤ أثناء النوم). وذكر أرسطو أنه “من المعقول تمامًا أن تكون بعض الأحلام رموزًا وأسبابًا لأحداث مستقبلية”، ولكنه في الوقت ذاته يعتقد أنَّ معظم الأحلام (المسمَّاة بالنبوءة) تُصنَّف على أنَّها محض مصادفات Chances.
واقترح ديموقريطوس أنَّ الحالم قد يرى أحداثاً مستقبلية مرسلة إليه ومنبثقة عبر الحلم بينما اقترح أرسطو أنَّ انطباعات الحالم الحسية هي التي تؤدي إلى الحدث.
يرِد البصر فـي اللغـة بدلالتين: حسّـیّة ومعنوية، والأصـل فيه حسـّيّ لدلالتـه علـى حاسـة الرؤية (العين). والبصــــر اصــــطلاحاً هو الجــــوهر اللطيف الذي ركَّبه الله تعالى في حاسة النظـر. أما البصيرة ( أو التبصّر) فهو مصطلح يعني مَلَكة قوة الإدراك ورؤية حقائق الأمور وبواطنها المخفية والمستقبلية. كما يرى البصير ظواهر الأشياء المادية؛ قال تعالى: (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى) (النجم: 11).
جمع البصر أبصار؛ قال تعالى (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام: 103)، وجمع البصيرة بصائر؛ قال تعالى (قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ) (الأنعام: 104).
لقد وردت مادة (بصر) في القرآن الكريم (١٤٨) مرة، وجاء البصر في القرآن على ثلاثة وجوه: الأول: بصر العين: ومنه قوله تعالى: (فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ) (يوسف:٩٦). الثاني: بصر القلب: ومنه قوله تعالى: (وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ) (الأعراف: ١٩٨)، يعني: بقلوبهم. وأما الثالث: بصر الحجة والبرهان: ومنه قوله: (قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا) (طه:١٢٥)؛ يعني: بصيرًا بالحُجَّة.
ووردت كلمة (أبصار) (25) مرة، منها قوله تعالى: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (١٠٣ الأنعام). كذلك وردت كلمة (بصيرة) (25) مرة، منها قوله تعالى: (قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: ١٠٨).
ومن الملاحظات اللطيفة أيضا أنَّ لفظ البصر (وهو الرؤية الظاهرة) ومشتقاته قد تكرر في المصحف الشريف 148 مرة، وكذلك لفظ البصيرة (وهي الرؤية الداخلية عن طريق الحس) وكافة مشتقاتها قد تكررت في المصحف الشريف 148 مرة أيضاً.
من الأقوال المأثورة في (البصيرة) ما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في نهج البلاغة: ( إنَّ نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلَّا به مع اتّباع كلمة الله والتصديق بها)، أي أنَّ البصيرة هي نور الله سبحانه وتعالى الذي هو نور السماوات والأرض، فإذا اتصلنا بهذا النور نصبح من أصحاب البصائر وينتج عن هذا التبصّر روح الحياة التي هي روح القلب وليس روح الأبدان.
ومن الحوادث المعروفة في التراث الإسلامي حادثة رؤية عمر بين الخطاب رضي الله عنه ساريةَ ومناداته إيَّاه بمقولته الشهيرة: ” يا سارية الجبل” على الرغم من بُعد المسافة التي بينهما عن مجال البصر العادي. فبينما عمر بين الخطاب على المنبر بالمدينة يخطب نادى: يا سارية الجبل، فعجبت الصحابة وقالوا: ما هذا الكلام الذي في هذه الخطبة؟ فلما قضى الخطبة والصلاة قالوا: ما قولك في خطبتك: يا سارية الجبل؟ فقال: اعلموا أنَّني عندما كنت أخطب رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيها إخوانكم إلى غزو الكافرين بنهاوند وعليهم سعد بن أبي وقَّاص، ففتح الله لي الأستار والحجب، وقوَّى بصري حتى رأيتهم وقد اصطفوا بين يدي جبل هناك، وقد جاء بعض الكفار ليلتفُّوا خلف سارية فيهجموا عليه وعلى سائر من معه من المسلمين فيحيطوا بهم فيقتلونهم، فقلت: يا سارية الجبل، ليتنحَّى عنهم فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا بهم، ومنح الله إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين وفتح الله عليهم بلادهم، فاحفظوا هذا الوقت فسيرد عليكم الخبر بذلك، وكان بين المدينة ونهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوماً. فكانت تلك الحادثة تسخيراً من الله تعالى للفاروق وتأييداً للمؤمنين.
وفي أحد الأيام توجَّه رجل للدخول إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفَّان رضي الله عنه، وفي الطريق رأى امرأة فأعجبته وأخذ يطيل النظر إليها، ثم دخل إلى أمير المؤمنين فبادره بقوله: أما يستحى أحدكم أن يدخل على أمير المؤمنين وفى عينيه آثار الزنا؟ فيتعجَّب الرجل من معرفة سيدنا عثمان ذلك بالرغم من أنَّ أحداً لم يره، فيبادر الرجل سيدنا عثمان بقوله: أ وحيٌ أُنزل بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)! فقال له سيدنا عثمان: اتَّقِ فراسة المؤمن فإنَّه يرى بنور الله.
زرقاء اليمامة:
زرقاء امرأة عربية سكنت اليمامة قبل الإسلام، قيل إنَّها كانت ترى الشخص على بعد مسيرة ثلاثة أيام، اشتهرت بزرقة عينيها وحدّة بصرها، حتَّى أنَّ قومها كانوا يستعينون بها لتحذِّرهم من الغزاة.
تقول بعض الروايات أنَّ زرقاء اليمامة كانت ترى الشخص على مسيرة يوم وليلة، وهذا يعني قرابة خمسين كيلومترا.ً إنَّ التدقيق في قصة زرقاء اليمامة يجعلنا نكتشف أنَّ ميزتها الأساسية لم تكن قوة البصر بل البصيرة. إذ يروى عنها أنَّها حذَّرت قومها من شجر يسير وكان الأعداء قد علموا بقوَّة بصرها فقطعوا الأشجار واستتروا بها حتى لا تكشفهم، فلمَّا أخبرت زرقاء قومها بأنَّ هناك شجراً يسير لم يصدِّقوها وسخروا منها، فلمَّا أطبق أعداؤهم عليهم وباغتوهم أدركوا صدق زرقاء ولكن بعد فوات الأوان. وقام عدوُّهم الملك حسَّان الحميريّ باقتلاع عيني زرقاء، فماتت بعد مضي أيام قليلة.
سواء كانت أبصارنا قوية مثل زرقاء اليمامة أو كنَّا ممَّن يعانون من عيب في البصر، علينا أن نتذكَّر أنَّ البصيرة والقدرة على التحليل هي النقطة الأهم، فكثيراً ما رأت البصيرة ما عجز عن رؤيته البصر.
مسألة زرقاء اليمامة:
من المسائل التاريخية في علم الرياضيات (مسألة زرقاء اليمامة). فقد نظرت زرقاء اليمامة يوما فرأت حماماً (قَطَا) وارداً ماءً فقالت ببديهة حاضرة:
يا ليت ذا القطا لنا … ومثل نصفه معه
إلى قطاة أهلنا … إذا لنا قطا مائه
والمعنى إذا أضيف إلى سرب الحمام نصفه وحمامة واحدة لكان حاصل الجمع مئة. وكان إذ ذاك صياد واقفاً فاصطاد الحمام جميعه فوجده كما ذكرت (66 حمامة) فأعجب بها العرب لأنَّ استخراج العدد من هذين البيتين من الشعر يحتاج إلى عملية حسابية قد يعجز عنها الكثيرون.
أعجب النابغة الذبياني بالمدرك الاستقرائي فعلّق علي أبيات زرقاء اليمامة فقال مخاطباً الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة:
واحكم كحكمِ فتاةِ الحي إذ نظرتْ… إلى حمامٍ سراعٍ واردِ الثمدِ
قالت: ألا ليتما هذا الحمام لنا… إلى حمامتنا مع نصفهِ فُقدِ
فحسبوه فألفوه كما ذكرتُ… تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزدِ
فكملت مئة فيها حمامتها… وأسرعت حسبة في ذلك العددِ
قال الأصمعي وقوله “واحكم كحكم فتاة الحي”، أي أصب في أمرك كإصابة فتاة الحي، فهو من الحكم الذي يراد به الحكمة لا من الحكم الذي يراد به القضاء، والثمد الماء القليل. وكانت عدة الحمام الذي رأته ستاً وستين فتمنت، أن يكون لها هذا الحمام، ومثل نصفه وهو ثلاثة وثلاثون، ومجموع ذلك تسع وتسعون، فإذا ضُمَّ إلى حمامتها كان مائة.
المصادر:
“علم الرياضيات وبعض من روَّاده في مدينة الموصل”، د. باسل يونس ذنون الخياط، جامعة الموصل، 2013.
” البصيرة”، خالد بن حمدان الندابي، 2022.
“البصر والبصيرة في القرآن الكريم”، الدكتور فاضل حسن شريف، 2022.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل