
عن دار الحِكمة في لندن صدرت رواية الزميل سعد عبد القادر ماهر الجديدة “مقهى سيدرا” في 2026
ويقول عنها:
الدِّيستوبيا
الديستوبيا هي الركن المظلم من الخيال الأدبي، وهي نقيض اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة. إذا كانت اليوتوبيا ترسم عالماً مثالياً يسوده العدل والرخاء، فإن الديستوبيا تصوِّر مجتمعاً كابوسياً يرزح تحت وطأة القهر أو التكنولوجيا أو الانهيار الأخلاقي. وتمثِّل الديستوبيا مجتمعاً خيالياً مرعباً فيه تُسلَب إرادة الإنسان وتُسحق كرامته تحت شعاراتٍ برَّاقة مثل النظام أو الاستقرار أو الأمن.
خصائص المجتمع الدِّيستوبيّ:
السيطرة الشمولية: وتعني خضوع المجتمع لسلطةٍ مركزية تتحكَّم في كل تفصيل من تفاصيل الحياة، حتى في مفهوم الزمن ذاته.
سلب الفردية: ونعني بها منع البشر من التعبير عن مشاعرهم أو خصوصياتهم وتحويلهم إلى تروس في آلةٍ ضخمة لا ترحم.
الخداع الأيديولوجي: وهو إيهام الناس بأنَّ هذا الوضع البائس هو الحل الوحيد للحماية من الفوضى.
البيئة الميتة: ونعني بها تغييب الطبيعة والمشاعر الروحية لتحلَّ محلَّها الآلات المصنوعة من الحديد أو الفولاذ وشاشات النيون الباردة.
الدِّيستوبيا في الرِّواية:
وظَّفتُ هذا النوع الأدبي في روايتي ” مقهى سيدرا”، فبدلاً من القمع العسكري التقليدي استخدمتُ “قمع الإيقاع”. فالمواطن في الرواية لا يواجه سياطاً بل يواجه عقارب ساعةٍ باردة تسلبه “حرارة النبض”، وهذا ما يجعلها ديستوبيا نفسية وفلسفية عميقة.
بهذا المعنى، تبرز شخصية بطلة الرواية بطلةً ديستوبية كلاسيكية، شخصية تستعيد وعيها فجأة وتبدأ في التساؤل عن شرعية النظام ثم تخوض معركتها لاستعادة الإنسانية المفقودة من بين فكَّي الآلة الصماء.
مقهى سيدرا – ديستوبيا اجتماعيَّة
تدور أحداث الرواية في مدينة اسمها (إيقاع) حيث يفرِض المهندس (عامر) نظاماً صارماً يعتمد على المعادلات الخطِّيَّة والميكانيكا الجامدة، بحيث يكون أي تذبذب عاطفي فوضى “انتروبيا” تهدِّد استقرار المدينة. في مواجهة هذا الجمود يبرز مقهى سيدرا كآخر معاقل الروح حيث تكمن قوة (سيدرا) في قدرتها الفائقة على توليد نبضاتٍ صادقة من خلال عزفها الفريد، وهو النبض الذي يمثِّل الشفرة الوحيدة التي يمكنها تحريك “ساعة الروح” الخشبية.
تخوض (زمان) رحلةً مصيرية لربط هذا اللحن بنظام المدينة المركزي متحدِّيةً منطق (عامر) البارد في عقر داره. يبلغ الصراع ذروته عندما يرى (عامر) في نبضات (سيدرا) عشوائيةً قاتلة، بينما تبرهن (زمان) بمساعدة (هادي) أنَّ ما يصدر من المقهى هو نظام كسري معقَّد يمثِّل جوهر النية البشرية الصادقة.
يتحقَّق الحسم عندما يمتثل عقل (عامر) التقني للحقيقة العلمية والوجدانية التي يفرضها وتر (سيدرا) فيتوقَّف عن محاولات القمع ليسمح بانتشار إيقاع الروح في عروق المدينة. تنتهي الرواية بانتصار المنطق الذي يجمع بين صرامة الرقم وحرارة النغم معلنةً أنَّ “مقهى سيدرا” لم يكن مجرد مكان بل كان المنطلق الذي أنقذ إنسانية المدينة من التلاشي.

