ذلك الإصبع المبتور

لوحة وقلم: لبنى ياسين

أستيقظ صباحاً على صوت القذائف تعلن انتهاك صمتنا وأجواء مدينتنا المنكوبة للمرَّة الألف حتَّى لم يعد صوتها على قوَّته يحرِّك الرعب في قلوبنا كما كان يفعل. أجدك قد ارتديت بزَّتك العسكرية تتهيَّأ للخروج، أنتبه للمرَّة الأولى إلى وسامتك وأنت ترتدي تلك البزَّة وأراك فتيَّاً وسيماً كما لم أرك يوماً. يباغتني شعور مفجع بالخوف من شيء لا أستطيع أن أدرك كنهه ولا أن أحلَّ رموزه. تبتلع لقيمات من الزيت والزعتر الفلسطيني الأخضر كانت قد حضَّرته أمِّي، هو كلُّ ما تبقَّى في المنزل من طعام، وفَّرناه من عشاء الأمس إفطاراً لصباح شحيح بارد كهذا. تعاجلك أمِّي بدعوات ترتدي ثوب القلق، تدثِّرك بها، وتستحلفك أن تنتبه لشظيَّة لا تحمل إلَّا الحقد أو رصاصة طائشة تعربد في مسافات الفقد والثكل دون انتباه أو قذيفة تحمل في صدرها دماراً مهلكاً لكلِّ من تقترب منه. 

تطمئنها بكلماتك التي تحمل نكهة الوجع، تتلو عليها كما في كل يوم ” قل لن يصيبنا إلَّا ما كتب الله لنا” فلا يطمئنُّ قلبها ولا تزدجر دمعة دافئة تنسدل على خدِّها فتحاول مواراتها بإصبع يصطنع حكَّة على الخدِّ قبل أن تلحظها عيناك اللتان تتفرَّسان بملامح حنانها القلق. ويرافقك صدى دعائها: (حفظك الله يا رامي) حتَّى آخر درجة من درجات بنايتنا، يصل بك إلى الشارع الذي يحمل بقايا منازل وأطلال جدران وأثاث محروق كانت تظلُّ عائلات أصبحت دون مأوى.

تخرج أمُّ خالد من غرفتي بعد أن غادر أخي محاولة طمأنة أمي؛ تُقاسمنا هي وأولادها الأربعة منزلَنا منذ هبط منزلهم إثر قذيفة ذهبت بحياة زوجها وأخته تحت الأنقاض. اضطرَّت بعدها إلى القبول بضيافتنا ومشاعر الخجل لا تمَّحي من تقاسيم وجهها الطَّيِّب، وهي تحاول ألَّا تشغل حيِّزاً من البيت وألَّا تقاسم أهله زادهم الضئيل على الرغم من إلحاح أمي علَّها تخفِّف من الشعور بالحرج لإشغالها غرفة نومي هي وأولادها الصغار.

لم يمضِ وقت طويل على مغادرة أخي إلى مقرِّ عمله في السرايا الذي لا يبعد سوى شارع واحد عن بيتنا حتَّى سمعنا دويَّ انفجار تبعه آخر. اهتزَّت الجدران من حولنا حتَّى كاد بيتنا يسقط. تلا ذلك صمت يشبه السكون قبل العاصفة، صمت لم أطقه ولم أحتمل جفافه في قلبي. كان صمتاً مشحوناً يحمل في طيَّاته إنذاراً ما، وما هي إلَّا دقائق لم تتجاوز العشرين في أحسن احتمالاتها لم تقاطعها إلا أنفاس أمِّي القلقة وحوقلتها ودعاؤها، حتَّى علا صراخ من الخارج لم نتمكَّن من تمييز صاحبه يعلن أنَّ جدران السرايا  وما حولها من أبنيه صارت تراباً وأنَّ من هناك بين قتيل وجريح.

تتجمَّد نظرات أمِّي لوهلة ثمَّ لا تلبث أن تخرج من المنزل جارية والدموع تمطر من عينيها ناسيةً أن تضع جلبابها كما اعتادت أن تفعل منذ عرفتها أمـّاً لي، فأحمله وأجري وراءها صارخة:” جلبابك يمَّا”، إلَّا أنَّها لا تسمعني ولا تراني ولا ترى أيَّ شيء حولها. وأرى. جسداً يتَّجه إلى السرايا وقد فقد حواسَّه وهربت منه الروح تسابقه إلى ذلك المكان. أرمي الجلباب فوقها فتشدَّه عليها بحركة تبدو آليَّة تماماً بينما خطواتها لا تتمهَّل ولو للحظة واحدة تساعدها على ارتدائه كما يجب. تتحوَّل أمِّي ذات الستين سنة إلى صبيَّة تنهب الأرض نهباً بخطواتها المتسارعة وأصير أنا عجوزاً لا تقوى ساقاها على اللحاق بتلك الأقدام الراكضة دون توقُّف.

فجأة تتوقَّف أمِّي وأدرك أنَّنا وصلنا لكنَّني لا أجد جدراناً ولا أبواباً ولا أيَّ شيء كنت قد عرفته يوماً في هذا المكان. للحظة يخونني عقلي ولا أفهم غرابة هذا المكان الموحش بغباره الذي يتطاير في كلِّ اتجاه ودخانِه الأسود الذي يخنق بقية أنفاسنا وألسنةِ النار المتصاعدة التي لا تجد أجهزة إطفاء تخمد حرَّ لهيبها. أسمع نحيب أمِّي فيسارع عقلي إلى تفسير ما استعصى عليه قبيل لحظات؛ هذا التراب على الأرض، وتلك الهضبة التي احتلت مكان البناء… بقايا جدران السرايا، والأدخنة…  آثار تنفُّس الحرائق التي سبَّبتها قذائف رمتها طائرات الغدر دون أن تعلم تماماً أين تحطُّ تلك القذائف وماذا تدمِّر وأيُّ الأهداف تصيب. كلُّ شيء كان يبدو في عيونهم مشروعَ هدفٍ ناجح، فرضيعٌ صغير يقتَل قبل أن يتعلَّم المشي هو طفلٌ سوف يحمل الحجارة غداً والبندقيَّةَ بعد غد…

تنبش أمِّي التراب بيديها وتصرخ ملء صوتها:” رامي… أين أنت؟ أجبني…أين أنت يا بُنيَّ؟”

ويتَّجه نحونا شابٌّ يرتدي زيَّاً عسكريَّاً مثل زيّ أخي تماماً، يخبرنا أنَّه تمَّ نقل القتلى والجرحى إلى الجهة الأخرى، تردُّ أمي: رامي لم يمت… لم يمت قال إنَّه عائد وقت الغداء. ينظر الشابُّ إليَّ قائلاً دون صوت: أبعِدي الأمَّ من هنا فهذا كثير على قلبها. وأطيع كلماته الصامتة دون تفكير ولا تدبير، فأمسك بيدها محاولة إبعادها إلَّا أنَّها تشدني فأتوجَّه معها إلى ذلك المكان الذي أشار إليه الشاب ذو الزّيّ العسكري، تباغتني صور عشرات الجثث المستلقية إلى جوار بعضها في رؤية ضبابية أولى، لا تلبث أن تنقشع بمنظر أكثر هولاً عندما أكتشف أنَّ بعض الجثث لا رأس لها وبعضها تعاني من فقدان أجزاء أخرى، وأرى على جانب آخر تلك الأشلاء تنتظر من يحلُّ رموزها ويلحقها ببقية أجزاء صاحبها. أحسُّ بقلبي وقد تسارعت نبضاته وأشعر بالدم يغلي في عروقي، وكأنَّ أشلائي هي الأخرى فارقتني ولحقت بتلك التي لمَّا يُعرف أصحابها بعد.

تجري أمِّي تتفقَّد الجثث واحدة تلو الأخرى، فيها وجوه يصعب أن تتعرَّف أصحابها بعد الحريق الذي تعرضوا  له. تحوقل أمي وتسترجع وتحتسب وتبكي وتتأوَّه في لحظة واحدة مع كلِّ جثَّة تتفقَّدها، ثم تصمت للحظة فأرفع رأسي ناظرة إليها بقلب وجل يستجلي خبراً مؤلماً، يأتيني صوتها محمَّلاً بالأسى  وهو يحمل (نعوة) ولهفة وحزناً بينما أنا أقف جامدة في مكاني في الجهة المقابلة لها:  “هذا فؤاد يا عين أمِّه… الله يرحمه ويعين قلبها… لسَّا أخوه راح من شهر”، وأبتلع صوتي وأنا أقول بيني وبين نفسي متحرِّية ألَّا تصلَ مسمعَها (نعوة) أخرى لشابٍّ تربَّى على يدها وكبر على مرأى من عينيها، “وهذا أحمد” . كان في بيتنا أمس في زيارة خاصَّة لأخي لسبب أراد أخي أن يحدِّثني به إلَّا أنَّ زحمة المكان أجبرته على تأجيل حديثه. وينتهي بحثنا دون أن نجد أخي فيمن استلقوا هنا وقد لاقوا وجه ربِّهم.

تنظر إليّ أمي، تحاول أن تستشعر أملاً إلَّا أنَّها لا تستطيع. تقع عيني فجأة على يد الجثَّة الثالثة التي تفقَّدتها أمِّي منذ دقائق… أنتبه إلى الإصبع المبتور، إنَّه إصبع أخي، سبَّابته التي كان قد فقدها منذ سنوات في حادث، هذه يد رامي، هذا جسده… والرأس الذي مرَّت عليه أمِّي دون أن تدري أنَّه فِلذة كبدها فقد احترق حتَّى تغيرت معالمه… هو رأسه… وجهه وقد فقد معالمه وملامحه.

تخونني الكلمات والعبرات ويباغتني ذهول لا أستطيع منه فكاكاً. وحدها سبَّابتي تشير إلى الجسد المسجَّى، إلى ذلك الإصبع المبتور تماماً. تنظر أمي، تنتبه إلى الأصبع، وتصرخ: “.رامي… يا عين أمَّك يا ابني”.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply