
قصَّة وفاة أمِّي
تمدَّدتُ على الفراش بعد تأكَّدي أنَّها ستنام أخيراً. ولم تمرَّ الساعة حتَّى سمعتها تناديني فقمت مسرعة، وكالعادة عليَّ مساعدتها في الدخول إلى الحمَّام. تعجَّبت فهي لا تأكل منذ فترة. كيف تلحُّ عليها الحاجة المستمرة للدخول إلى الحمَّام بهذه الكثرة؟
لم أترك نفسي للسؤال. كنت أساعدها لأنَّه واجب عليَّ. كان أسبوعاً ثقيلاً بين عمل الفحوصات والأشعة ثم دخول غرفة العمليات فجراً بعد استدعاء الطبيب من منزله نظراً لسوء حالتها الصحية: جلطة في الشريان التَّاجيّ. لم يطل الوقت وخرجتْ من صالة العمليات وهي يقظة، العملية تمَّت بنصف تخدير. حدَّثتُ نفسي: تجاوزنا مرحلة الخطر وستخرج بعد بضعة أيَّام. إلَّا أنَّ داء السُّكَّر تسبَّب في حموضة في الدم فسبَّب الجلطة وما ترتَّب لاحقاً. كنت آراها تشيخ وتتعب ولكنَّني كنت على أمل أنَّها ستخرج من المستشفى حتَّى أنِّي أحضرت لها معي ثياباً نظيفة وتركتُها في غرفتها عسى أن يكتب لها الخروج قريباً. لكنَّهم طلبوا منِّي أخذها معي؛ لا نحتفظ بالأمانات ومن الممكن أن تسرق. لا بأس. سوف أجلبها عندما يكتب لها خروج.
حالتها الصحية تتراوح ما بين الخضوع كثيراً لتأثير المخدِّر، كي لا تتوجَّع من جهاز التَّنفُّس الصناعي داخل حنجرتها، والإفاقة وأنبوبُ التَّنفُّس البسيط في أنفها. وحالتي ذهابٌ لها وعودةٌ ساعةً واحدةً في اليوم من الرابعة إلى الخامسة مساءً. أقف أمام الباب عند الدقيقة الرابعة فيسمح لي بالدخول، أكلِّمها وأخفِّف عنها وأتَّصل بالأهل ومحبِّيها لتراهم وتتحدَّث وتتفاعل معهم. أطمئنها أنَّ كلَّ شي بخير.
أعود في اليوم التالي وهي مخدَّرة تحت التَّنفُّس الصناعي، حتَّى فقدتُ الأمل أنَّها ستخرج سالمةً مع وجود ماء في الرئة وقصور في الكلى. على الرغم من ذلك ذهبت إلى السوق واشتريت لها ثوباً جديداً ولكنَّني لم أذهب إلى الخيَّاط لكي أقصِّره على طولها. كنت في حالة الرفض لموتها واليقين بأنَّها ستموت. كنتُ مثلما قال رسول الله: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها). وقفتُ في ليلة احتضارها أراها تحت تأثير المخدَّر وفي وضع التَّنفُّس الصناعي وأنبوبةُ التَّنفُّس داخل حنجرتها. قرأت لها أدعية الشفاء ورَقَيتُها ثمَّ دعوت لها بالرحمة وشهدت وأذَّنت في أذنها استعداداً للموت. تلوت عليها آيات الرحمة واستودعتها الرحمن واستعذتُ بالله من ملائكة العذاب. وخرجت في الخامسة وأنا في انتظار معجزة.
لأوَّل مرَّة أنام براحة غريبة. اتَّصلت بصديقة وتراجعت عن البوح لها بأنَّ أمُّي ستموت الليلة ثمَّ اتَّصلت بأخرى وحدَّثتُها عن مخاوفي فقالت لي: لا تتشاءمي.
ودَّعتُها حينها وهم ينوون غسل كليتها ولكنَّهم لم يجازفوا لأنَّ ضغطها المرتفع في الأصل انخفض بشدَّة. هنا أيقنت أنَّ أمُّي كانت تُحتَضَر ساعة وجودي معها. أحسست ببرودة جسمها فطلبت منهم لحافاً آخر لها. فتحتْ عينيها مرَّة ثمَّ أغمضتهما. كان آخر صوت لها قبل يوم من وفاتها عندما طلبت منِّي شربة ماء فلم أسمعها جيداً إلَّا أنَّ الممرِّضة هوَّنت عليها وقالت: لقد شربتِ قبل قليل. انتظري قليلاً. وفي ليلة وفاتها صدق إحساسي بأنَّها ستموت ولكنَّني نمت براحة واستيقظتُ فجراً متردِّدة في الاتِّصال بالمستشفى لأطمئنَّ عليها، أن أكمل يومي المعتاد وأن أزورها في الموعد اليومي.
صلَّيتُ الفجر وأفطرتُ في الساعة السادسة صباحاً بنيَّة أن أخرج لمشوار ضروري صباحاً لكنَّني اتَّصلت بالمستشفى لأريح ضميري وسألت عنها: أمَّي عاملة أيه؟
– البقاء لله.
– أمِّي فائقة محمَّد الخطيب؟
– نعم
– متى؟
– الساعة الرابعة فجراً.
– ليه ما كلِّمتوني؟
– من المفترض أنَّ الدكتور اتَّصل بك.
لم أعرف حينها كيف بدَّلتُ ثيابي وكيف طلبتُ سيارة الأجرة. ذهبت إلى المستشفى إلى قسم العناية أتخيَّل أنَّني سوف أراها على فراشها. لكنَّ الفراش فارغ. رأيت الممرِّضين يتعاملون مع الواقعة كأمر معتاد يشاهدونه يوميَّاً. ليس لديَّ ما أقوله لهم فلا وقت عندي.
– أين أمِّي؟ كان سؤالاً سريعاً وإجابة أسرع:
– في الثَّلَّاجة تحت.
شاهدت هذا المنظر في الدراما ولكنَّني أعيشه الآن واقعاً. لم أتخيَّل أنَّني سوف أراه وأقف بثبات. موقف يحمل الكثير من الهيبة والأسى والوجع؛ أنَّك ترى عظمة الخالق وضعف الانسان، أنَّك ستكون في الموضع ذاته في يوم سيأتي قريباً أو بعيداً لكنَّه قادم لا محالة.
كانت تبتسم بوداعة ورأيتها كعروس بريئة. إنَّ وجهها لا يفارقني إلى الآن. عدتُ إلى البيت أنظر إلى المجهول بهدوء. نمت قليلاً وأنا في حزن أنَّني سأتركها ترقد في الثلاجة يوماً كاملاً في انتظار قدوم أخي من كندا لدفنها. وجاء الصباح ووصل أخي وانتظرتُ تصريح الدفن الذي تأخَّر فتأخَّرنا في غسلها وخفتُ أن تحين صلاة الظهر ونحن لم ننته. وبقلب قويٍّ ولأكمل واجبي تجاه أمِّي غسلتها مع المغسِّلة وامرأة أخرى. كفَّناها وكانت كالعروس. شعرت أنَّها منزعجة لأنَّنا تأخَّرنا في دفنها. وكنت قلقة أن تفوتنا صلاة الظهر والجنازة ولكن سبحان الذي سهَّل لنا الطريق، فالمسجد يبعد ساعتين عن المستشفى وهو قريب من المقبرة ومُعتاد أن يصلَّى فيه صلاة الجنازة. وصلنا خلال ساعة زمن فقط وكأنَّ الأرض قُصَّت والملائكة أتاحت لنا الطريق، دون زحام أو تعب، حتَّى وصلنا عند صلاة الظهر فصلَّينا الظهر والجنازة ثمَّ حملناها إلى قبرها. وكأنَّهم كانوا ينزعون منِّي روحي. مددتُ يدي لها وتعلَّقتُ بكفنها وقلبي مكلوم على فقدها. مدَّدها أخي في قبرها وحينها ابتسمت له. كانت ابتسامتها برداً وسلاماً علينا. ولكنَّ الفقد شعور صعب. ما زالت عيناي تدمعان وما زال الحزن في قلبي لم يبرد. رحمها الله وأحسن إليها.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل