
ريشة وقلم لبنى ياسين
رأيتها بعيني هاتين، وأدركت أنها ” أنا” بعد أن استهلكتني الطرقات، ” أنا” في زمن أخشى حتى التفكير به، فما بالك في الوصول إليه؟!
كانت تجلس على مقعد خشبي على شاطئ البحر، غارقة في أفكارها، تتأمل الأمواج وهي تضرب الرمل بقدمها برفق كما كنت أفعل دائمًا..فكرت في نفسي..بعض العادات لا تموت.
كان وجهها متجعدًا بشكل أخافني..هذا وجهي يومًا ما، ما أبشع الشيخوخة.
كأنها قرأت ما يجول في رأسي، فبادرتني:
“ستكونين هنا يومًا ما… وليس هذا ما عليك أن تخافيه، الخوف أن تأتي فارغة”.
ثم تابعت: ليست كل التجاعيد من فعل الشيخوخة… بعضها من أثر الابتسامات، وأخرى من الحزن الذي أصرّ أن يبقى محفورًا.. وغيرها من التجارب والأحداث التي صنعتنا، وصنعت الذاكرة.
حين اقتربت رأيت نفسي فعلًا..دق قلبي بسرعة.. هذه أنا.. عجوز اقتربت خطواتها من النهاية..كان الأمر مرعبًا فعلًا.
ابتسمت لي، وأشارت أن أجلس.
قلتُ وأنا أتأمل عينيها التي ما زالت تشبه عيني:
– هل كنتُ سعيدة؟
ابتسمتْ بهدوء، وقالت:
– السعادة يا صغيرتي ليست غاية، إنها محطة مؤقتة، من يقم فيها طويلًا تتبلد مشاعره..الرحلة تتطلب أن تمري بكل شيء، الحزن، الفرح، الألم، الخوف، التردد..السعادة، وحتى الشقاء، تلك هي حقيقة الحياة..أليست كذلك؟ .
سكت..وقد أخافتني تلك الإجابة، فسألتني فجأة:
– وماذا عنك الآن؟ هل أنت حية؟
ارتبكت وقد فاجأتني بسؤالها، ثم أجبت:
أظن أنني أحاول.
قالت وهي تربت على يدي:
– لا تحاولي… عيشي. لا تؤجلي شيئًا للأيام القادمة، فالقادم قد لا يشبه ما تتخيلينه، أو تريديه، قد تفاجئك الحياة وتغير الطريق، لا تؤجلي الرحلة حتى ينخفض ثمن بطاقة السفر، ولا تكتبي النص غدًا… اكتبيه الليلة..وإلا سيهرب منك كما فعلت النصوص السابقة، اغتنمي اللحظة التي بين يديك، فاللحظة القادمة ليست مضمونة.
سألتها:
– هل سأفعل ما يوجب الندم؟
ابتسمت، ثم نظرت إلى البحر، وقالت:
– نعم… لكن الندم ليس على الأشياء التي فعلناها، بل عن تلك التي تركناها تموت ونحن نعرف أنها كانت تنتظرنا.
ثم وقفت، وابتعدت بخطوات بطيئة نحو البحر، وغابت بين أمواجه، تاركة المقعد يهتز قليلًا، كما لو أنه فقد توازنه.
أما أنا، فبقيت هناك، أعد كل الأشياء التي لا أريد أن أندم عليها.
