
بقلم: عالية عبد الرَّزَّاق الهلاليّ
عبد الرَّزَّاق الهلاليّ أديبٌ وكاتبٌ وباحثٌ عراقيٌّ وُلدَ في مدينة البصرة الواقعة جنوبيّ العراق سنة 1916 وفيها أكمل دراسته الابتدائيَّة
والمتوسِّطة ثمَّ انتقل إلى بغداد للالتحاق بدار المعلِّمين الابتدائيَّة وتخرَّج فيها سنة 1937. عُيِّنَ معلِّماً لمدَّة سنة في البصرة ثمَّ تركها إلى بغداد ليلتحق بفرع التَّربية البدنيَّة في دار المعلِّمين العالية على أمل أن يُنقَل إلى فرع اللُّغة العربيَّة أو فرع الاجتماع في حال توفُّر مقعد كما وعده عميد الدار. أظهر تفوُّقاً في هذا الفرع فأُوفد ضمن وفد الفتوَّة العراقيِّ إلى ألمانيا لحضور احتفالات (الشَّبيبة الهتلريَّة) وهناك بدأت مشاركاته الصَّحفيَّة فقد أخذ ينقل مشاهداتِه في ألمانيا وخواطرَه إلى جريدة الزَّمان العراقيَّة بتوقيع (مندوبنا في وفد الفتوَّة العراقيّ عبد الرَّزَّاق الهلاليّ). وشارك ضمن وفد كشَّافيٍّ عراقيّ في (مخيَّم الكشَّافيّ العربيّ) الَّذي أقيم في مصيف بلودان في سوريا وحضره كشَّافة من مصر والسُّودان وسوريا.
في العام 1939 انخرط في الدَّورة الأولى لضبَّاط الاحتياط. ولمَّا قامت الحرب العالميَّة الثانية في أيلول 1939 أصبح آمر سريَّة في الفوج الأوَّل من اللواء الحادي عشر. وفي العام 1940 أعلنت الكلِّيَّة الطِّبِّيَّة العراقيَّة عن عزم طلبتها السفر إلى القاهرة للاشتراك في المؤتمر الطِّبِّيِّ العربيِّ الثَّالث ودعت الراغبين من طلَّاب الكلِّيَّات الأخرى إلى المشاركة فسافر الهلاليّ ومن هناك راح يزوِّد جريدة الزَّمان بأخبار الوفد ونُشرت مقالاته بتوقيعه تحت عنوان (وفد العراق من وادي النِّيل).
كان الهلاليّ مولعاً بلعبة القفز بالزَّانة وتعرَّض لحادث أدَّى إلى فقدان أهليَّته رياضيَّاً فانتقل إلى قسم اللُّغة العربيَّة بدعم من مدير الدَّار آنذاك درويش المقداديّ وموافقة الأستاذين طه الرَّاويّ ود. مهدي البصير بعد أن اجتاز امتحان القبول. تخرَّج في الدَّار عام 1941 بدرجة ليسانس في اللُّغة العربيَّة بمرتبة الشَّرف. بعد تخرُّجه في دار المعلِّمين العالية عُيِّن مدرِّساً في دار المعلِّمين الرِّيفيَّة في الرُّستميَّة ثمَّ معاون مدير دار المعلِّمين في أبي غريب ثمَّ معاوناً لمدير معهد التَّربية البدنيَّة (الانجليزي سايد بوتم). كانت الحركة الكشفيَّة قد تعطَّلت في العراق بعد فشل حركة رشيد عالي الكيلانيّ فاقترح على مدير المعهد إعادتَها إلى المدارس لأهمِّيَّتها، ثمَّ أُوفد إلى لندن لزيارة معهد الكشَّافة الملكيّ واستشارة أعضاء الجمعيَّة الدَّوليَّة لنوادي الأولاد في الأساليب الحديثة لتطبيقها في مدارس العراق.
درس الهلاليّ الحقوق في كلِّيَّة الحقوق المسائيَّة بينما كان يعمل في وزارة العمل والشُّؤون الاجتماعيَّة، وكان يكتب مقالاتٍ ناقدةً لها علاقة بمشاكل الحياة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة وينشرها بعنوان (صور وأحاديث اجتماعيَّة)، وقد جمعها وأصدرها في العام 1944 في كتاب يحمل العنوان ذاته.
في العام 1947 تلقَّى اتصالاً من الأستاذ أحمد زكي المدرِّس معاون رئيس الدِّيوان الملكيِّ العراقيِّ يبلغه طلب رئيس الدِّيوان إيَّاه للعمل في البلاط الملكيِّ بوظيفة معاون رئيس التَّشريفات الملكيَّة فأجاب الطَّلب وباشر عمله. استمرَّ في هذا المنصب حتَّى العام 1954 وغادره بسبب اختلاف سياسيّ مع الوصيّ عبد الإله بن عليّ. كان مكتبه في البلاط الملكيِّ أشبهَ بندوة فيها يلتقي السَّاسة والوزراء وقادة الجيش وشيوخ العشائر وغيرهم من الشَّخصيَّات المعروفة، كلُّ هؤلاء كانوا يمرُّون بمكتبه للقاء الملك فيصل الثَّاني أو وليِّ العهد الوصيّ عبد الإله فكان يوثِّق الحوارات والمساجلات لتخرج فيما بعد في كتاب “سبع سنوات في التَّشريفات الملكيَّة” وكتاب “قال لي هؤلاء” اللَّذين طُبعا بعد وفاته.
بعد أن ترك عمله في البلاط الملكيِّ عمل مديراً عامَّاً بالوكالة للإذاعة العراقيَّة مدَّةً قصيرة وكانت له علامات مميَّزة تركت أثرها في برامج الإذاعة. ثمَّ رغب في خوض معركة الانتخابات فرشَّح نفسه في منطقة البصرة إلَّا أنَّه اصطدم بقرار الحكومة أن يفوز النُّوَّاب بالتَّزكية فأُجبر المرشَّحون على الانسحاب. بعدها عاد إلى بغداد معاوناً لمدير المصرف الزِّراعيّ ثمَّ مديراً عامَّاً للمصرف الزِّراعيّ ومنه أحيل إلى التَّقاعد في العام 1970.
نتاجه الأدبيُّ والبحثيُّ:
تنوَّعَ نتاجُ الهلاليِّ الفكريُّ فكتب في التَّاريخ السِّياسيِّ وفي التَّعليم في العراق وفي مشكلات الرِّيف العراقيِّ واقتصاده والحياة الاجتماعيَّة وفي المعاجم والسِّيَر والتَّراجم والتَّحقيق الأدبيّ، ونظمَ الشِّعرَ الإخوانيَّ.
يعدُّ كتابه “تاريخ التَّعليم في العراق” مرجعاً مهمَّاً فريداً أشبعه بحثاً وتوثيقاً وأيَّده بإحصائيَّات نادرة، وهو سلسلة من ثلاثة إصدارات تناولت ثلاثَ حقب: تاريخ التَّعليم في العراق في العهد العثمانيِّ، ثمَّ تاريخ التَّعليم في العراق في عهد الاحتلال البريطانيِّ، ثمَّ تاريخ التَّعليم في العراق في عهد الانتداب البريطانيِّ.
وفي السِّيَر والتَّراجم كتب عن شخصيَّات عراقيَّة وعربيَّة من الأدباء والكتَّاب. وله كتاب “زكيّ مبارك في العراق” الَّذي ألَّفه وفاءً لأستاذه الأديب د. زكيّ مبارك الَّذي درَّسه في دار المعلِّمين العالية في بغداد. وأغنى المكتبة بمؤلَّفات عن الشَّاعر جميل صدقي الزَّهاويِّ تناول فيها حياته وشعره ومعاركه الأدبيَّة.
وأمَّا كتابه “معجم العراق” الواقع في ثلاثة أجزاء فهو موسوعة معرفيَّة (انسكلوبيديا) وسجلٌّ شامل يبحث في نواحي الحياة العامَّة في العراق منذ العهد العثمانيِّ حتَّى سقوط النِّظام الملكيِّ في العراق عام 1958، ومواضيعُه مرتَّبة حسب حروف الهجاء. يعدُّ هذا المعجم مرجعاً لا يستغني عنه باحث أو قارئ مولع بالنادر والطَّريف فهو حافل بالإحصائيَّات الدَّقيقة والمعلومات الغزيرة عن شؤون العراق السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة والاقتصاديَّة والصِّناعيَّة والجغرافيَّة والتَّاريخيَّة.
شيءٌ من الشِّعر:
كتب الهلاليُّ قصائدَ في مواضيع متنوِّعة معبِّراً عمَّا يجيش في صدره من مشاعر، غير أنَّه كان يقول: (أنا لستُ شاعراً بل أنظمُ بين الحين والآخر بعضَ ما يجولُ بخاطري من مشاعر وأحاسيس أو ما يثورُ في نفسي من خَطَرات أنظمُها بهذه المناسبة أو تلك). فعندما زار إشبيلية أثار شجونَه ما رآه من آثار عربية فكتبَ:
أيـَــــا إشـــــــبـــيـــلـــيــــــــــــا إنِّي مُــعــــنَّى بحبِّكِ لو دَريتِ ومُستــــــهامُ
أتيتُكِ من رُبى بغدادَ أسعى وقلبي من هواكِ لهُ ضِــــــرامُ
وقد حُمِّلتُ أشـواقاً وحـبَّاً إليكِ من الأُلــى بعُلاكِ هامـوا
ونشر الشَّاعر (حافظ جميل) قصيدة (ردٌّ على رسالة) في جريدة البلد يوم 29/ 3/ 1964، مطلعها:
ودَّعتُ حبَّكِ وانتهيتْ وخرجتُ منهُ بما اكتفيتْ
فنظم الهلاليّ قصيدة (عتاب) إلى الشَّاعر على (لسان صاحبته) ونشرها في جريدة البلد أيضاً، منها:
يا شاعراً لـــــمَ ذا الجفــا ء ومـــــــا بــــــــدا مــــمَّن هـــويـت
حتَّى تؤجِّج في الحشا نـــــاراً وتــــــــنــــكر مــــــــــا جــنـــيــت
وعلام تنسى ما لقيت مـــــــــن الــــــــــــغـــــــــــــرام ومــــــــــا حَـــــــــويــت
أدَرَيـتَ أيَّ رســـــالـــــــــــــــــــةٍ هــــــــــذي الَّتي فيـــــــــــــــها أتـــــــيتْ
ودريتَ أيَّ روايــــــــــــــــــــةٍ عن عهد حبِّك قد روَيتْ
للهِ درُّك عاشــــــــــــــــقـــــــاً فلكَــم ضللتَ وكـــــم غَويتْ
ولكَم سعدتَ بمن عشـقــــتَ وكم بكيت وكم شقيتْ
أنسيتَ عهدَكَ صادقاً يا حــــــــــــــافــــــــــــــظاً هــــــــلَّا رويتْ
أم ذاكَ شــــعـــــــرُ صبابـةٍ يا ظالــــــــــــــماً فـــــــــــــــيه انتشيتْ
وله في الإخوانيَّات الكثير. من ذلك أبيات كتبها في توديع الشَّيخ جلال الحنفيّ قبل سفره إلى الصِّين مُعاراً لتدريس اللُّغةِ العربيَّة هناك وألقاها في مأدبة أقامها الدُّكتور عبد المجيد القصَّاب في دارته. يقول:
بكَ تحلو مجالسُ الأصحابِ أيُّها الشَّيـــــخ في اللَّيالي العِذابِ
يـا جـــلالاً يــــــا مَـــن بـــه تــــتـغنَّى صــفحةُ الفضل في دُنا الآدابِ
قــد عــرَفناكَ كاتـــباً ألمعــيــَّـاً بـــــــــزَّ أنــــــدادَهُ مـــــــن الــــــــكُــــــتَّــــــــابِ
وعرفناك شـاعراً لــك في الـشِّـعـــــــــــــــــــــــــر مـقــــامٌ قـــــــد حُفَّ بالإعـــــجـــابِ
ذُدتَ عنه ولا تزالُ تنادي أين منه تـخرُّصـــــــاتُ الشَّــبابِ
فكلامُ العَوامِ ألَّفتَ فيــــــه معجماً رائداً حليفَ الصَّوابِ
وعرَفناكَ في (المقامِ) خبيراً لك بين (القُرَّاءِ) فصلُ خطابِ
كلُّ هذي الصِّفاتِ فيكَ تجلَّتْ كيفَ تخفى على ذَوي الألبابِ
فـإذا مــا تجــمَّــعَ الصَّـــحبُ ذا اليــــــــــــــومَ وحــلُّـــــــوا في دارةِ الــقــصَّـــــــــــــابِ
إنَّما قد دعاهمُ واصطفاهمْ خِدنُكَ الشَّهمُ زينةُ الأصـحـــــابِ
وطلب منه سفير المملكة المغربيَّة في العراق نظم أبيات لإلقائها في حفل أقامته السَّفارة في العام 1976 لتكريم د. أحمد سوسة بوسام الكفاءة إثر صدور كتابه “الشَّريف الإدريسيّ في الجغرافية العربيَّة” فكتب:
أأحمــــــــــــدُ إنَّ هــــــــذا اليومَ يـومٌ به الكُتَّابُ قــــــــــــــد طــــــــــــاروا ســــــــــــــــــرورا
وقد سُعِدوا فعاودَهم حبورٌ وجاؤوا يـــــــــــنثرونَ لــــــــــــــــــك الزُّهـــــــــــــــــــــورا
لأنَّكَ قد مُنحتَ وسامَ فخرٍ يَزينُ صدورَ من شرَحوا الصُّــــــــدورا
وســامٌ للكفــاءةِ قــــد تــــــهـــــــادى إلــــــيــــكَ من الــــــــرِّباطِ يشـــــــــــــعُّ نــــــــــــورا
وفاته:
توفِّي عبد الرَّزَّاق الهلاليّ في اليوم السَّابع والعشرين من أيلول في العام 1985 إثر عجز الكليتين تاركاً وراءه إرثاً من ثلاثة وثلاثين كتاباً ومئاتٍ من المقالات في المجلَّات الأدبيَّة والجرائد العراقيَّة والعربيَّة الرَّصينة.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
2 Comments