حين تتحوَّلُ الهشاشةُ الإنسانيةُ إلى خلودٍ شعريٍّ

السَّيَّابُ شاعراً

إسماعيل حقِّي حسين

​لا يمثِّل بدر شاكر السياب في الذاكرة الإبداعية العربية مجرد شاعرٍ غيّر شكل القصيدة من العمود إلى التفعيلة، بل يمثِّل حالة – انفجار جمالي – حدثت في لحظة تاريخية حرجة. وإنَّ محاولة قراءة السياب من خلال ملامحه الجسدية أو سمات شخصية اجتماعية هي محاولة تفتقر إلى أبسط الأدوات المنهجية في النقد البنَّاء لأنَّ السياب، ومنذ قصيدته أنشودة المطر، لم يعد ملكاً لذاته أو لتاريخه الشخصي، بل صار ملكاً للغة العربية في أرقى تحوُّلاتها. أمَّا محاولة جعل الجسد بديلاً عن إبداع النص فهذا ما يمسونه ذرَّ الغبار في العيون ​وان كان هذا الشاعر العملاق قد عانى من وهن الجسد وقسوة المرض، لكنه بعبقريته الفذة استطاع أن يخلق (جسداً لغوياً ) صلباً لا يطاله الوهن لإنَّ عبقرية السياب تكمن في قدرته المذهلة على تحويل الألم الذاتي إلى وجع كوني، فالعراق عنده ليس مجرد خارطة مرسومة في دفاتر الجغرافيا بل هو الحبيبة والأم والمنفى أحياناً، ويظهر ذلك جلياً في قصيدته الشهيرة “غريب على الخليج” حيث يقول:
​”إنّي لأفتح عينيَّ حين أفتحها على مديتِك
لا من رمدٍ بَهـا، ولا من ذكرياتٍ من رمال
أصيحُ بالعراق
وهو بعيدٌ، واللقاءُ مُحال:
عراق.. عراق.. ليس سوى العراق”
​حين نمر على هذه الأبيات ، نحن لا نقرأ سيرة رجل مريض ، بل نقرأ سيرة أمَّة بأكملها وتاريخ صراع أزلي بين الموت والبعث .
من هنا فإنَّ أي نقد يترك النص ليتَّجه نحو شخص الشاعر هو في الحقيقة ارتداد عن النقد الأدبي نحو “الثرثرة الانطباعية” والنزوع العدواني الغير مبرر .
​كثيراً ما يقع البعض في فخ المقارنة بين السياب وأقرانه من رواد التحديث. والحقيقة أنَّ ريادة السياب كانت ريادة “رؤيوية” لم يسبقه إليها أحد. لقد أدخل الأسطورة إلى الوجدان العربي المعاصر ، وجعل من (جيكور) معادلاً موضوعياً للفردوس المفقود.
إنَّ القيمة الحقيقية للسياب تكمن في كونه جعل القصيدة “كائناً حيَّاً” يتنفس ويثور، فهو الذي صرخ في وجه الظلم الاجتماعي والسياسي في “أنشودة المطر” قائلاً:
​”وفي كل قطرةٍ من المطر
حمراءُ أو صفراءُ من أجنةِ الزهـر
وكل دمعةٍ من الجياعِ والعراة
وكل قطرةٍ تراقُ من دمِ العبيد
فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد
أو حلمةٌ توردت على فمِ الوليد
في عالمِ الغدِ الفتيِّ، واهبِ الحياة”
فكيف يكون لشاعر ثائر معارض أن يكون (شخصية ضعيفة)! إنَّ مسؤولية الوعي الثقافي​، وهو ما يحتاجه المشهد الثقافي اليوم، ليس “تحصين” الرموز من النقد كما يرى قاصرو البصيرة، فكل منجز بشري قابل للمساءلة، ولكن الحاجة ملحَّة لترسيخ (أدب الاختلاف). إنَّ النقد �

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply