غريزة الطَّمَع بشقّيها

محمد إقبال حرب

تعلَّمنا في المدرسةِ أن “الطَّمَع ضرّ ما نفع”. مقولة، طالما ردَّدها المُدرِّس ورجلُ الدين والوالدان على مسمعِ الأطفالِ وكأنَّ الطَّمَع من أقاربِ إبليس.

لم أُحِبّ هذه المقولةَ أبدًا، كونَها عامّةً شامِلةً، لا تحدِّدُ الضَّررَ أو المنفعةَ المسلوبةَ، بل لا تُحدِّدُ فوائدَ الابتعاد عن نجاسةِ “الطَّمَعِ” ولعناته. شخصيًّا أُحبُّ الطَّمَع وأُمارسُه، أسعى إليه جاهدًا. متى توقّفتُ عن عِشقِه أشعرُ بالعَجز عن مُمارسةِ أعمالي للوصول إلى مُبتغاي الذي يمتدُّ على مِساحة حِصَّتي من الحياة، التي لها الحقُّ في كلِّ شيء حملَه هذا الكوكب، في سلسلة لا تتوقَّفُ من تدويرها وإعادة توزيعها عشوائيًّا، تنتظرُ من يتلقَّفُها بوسائلَ عديدة، أحدُها الطَّمع. وهنا أسألُ نفسي ألستُ شريكًا في كلّ شيء، على الأقلَّ نظريًّا؟

أحقًّا كلّ شيء؟ هذا هو السُّؤال الذي يجرُّنا جرًّا إلى تقنيَّات وتصنيفات مُعقّدة تسعى إلى تحديدِ مسار حياة كلٍّ منّا، رُغم أن مساراتِ الحياة شاسِعةٌ تتَّسِعُ لمرور كلّ العربات البشريَّةِ بألوانِها وأشكالِها واختلاف برمجتِها، سريعها وبطيئها، قُنوعها والطَّامِع بها. الدُّخولُ في فلسفات فوائد وأضرار الطَّمَع الذي يواجه أعداءً كثرًا، على غِرار العنصريَّة التي تُحاسِب على اللَّونِ والعقيدة والإثنية، لا يُشفي الغليل ولا يُريحُ وسواس التفكير. السُّؤال الموجب ها هنا، هل نجاح الطَّامع في تحقيق المزيد مما يسعى إليه ناتجٌ عن فرضِه شروطًا تسلُب الآخرين حِصَّتهم في أي شيء؟ أم أن الطَّمَع نوعٌ من الذَّكاء يوجِّهُه البعضُ نحو المادّة والبعضُ الآخر نحو عالَم الفكر والعِلم والمعرفة، كما الروحانيَّات؟ لماذ لم يُتّهم توماس إديسون (Thomas Edison)، المُخترع الكبير، بالطَّمَع، إذ لم يُبقِ لغيره ما يخترعُه؟ يقال إن إديسون “سرق” بعض اختراعات تسلا أو سلبَه حقّ الانتفاع منها. أليست أضرارُ إديسون العلميَّة ناحية الآخرين تُوازي أضرارَ “طمّاع” المال؟ ربما تكونُ أشدَّ ضرَرًا كونها ما زالت تُكدِّس الثروات في حسابات الأحفاد. السُّؤال عن تفنيد الطَّمَع ومُحاكمتِه مع مُتَّهمِيه كبير جدًا، ويستحقُّ التفكير قبل الخُنوع إلى نتائج ما تعرَّض له الطَّمَع عبر العُصور من إدانة وانتقاد. وبما أن لَعنة الطَّمَع حملت ختم “المُقدَّس” فقد تبنَّاها البشرُ كما تبنُّوا لعنَ إبليس الذي لم يره أحد، إلا في كُتب الأديان. قبل أن نخوضَ في تفاصيلِ الطَّمَع سنُلقي نظرة على تعريفه اللُّغويّ والحضاريّ والدينيّ والفلسفيّ عبر العُصور.

لغويًّا :

  1. في المعاجِم العربيَّة: الطَّمَعُ من فِعل “طمَع” أي رغِب بشدّة في الشيء وحرِص عليه، حتى لو كان غيرَ مشروع.
  2. جاء في لسان العرب لابن منظور: الرَّغبةُ في الشيء والحِرصُ عليه. 

في الحضارات والدِّيانات:

  1. في الهندوسيَّة: الطَّمَعُ، أحدُ السِّمات الثلاث المُدمّرة إلى جانب “الغضبِ والجَّهل. جاء في نُصوص البهاغافاد “الطَّمَعُ يولّدُ الرَّغبةَ، والرغبةُ تورثُ الغضبَ حين تُحبط”.
  2. في البوذيَّة: الطَّمَعُ أحدُ جُذور المُعاناة الثلاثة “الطَّمعُ، الرَّغبةُ، التعلًّقُ”، جاء في نصوص السوتا “الرغبةُ مثل ماء البحر، كلما شربتَ منه زاد عطشُك”.
  3. في الإسلام: “وتُحبّون المالَ حُبًّا جمًّا”  سورة الفجر 20.  وجاء في الحديث الشريف “إيّاكم والطَّمَع فإنّهُ الفقرُ الحاضرُ”.
  4. في المسيحيَّة: “محبّةُ المالِ أصلُ كلِّ الشُّرور” (رسالة تيموثاوس الأولى 6:10(.

الخطايا السبع: الطَّمَعُ أحدثُها.

  1. في اليهوديَّة: جاء في التلمود: (كلّ من يزيدُ مالُه يزيدُ قلقُه). (بابا باترا 116).
  2. في الحضارة اليونانيَّة القديمة: وصف أرسطو الطَّمَع في كتابه “الأخلاق النيقوماخيّة” بأنّه: “الرَّغبةُ في امتلاكِ أكثر مما يحتاجُه المرء، مما يُخلّفُ الظُّلمَ الاجتماعي”.

وقال هيرودوت في قصَّة كرسوس، ملك ليديا “الطَّمَعُ سببُ سُقوطِ الإمبراطوريات”.

  1. في الفكرُ الغربي الحديث: قال شبنهاور “الطَّمَعُ جزءٌ من إرادة الحياة العمياء التي تُسبِّبُ الشَّقاء”.
  2. وهناك مثل سواحيلي يقول “الجشع يحطّم الكيسَ الذي يحمِلُه”.
  3. وأختُم هذه المقولاتِ والمصادرَ بما قاله “تاو تي  تشنغ” /الطاوية (من يعرف الاكتفاءَ لا يُهزم أبدًا). وما قاله الكاتب الفارسي سعدي الشيرازي في كتابه “الكلستان” (الجشع يُفقدُ المرءَ لذّة ما يملك)

بعد مُراجعةٍ عميقة حول مفهوم الطَّمَع عبر العُصور، خاصّة الأديان، وجدتُ أن مفهومَ الطَّمَع مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بالماديَّات، تحديدًا المال. إذ يبدو أن كلمة “طمَع”، بحدّ ذاتها، خُصّصت للمال والمُمتلكات فقط، إذ أن الدِّيانات السماويَّة تكلَّمت عن الطَّمَع في المال، والحضارات تكلّمت عن المُمتلكات. غير أن شبنهاور جعل الطَّمَع أكثر شموليةً بقوله “الطَّمَعُ جزءٌ من إرادة الحياة العمياء التي تُسبب الشَّقاءَ”، إذ شملت مقولتُه الحياةَ عامّة. أما “تاو تي تشنغ” الذي قال “من يعرف الاكتفاء، لا يُهزَم أبدًا”، وهذا أمرٌ غريب، إذ كيف لمن عرِف الاكتفاء، الماديّ والمعنويّ، أن يتقدَّمَ، ويطمحَ، ويطمعَ في مزيد من المعرفة والعطاء؟ كذلك ما قاله سعدي الشيرازي (الجشع يُفقد المرءَ لذّةَ ما يملِك)، مثير للجدَل، إذ كيف يحكُم على من يطمَع، ماديًّا أو معنويًّا، بأنه غير سعيد. سعادة ذاك الشخص هي تراكُم ما يسعى إليه، بعيدًا عن نوعية طمعِه ومآلِه الأخلاقيّ والاجتماعيّ.

بدأتُ هذه الدراسةَ مصرّحًا حُبِّي وعِشقي للطَّمَع، فطمَعي في المعرفة لا ينتهي، كما في الكِتابة والنَّشر ومحبَّة الناس. طمعي الأسمى نشر مبادئ الإنسانيَّة، كما يعرف من هو قريب إليَّ. للطمع محاسنُ ماديَّة ومعنويَّة، فطمعُ بعضِ الأشخاص لكَسب المال، من خلال العمَل والجَهد المتواصلين لتطوير المهارات وتحقيقِ هدفٍ أكبر يؤدي إلى تحريك عجلة الاقتصاد، والإبداع في خلق فُرص عمل لآلاف البشر. هذا النَّوعُ من الطَّمَع في تحقيق مزيد من النَّجاح يؤدي إلى اختراعات جديدة تُغيِّر النمطَ الحضاري للكَوكب. هذا ما حصل فعليًّا مع ثورة الإنترنت والتكنولوجيا، التي تسابَق روادُها طمعًا في السيطرة الاقتصاديَّة والتكنولوجيَّة، فأوجدت ملايين الوظائف، وغيَّرت سُبلَ الحياة ومسيرتَها المعروفة منذ فجر التَّاريخ إلى ما لم يحلُم به الإنسان قبل ذلك. لو سألنا أنفسنَا عن ماهيَّة واقعنا لو لم ينتاب هؤلاء “الطمّاعون” وسواس السعي إلى المزيد، الجشع إلى النجاح، والسعي إلى كسب أكبر قدر مما يريدون؟ طبعًا، فلسفةُ السُّوق وأخلاقيَّاتُها وقوانينُها موضوع آخر.
على المقلب الآخر، في الإشارة إلى مضار الطَّمَع بكثافة من الأديان والفلاسفة عبر العُصور، نرى أنه لم يكن أكثر من جَهد لتنظيم المُجتمع، والحدِّ من سيطرة “الطمّاعين” بقانون جائر لا يستند إلى حيثيَّات فعليَّة، ودراسات جادّة، إذ ربما تكون الأسبابُ كامنةً في الحِقد عليهم أو الغيرة منهم بسبب نجاحهم المادي أو المعنوي، ما يُعطيهم قيمةً اجتماعيَّة ومصدرَ قوَّة. الغريب أن القانون لا يعتبر “الطَّمع” جريمة، كما أنه لا يعتبره أهانة لصاحبه. والأغرب أن مُعظم “الطمَّاعين” لهم قيمة اجتماعيَّة كما أسلفنا. يُتداول أن الطَّمَع يستمدُّ قِواه من الاحتيال، وقد يُتَّهم سارقٌ ما بالطَّمَع الذي أوصلَه إلى اقتراف جُنحته. قد يستخدمُ الطمّاع الرِّبا لكسب المزيد، أو وسائلَ ترغيب وترهيب تخدُم هدفَه. هناك الطَّمَعُ في الأكل كما الطَّمَعُ في ما يمتلِك الآخرون… صفات ومواصفات يردّدُها المُجتمع، تيمُّنًا بما ورد في الكُتب الدينيَّة عبر العصور. مرّة أخرى، ماذا عن الطَّمَع الفكريّ، البحثيّ، الإبداعيّ؟ 

في بعض المقالات والشُّروحات عن الطَّمع، تمت الإشارةُ إلى أنَّ العملَ الدائمَ للطَّامع في الحصول على ما يُريد يُسبِّب توترًا نفسيًّا وقلقًا خطيرين. وعندما يتحوَّلُ الطَّمَعُ إلى قيمةٍ سائدة يتسبَّب في مشاكل اقتصاديَةٍ وتفاوتٍ طبقي يؤدي إلى ما لا يُحمد عقباه. كذلك، ستأخُذ المادَّةُ المتراكمةُ هواجسَ صاحبَها إلى ما يُبعدُه عن الروحانيَّات كونه تعلَّق بالدنيا ولم يجمع من الحسنات ما يدعم آخرتَه. هذه المقولات التي تصفُ الطَّمَع بأقذع الصِّفات تعتمدُ على المَوروث الدِّيني بتشريعاته التي تلعنُ الطَّمَع وتُجافيه. لم أوفَّق في الحصول على دِراسات وقوانينَ تتعلَّقُ بالطَّمَع والطامعين، إلا بعض الدراسات التي تعتبرُه مرضًا نفسيًّا.

أخيرًا، بما أن الطَّمَع هو سمةٌ اجتماعيةٌ ونفسيَّةٌ واقتصاديَّةٌ مُعقَّدة تؤثِّر على الفرد والمُجتمع إيجابًا وسلبًا، نستطيعُ أن نشدَّ على يد الطَّامعين، الجشعين للمعرفة والأخلاق والتفوُّق العلمي والحضاري، بما أنَّهم كفّةُ الميزان المُعادلة للجانب المادي، الذي سيوسَم بالجشع والسيطرة على موارد البشريَّة من دون مردود عادل لغيره. وبما أن التوازُن لن يحدُث بشكل عفوي طبيعي، لا بدَّ من دراسة أسباب الطَّمع، من تحديد نشأته المنزليَّة، إلى أي بيئة اجتماعيَّة وتربويَّة ودينيَّة تعرّض. 

أليس نظامُ التعليم هو من يبني الجيلَ الجديد، ويزرعُ فيه، إضافة إلى العُلوم والدُّروس الدينيَّة، أُطرَ الطَّمَعِ المفيد الذي يتزامنُ مع الطُّموح والعطاء والتألُّق. كما لا بدَّ من أن يكونَ القانونُ حازِمًا وصارِمًا في منع سُبل سيطرة “الطمّاعين” على ثروات المُجتمع. وهذا ما يحدُث في الدول الاسكندنافية التي تفرضُ نسبةَ ضرائب عاليةً جدًا على جامعي المال وضخَّها في خِدمة المجتمع. فما سرقه الطَّامِعُ الجشِعُ يعودُ معظمُه أو بعضُه إلى الخدَمات الصحيَّة والمدرسيَّة والاجتماعيَّة.

الطَّمَعُ ليس داءً له أسبابٌ وحيثيَّات تُصنِّفُه وراثيًّا أم مُكتسبًا، وليس جريمةً يُعاقِب عليها القانون، إنه جزء من بنية الإنسان التنافسيَّة، كما أي غريزة في كينونتا. بعضُ غرائزنا ما زالت بريَّةً متوحِّشة، وبعضُها صنع منّا بشريَّتنا. لو قارنا الطَّمَع مع القتل لوجدناهما عميقين في الوجود الإنساني، فالقتل غريزةٌ اكتسبناها منذ كنّا نُصارعُ البقاء في غابة الوجود. أفادنا القتلُ في مُحاربة مُفترسي الغابة وإزالة الأجناس البشريَّة الأُخرى لنظفُر بالأرضِ التي توّجنا أنفسنا عليها بـ “أذكى المخلوقات”. بقينا أحياء وبقيت نزوةُ القتل في داخل كلّ منّا تنتظرُ لحظةً مناسبة لنستخدمَ أنيابَنا ومخالبَنا أو وسائل بديلة أشدّ فتكًا. يبدو أن غريزة الطَّمَع ما زالت تنعمُ بسِحر “قانون الغاب” في البقاء. أرى أن العيبَ في عدم قُدرتنا على التحكُّم برغبة التملُّك والاستحواذ التي تنقلبُ إلى جشع وطمع، كما لا نملِكُ زِمام الأُمور في حواس وعادات كثيرة. ألم يكُن الطَّمَع عبر العُصور دافعًا أساسيًّا للتقدُّم الحضاري؟ إذ لو لم يكن هناك طمعٌ وطموحٌ لدي الملوك الفاتحين لما تمازج الكون، ولما تلاقحت الحضارات رُغم السِّعر الباهظ الذي دفعته شعوب كثيرة، شرقًا وغربًا، ولما استطاع الفلاسفةُ التنقُّل إلى بلاد بعيدة، رُغم مشقَّة السَّفر، للتعلُّم واكتساب ما لم يكن سيجدوه في وطنهم، دافعُهم الأساسي هو الطَّمَع في المعرفة. ولولا الطَّمَعُ في جني الأرباح لما استطاع الفينيقيون استعمار مُدن كثيرة حول البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وجلب خيرات البُلدان وإعادة توزيعها، طمعًا في الرِّبح الوفير الذي حمل معه حضارات وثروات تفاعلت بين الشعوب وأقامت جسورًا حضارية. لولا ذاك الطَّمَع الماديّ لما وجد قدموس طريقًا إلى أوروبا لنشر الأبجديَّة.

لا تلعنوا الطَّمَع بل إلعنوا من استغلوه لمآربَ أقرب إلى القرصَنة والسَّرقة “المُشرّعة”، عبر نظام الرِّبا والفائدة الذي يُمثِّلُ أيقونةً لبعض “الطمّاعين”. كذلك ادعوا المُفكِّرين إلى الخوض جديًّا في ماهية الطَّمعِ، سيئ الذكر، كما توارثنا صفاته، إلى دراسة حالة الطَّمع، الماديّ والفكريّ، لنستقي حسناتِها وسيِّئاتِها، ونُحدّدَ أنواعَ الطَّمَعِ إن وُجدت، ونسعى إلى معرفة حقيقةِ نعت “الطَّمَع”، إن كان حميدًا أم خبيثًا، وهل وصمُنا لشخص ما بالـ “طمّاع” هو نوع من التنمُّر أم حالة يُعاقِبُ عليها القانون؟

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply