وقفتْ سيارة الأجرة أمام بيت من الطراز القديم مكوَّن من طابقين. نزلت منها سعاد بسرعة ودفعت الباب الحديدي لتدخل فناء البيت وصعدت سلّماً رخامياً عريضاً إلى شقتِّها التي استأجرتها. كان رأسها مثقلاً بالأفكار. دخلت غرفة المكتب التي تحتلُّ جدرانَها مكتبةٌ خشبية قديمة مليئة بالكتب وشغلت الموسيقا بأعلى صوت. ما كان يدور في رأسها أعلى من صوت الموسيقا.
حاولت أن يكون تفكيرها منطقياً وحاولت أن تسلسل أفكارها في شريط واحد: ما الخطوة القادمة؟
وتذكرت أول خطوة خطتها في هذه المدينة الغريبة، ومن ثم كان الزمن يمشي ببطء قاسٍ. الوجوه حولها كأنها أشباح والأيام نُسخٌ متكررة بلا لون. الأسابيع تتلو الأسابيع. كل شيء يسير بسرعة فائقة إلا هدفها الذي هاجرت من أجله؛ أن تكوِّن لنفسها حياة كريمة بدخل معقول لتتمكَّن من استكمال ملف دعوة أحمد الذي لم يتمكن من عبور الحدود معها وبقي يحاول ويحاول دون جدوى فحمّلها هذا العبء الثقيل الذي سلب النوم من عينيها.
اللغة كانت الجدار الصلب الذي كسرته بقوَّتها وصبرت وتحملت اختبارات العمل الفاشلة واستهزاء من حولها لمحاولاتها اليائسة. لم تنكسر. كانت تجمع شتاتها كل مرة لتصبح أقوى… إلى أن حصلت على عمل في دار المسنين؛ كانت تستمع لحكاياتهم وتربت على أكتافهم برحمة وتحاول أن تشيع جواً من المرح حولهم. أحدهم كان يبدو ميسور الحال في العقد السادس من عمره يدعى مارتن. هو الوحيد الذي لم تستطع إخراجه من الكـآبة والوحدة والحزن بعد فقدان زوجته في حادث سيارة كان هو يقودها. غمره شعور بالذنب ولم يتمكَّن من الخروج من بوتقة الحزن.
راحت سعاد تحاول بوسائل شتَّى لتخرجه من حالة الحزن فتأخذ الروايات تقرؤها له كل يوم وتحدِّثه عن طريقها الشاق الذي قطعته وحلمها في أن تجتمع بحببيها أحمد. لم يكن يستجيب لها ولكن من حركة عينيه كانت تفهم أنه يتأثر بما تقول.
في الجانب الآخر كان أحمد يعيش في مدينة أيطالية بعد أن أمسكت به الشرطة ومنعته من المغادرة. كان يعمل في أحد المقاهي، ويستمتع بالعطل بالسفر والتجوال في المدن الايطالية مع عاملة زميلة له في المقهى. لم يخبر سعاداً بما كان يفعل؛ إنَّها مرحلة انتقالية يمكن أن يتجاوزها حالما يصل إلى فنلندا.
طلبت الحكومة الفنلندية من سعاد تقديم عقد زواج ومبلغاً من المال تودعه في البنك قبل أن تتمكَّن من تقديم طلب لمِّ الشمل مع حبيبها. كانت تعمل ليل نهار لتوفِّر هذا المبلغ. قضت أربع سنوات تحاول جمع المبلغ. وحرمت نفسها من المُتع إلى أن تمكَّنت من جمعه. حصلت على جواز مؤقَّت وقرَّرت أن تسافر إلى أحمد في إيطاليا وتفاجئه لتعود بعقد الزواج وتكمل معاملة لمِّ الشمل في دائرة الهجرة.
اشترت لنفسها فستاناً أبيض جميلاً مفتوح الكتفين؛ لأول مرة تشتري لنفسها شيئاً باهض الثمن. ذهبت إلى صالون الحلاقة وقصَّت شعرها. ولم تنس أن تشتري حذاءً جديداً، فقد كانت طوال العام ترتدي الحذاء ذاته لتقتصد.
كانت تحمل ما تشتريه معها إلى دار المسنين لتبعث الأمل في مارتن، حتى هدايا أحمد أرته إيَّاها. ارتدت الفستان أمامه وشعرت أنَّه يتجاوب معها بنظراته وأنَّه سعيد لأجلها؛ حتَّى أنَّه أمسكها من يدها ليظهر لها امتنانه وفرحه لها.
وحان وقت السفر وجاءت تودِّع مارتن. وكالعادة لم يتكلَّم، لكن عندما همَّت بالخروج أمسكها من يدها وقال لها: اعتني بنفسك من أجلي!
كانت مفاجئة كبرى فرحت بها فرحاً شديداً وبدأت تقفز في الغرفة وتصيح: لقد تكلَّم! لقد تكلَّم! مما جعله يضحك أيضاً. ودَّعته على أمل اللقاء بعد أسبوعين.
كانت الرحلة إلى روما سهلة، ومن هناك أخذت القطار إلى المدينة التي يسكنها أحمد، مدينة جميلة ريفية وهواؤها منعش. سألت عن العنوان، وحين وصلت إلى الشقة توقَّفت أمام الباب لحظات لترتِّب شعرها.
طرقت الباب فكانت المفاجأة الكبرى. فتاة شقراء ترتدي قميص النوم فتحت الباب وخلفها أحمد بملابس البيت. أفقدتها الصدمة القدرة على الكلام فقد كانت على اتصال دائم بأحمد وكان يعدها بأن يفعل ما بوسعه ليعوضها السنوات الأربع التي قضتها تعمل من أجل اجتماعهما.
سحبت حقيبتها وعادت إلى المحطة؛ أحمد يناديها وهي لا تلتفت، وسط دهشة عشيقته التي لم تفهم ما كان يجري ومن تلك المرأة. وصل أحمد إلى المحطة وتوسَّل إليها؛ الموضوع ليس كما تتصور والفتاة زميلة عمل تشاركه الشقة. لم تسمع سعاد أيَّة كلمة مما قال وراحت دموعها تنهمر. تركته وركبت القطار عائدة إلى روما.
لا تعرف ما تفعل أو أين تذهب. نزلت في فندق قرب المطار واتصلت بمكتب الخطوط الجوية لتغيير موعد العودة ودفعت مبلغاً إضافياً لذلك.
وها هي تجلس في مكتبتها وسط ضجيج الموسيقا لتقرِّر ماستفعل. قضت الليل وهي على هذه الحال، وعند الصباح غيَّرت ملابسها وخطت إلى الخارج تسير على غير هدى وسط ضباب أفكارها. بقيت على هذه الحال ساعتين حتى شعرت بالإعياء فعادت أدراجها وخلدت إلى النوم.
استيقظت في اليوم الثاني وهي تقول لنفسها: يا إلهي! هل نمت يوما كاملاً؟ ماذا سأفعل الآن؟ سأقطع إجازتي و أذهب إلى العمل لأوقف عقلي عن التفكير.
ارتدت ملابسها وذهبت إلى العمل. دُهش الجميع لمَّا رأوها قد عادت بهذه السرعة، ولكنها لم تردَّ على أي من تساؤلاتهم. ذهبت إلى غرفة مارتن وكانت مفاجأة تنتظرها؛ لقد ارتدى مارتن أجمل ملابسه وبدا أنيقاً جداً. قالت: يا إلهي كم أنت وسيم! وكانت فرحته أشد.
ردَّ: بفضلك تعافيت وسأخرج اليوم إلى البيت. لكن أخبريني؛ هل حصلت على عقد الزواج؟
أجهشت بالبكاء وأخبرته بما حدث. احتضنها ليخفِّف عنها ثمَّ أمسك يدها وفاجأها بطلبه: هل توقِّعين عقد الزواج بي؟
عقدت الدهشة لسانها، ثمَّ أجابت بعد برهة: لا أعلم!
– خذي هذه البطاقة. فيها عنوان منزلي ورقم هاتفي.
رجعت سعاد إلى شقَّتها تفكِّر بفارق العمر: “هو يكبرني خمسة وعشرين عاماً، هل يمكن أن ينجح الأمر؟ لكنها الفرصة التي لن تتكرر ويجب عليّ أن أستغلَّها. وهو يعلم عنِّي كل شيء، فلمَ لا؟”
لبست فستانها الأبيض وذهبت إلى العنوان المكتوب في البطاقة.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل