القصَّة الَّتي كتبت نفسها بالصُّدفة

هاديا سعيد

نعم صدفة أخرى جاءت بها هذه القصة التي أكتبها الآن. فقد كنت نسيت تماماً موعد صدور عدد مجلة همس الحوار عن الصدف وما يتبعها. لكني صدفة تلقَّيت تذكيراً رقيقاً عن العدد في الوقت الذي طرقت فيه صديقة قديمة باب التواصل عن بعد لتقول لي: رأيتك في منامي صدفة دون ان أفكِّر بك ورأيت عنوانك صدفة أخرى على ورقة كنت أحاول أن أرميها!
وصلتني عبارتها مغلَّفة بصدى ضحكات قديمة تتفجَّر سرعةً بالقول والحركة وتداخل الموضوعات واللهفة وعبور الخاص والعام معاً والتساؤل الذي لا ينتظر أي جواب والجواب الذي يرد على سؤال لم يطرح.
قالت لي القصة هذه: صديقتك القديمة تصل صدفة في وقت تبحثين فيه عن قصة أو موضوع لمجلة همس الحوار. هي صدفة حقاً تعيد لك حقيقة الصدف. تذكَّري فقط أنَّ صديقتك هذه التقيت بها صدفة في يوم ممطر حين وجدت فتاة ضئيلة تدسُّ رأسها تحت مظلَّتك وأنت تنتظرين وصول الحافلة أو سيارة أجرة تمرُّ صدفة. هل تذكرين؟
قالت القصة: احكي لهم عنها. قولي إنَّ اسمها نهى وهي ستعرف ذلك لأنَّ في اسمها بعضاً من هذه الأحرف.
نهى التي تجيء الآن من تحت مظلتك لتنثر لك هدايا الصدف التي وضعت محطات حياتها.
أولها صدفة ولادتها ابنتها فقد ظلت تتبع وصفات غريبة ومختلفة من نساء الجيرة والصداقة والعمل وهي تتأهب للحمل بأنثى. كان زوجها يتمنى ولادة أنثى بعد أن منحه الله صبيَّين. وكانت الوصفات تهطل كالإعصار داخلها وهي تحسب الليالي التي يجب أن يحدث فيها الاقتراب من الزوج. وصفات لهمسات وأوراق صغيرة ومأكولات خاصة ووقت من الليل تكون صدفةً العلقة فيه مؤكدة كما تؤكد لها إحدى الصديقات التي تعيش حملها الآن بعد انتظار سنوات.
لكنَّ نهى وزوجها كانا يريدان حملاً بأنثى وليس أيَّ حمل. إلّا أنّها حين تأهّبت لليلة الموعودة فاجأها الحيض مبكّراً ليسدل السّتار على أمل كان ينبض في قلبها لولا أن حدثت الصدفة المعجزة في الوقت الّذي أراده الله فرُزِقت بابنتها أمل.
قالت لي نهى في رسالتها عبر الواتس: أنت تعرفين أنّ (أمل) هو الاسم الذي وافق عليه زوجي فقد كنت مصرَّة على أن أسمِّيها “صدفة “. وقبل ان أجيب بذكرى عن تلك الأيام كانت رسالتها التالية تصل كالصاروخ تلتها رسائل صوتية ومكتوبة مع صور وعبارات وبوسات وسيول من الرّموز التعبيريّة.
أين أصبحت القصة؟
قبل أن أسألها كانت القصة تقودني لتنثر لي حياة نهى التي حملت بالصدفة وكانت من قبل قد التقت زوجها بصدفة غريبة في مقبرة وبين عويل النساء وسعال ونحنحة الرجال؛ كان الشاب الغريب يهمس لها أنّه وقع في الحب لأول مرة ويغني لها في أوّل لقاء لهما انتهى بقبلة عهد ووعد، اغنية عبد الحليم حافظ” كان يوم حبك أجمل صدفة”!
يا الله أهو القدر

أم الصدفة؟ القصة تريد ان تكشف لي حياة صديقتي نهى التي تتناثر الان في مساجات ورسائل صوتية وصور قديمة تحكي لي كيف حصلت على أول عمل لها صدفة بعد وفاة والدها. كانوا كما قالت على حافة التسول ولم تكن تشكو فهي عرفت الجوع واعتبرته صياما وعرفت عوز المال واعتبرته تدبيرا وعلمت نفسها الصبر على شحة المال وغدر بعض الصديقات والهرب من التهافت على علاقة أو سلعة أو فرصة. 

سألتها في رسالة قصيرة عن بعد: 

هل تؤمنين بالصدفة إذن ؟ أم لك رأي  آخر؟ 

قالت: 

انه قدري. عرفته بعد سنوات من الهروب والضياع. عرفت الصدفة كأنها مفاجأة سارة حينا وضربة على الرأس حينا آخر وبلسمة من الله تبارك وتعالى أحيانا وكان ذلك على مراحل وأوجاع وعناد وقلق لم يتراجع أو يتناثر أو يذوب إلا مع مرور الزمن والعمر. 

قالت القصة لي: اليك خارطة حياة صديقتك نهى مع الصدفة.. بل الصدف! 

@ صدفة ولادتها بعد ان يئست امها من الولادة وأنجبتها بعد 12 عام من الزواج

@صدفة لقائها بالشاب الذي سيصبح زوجها في يوم الخميس من شهر نيسان وهو يوم خميس  ايضا  والذي تزوجت به والدتها قبل سنوات. @( ملاحظة: لم تكن نهى تعرف تاريخ زواج والدتها). 

@صدفة عملها في أكثر من مكان وبلد وأسفارها بين بلد وآخر ودائما ما تحدث في ايام وأشهر معينة. 

قالت القصة: نهى تريد ان تكتب لك عن علاقتها بالصدف والأقدار وعن تعلمها مما عرفت ومما لم تعرف وتقربها من الله عز وجل كلما حدث لها ما يسر ويفرح ويعمر القلب بحب الله وخشيته وبكل ما يؤلم ثم يتلاشى  ويعيدها طفلة في حضن أمها. 

قالت القصة بعد أن تناثرت رسائل نهى بين التسجيل والرسائل النصيّة والايموجي والمنشورات الأخرى:

يبقى أجمل ما حدث لصديقتك ولك أن الصدفة جمعتكما والصدفة فرقتكما بين البلاد والعباد لكن قدر الله أرادها صدفة أخرى ولن تكون أخيرة وهي أن يراجع الإنسان نفسه قبل انقضاء أجله وهي صدف وفرص يوفرها الله ويترك لنا الاستفادة من أقداره.  

سألت القصة أخيرا: 

أليس هذا دورنا لنعمل ونرجو ونأمل أن نعيش النعيمين في الدنيا والآخرة؟

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply