
تمثال السلطانة مريمة (مريم بنت علي العطار) في بلدة “لوشة” بمقاطعة غرناطة الإسبانية، آخر سلطانة أندلسية وزوجة آخر ملوك غرناطة “أبي عبد الله الصغير”
عن الأندلس؟!…
لن أحدّثكم عن تاريخها، بل سأتحدّث فيه وعنه.
ففي بطونه تُدفن مئات «الأندلسات» الإسلامية وغير الإسلامية، وعنه جاء في الصحف الأولى والأخيرة، وروى الراوون ما فاضت به المجلّدات والتصنيفات.
عن الأندلس: الآن! … ولماذا؟ فيما نزيف الجرح والوجع، ما انفكّ جاريًا في الحنايا؟ وفيما حكواتي الزمن وحكيمُه، ما زال مقتعدًا أريكته الدهرية، يقلّب في أوراقه ليختار سردية يرندحها على الساهرين السكارى، الذين يفتشون عن قلم ذهبي، يرسمون به سلّما حجريًا يصل ما بين الأرض والسماء؟
لماذا عن الأندلس الآن؟ … فيما تبعثرت حجارة البرج في بابل، الذي دار في خَلَد بنّائيه أن يعرجوا به إلى السماء، ويقيموا لأنفسهم اسمًا وتشامخًا ومجدًا، «ولكن الإله السرمدي منعهم من ذلك، فبلبل الألسن وفرّقها وشتّت أهلها في مغارب الأرض ومشارقها.»
ولماذا عن الأندلس الآن؟ … فيما قرضت الجرذان سدّ مأرب فاتحة دروب سيل العرِم، الذي أغرق مملكة سبأ التي سُمّيت يومًا بـ«أرض الجنتين» وليس «فردوسا» واحدًا فحسب، واضطلعت بدور كبير في ازدهار حضارات العالم القديم: ﴿لقد كان لسبأ في مسكنهم آيتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربّكم واشكروا له بلدة طيبة وربّ غفور، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العَرم وبدّلناهم بجنّتيهم جنّتين ذواتي أكُل خَمط وأَثل وشيء من سِدر قليل﴾.
لماذا عن الأندلس الآن؟ … فيما انهمرت البكائيات على أبواب معركة الزاب، وصرخت بغداد العروس مستغيثة تحت أقدام هولاكو، وضجّت مياه دجلة بعويل كنوز الفكر المُغرقة فيها، واقتحم آفاقَ السماء اللهبُ المتصاعدُ من الحرائق التي أضرمها مطران طليطلة، الكاردينال «فرثيسكو خمنيث دي ثيسنروس» سنة 1502، بمئات الآلاف من خزائن الفكر، في ميادين باب الرملة بغرناطة.
وفيما صراع السلطة ما يزال سادرًا، خيانات واغتيالا ت ومؤامرات، داخل أروقة القصور، وممدّدًا على فراش الأسرّة، بين الآباء والأخوة، وبين أبناء الجواري والأحرار.
ولماذا عن الأندلس الآن؟ … وقد ذبحنا بأيد ملطّخة بالغدر – قبل سكاكين الأعداء – كل أحلامنا الزمرّدية، وأطفأنا بغطرساتنا وليالي أنسنا، شموسَ وأقمارَعلمائِنا وفلاسفتِنا وأدبائِنا، بعدما أضاؤوا بعبقرياتهم نهارات الدنيا ولياليها؟
وإذا كانت الأندلس، قد دخلت التاريخ يومًا من أزهى وأرفع أبوابه، فقد خرجت من زواياه السوداء، أشلاءً من الذلّ والانكسار، ومع هذا فقد بقيت في ضمير التاريخ، رمزًا متلألئًا للمدن الزاهرة المصدّرة للثقافة والمعرفة.
وها نحن اليوم ننعى، للمرة الألف، جوهرةً إسلامية، وُلدت ذات زمان في حلم طارئ، ولمعت ذات قرون في جبين التاريخ، وعلّمت البشرية دروسًا في بناء الحضارة، على قناديل العِلم والحكمة والعدل والزهد والتسامح والانفتاح، ثم خبت تحت ملوّثات بهارج الدنيا وشهوات الحكم، وشيوع الخلاعة والفسق، والعزم في تهديم جدران المدينة الفاضلة، التي أدركنا مبادئ أسسها «الأفلاطونية»، وأغفلنا أسباب تناقضاتها «الفارابية»، حتى قال عالِمُها وفقيهُها «ابن حزم»: «ولا يغرّنكم الفسّاق والمنتسبون إلى الفقه، اللابسون جلود الضأن على قلوب السباع، المزيّنون لأهل الشر شرَّهم، الناصرون لهم على فسقهم.»
ويبدو، إننا إذ نكرّر ونجدّد بكائية الأندلس، بعد أكثر من خمسة قرون على تضييعها، ليس لأنها كانت الجوهرة الوحيدة اللامعة قي تاج التاريخ العربي، فقد سبقتها الشام، كما سبقتها حاضرة الدنيا بغداد، التي ما زال خطاب الخليفة «الرشيد» لسحابة السماء يرنّ في الآفاق: «أمطري حيث شئت، فسيأتيني خراجك.» إنما نلحّ على إقامة مجالس العزاء على روحها، لأنها كانت الشمس الإسلامية الوحيدة التي سطعت في سماء الغرب الأوروبي، ثم انكسفت، وشكّلت بغيابها، الضربة القاضية على الحضور العربي في روزنامة الحضارات، وانقطاع آخر شعرة أمل عربي بالنهوض من جديد، فدخلنا بعدها عصور القحط الممتدّة حتى اليوم، وتحوّلنا إلى رقم بشري ساقط، لا دور له في ميادين السياسة العالمية، ولا سهم لأصحابه في منظومة التقدّم التقني والحضاري.
الأندلس جنة الله على الأرض
وصفوها بأنها فردوس العرب، ومملكة السماء، وأيقونة المدن، وزهرة البلاد الناشرة عطرها على الدنيا.
وقالوا عنها إنها «الخطة العذراء، والدرّة الدهماء، والبقعة الجامعة ما بين الشموس والأفياء، الرافلة في حلل موشية من خوك الأرض وطراز السماء، فأتوها من كل فرج، بين محتسب ومكتسب، وراغب في الدنيا وماهد للآخرة…وسكن إليها سكنى من ألقى عصا التسيار، فألحقوا بالأندلس جميع الأراضي الكبيرة، وصارت لهم أندلسات كثيرة.»
وإنها كانت نوستالجيا يعيشها خليط من الشعوب والأديان والثقافات، ومثّلت تجربة إنسانية نادرة، التقى فيها الفقيه بالموسيقي، وجاور فيها صوت الأذان تراتيل الكنائس وأدعية المعابد اليهودية.
في قرطبة «أوقدت شعلة الشعر، فسطعت في إشبيلية، عبر الأغاني وقصائد الحب، تفصح عن نفسها نجوية رومانسية كانت تتجاوب مع مشاعر الفروسية الوسيطة، كما أظهر الشعر الغنائي العربي أنه عامل قوي من عوامل استيعاب المسيحيين الإسبانيين، لدرجة أنه ظلّ يتردّد بلا انقطاع في الشعر الشعبي القشتالي وفي الأناشيد المسيحية… كما شاع في جنوب فرنسا، شيوعًا واسعًا منقطع النظير، ومثال ذلك أن الطرّابين قلّدوا بوجه خاص الزجّالين. وإن أغنية رولان التي ظهرت 1080، والتي تشكّل أثرًا من آثار الأدب الغربي القديم، إنما تدين بوجودها للاحتكاكات الحربية التي تمّت بالقرب من جبال البيرينيه وفيما يتعداها. كما أن بوكاس Boccace وشوسي Chaucer، وعددًا من القصّاصين الألمان، وقعوا تحت تأثير الأدب العربي من خلال إسبانيا الإسلامية. فربما تكون هي التي أوحت أجمل قصائد تنيسّون وبراونينغ. وتدين الكوميديا الإلهية لدانتي بالكثير إلى الفيلسوف الصوفي ابن عربي من القرن الثالث عشر. زد على ذلك أن هذه القصيدة الخالدة مفعمة بالأوصاف العربية في المقاطع التي تروي الإسراء والمعراج إلى ممالك السماء والجحيم العجيبة.»
وتغنّوا بها قائلين:
«يا أهل أندلسٍ لله درّكمماءٌ وظلٌ وأنهار وأشجارُ
ما جنّة الخلدِ إلّا في دياركمولو تخيّرت هذا كنت أختارُ
لا تخشَوا بعد ذا أن تدخلوا سقرًافليس تُدخل بعد الجنة النارُ.»
ولمّا انطوت رايتها، أمطروها ندبًا وحسرات، وسكبوا العبرات على قرطبة وغرناطة وإشبيلية وطليطلة وملقة وبلنسية ورندة ومرسية وسرقسطة، وغيرها من مدن الأندلس، وأشبعوها رثاء، عصرًا تلو عصر، منذ زمن «الرندي»، وحتى اليوم.
«لكل شيء إذا ما تمّ نقصان فلا يُغرّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتها دُول من سرّه زمن ساءته أزمانُ
حتى المحاريبُ تبكي وهي جامدةٌ حـتى المنابرُ ترثي وهي عيدانُ.»
السقوط الكبير
لم يترك المؤرخون والمحلّلون جانبًا إلّا وعرضوه في تعليل أسباب سقوط الأندلس. وقد طرح الدكتور «عبد الحليم عويس»، أربعون سببًا من أسباب سقوط الأندلس، وجاء في مقدّمتها: «غلبة العوامل العنصرية من قبلية وقومية على وشيجة الإسلام والأخوة الإسلامية، وفي نهايتها ضعف الفقه الحضاري، وغياب الوعي بسنن الله الاجتماعية في تقدّم الأمم وسقوطها، وما بين السبب الأول والأخير، تتوالى أمراض الفساد والفسق والعنصرية، وغياب الشورى والعدل، والانغماس في الشهوات والترف والحقد والصراعات الدموية المريرة على الحكم والنفوذ، وعقد المعاهدات السرية مع الأعداء.» ومن دون أن ينسى الدور الخطير الذي لعبته النساء في هذا السقوط الكبير، وتدخّل بعضهن في شؤون الحكم، فنشرن البغضاء والصراعات من وراء الكواليس، كما نشر بعضهنّ الفساد والانحلال، لا سيما الجواري والإماء، فكثيرًا ما كانت الجارية تستحوذ على قلب الأمير وزمام الحكم معًا، وتحوك المؤامرات، وتجنّد الأتباع لاغتيال وارثي الحكم والقادة. وما زالت تترّد أسماء «إيخلونا» أرملة الملك «لزريق» (رودريك)، ملك القوط، وتطلق عليها المصادر العربية اسم «أيلة»، والتي تزوّجها الوالي «عبد العزيز بن موسى بن نصير»، ودبّرت لقتله. و«إيزابيلا وطروب وصبح والذلفاء…»
والدرس كلّه، منذ فتح إسبانيا سنة 93هـ (710م)، وحتى سقوط غرناطة آخر المعاقل الإسلامية عام 897 هـ (1492م)، لا يزال ماثلاً ليذكرّنا «بأن تمزّق أية أمة وتنافرها، إنما هما نتيجة أخيرة لأمراض استبدّت بعقول أبنائها وقلوبهم،حتى أصبحت العقول ترجمة لمناهج متناقضة يهدم بعضها بعضًا، وأصبحت القلوب أوعية مريضة بالحقد والكراهية.»
ويقول الأمير «شكيب أرسلان» في وصفه لهذه الواقع: «فمشى الفساد في جنباتهم، وطار الطيش بعذباتهم، وتنازعوا ففشلت ريحهم، وجاءت تباريحهم، فجنوا من انقلاب أخلاقهم فقد خلاقهم، ونالوا من اعوجاج مسالكهم ضياع ممالكهم، وصاروا يرضون بكل حطّة، ويسلكون من الهوان كل خطّة، وهووا عن صهوات ذلك المجد العظيم، وأُخرجوا من جنّات وعيون وكنوز ومقام كريم.»
وبماذا يختلف ما قاله «اﺑﻦ رشيق القيرواني»، عن حكّام الأندلس يومًا:
«ومما يزهّدني في أرض أندلستلقيب معتضد فيها ومعتمدِ
ألقاب مملكة في غير موضعهاكالهرّ يحكي انتفاخًا صولة الأسدِ.»
بماذا يختلف هذا عمّا حذّر منه «ابن سيّار» من سقوط الأمويين:
«أرى تحت الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون له ضرامُ
فإن لم يطفها عقلاء قوم يكون وقودها جثث وهامُ
ففرّي عن رحالك ثم قولي على الإسلام والعرب السلامُ.»
وبعد كل هذا، فإننا عازمون على استحضار مجالس العزاء من جديد، للندب فوق رأس حالنا الأندلسية القابعة بين الطمي والخرائب، حيث تبقى الأندلس الجرح الغائر في وجدان المسلمين، والدمعة الشامة على خدّ الزمن العربي.
وقد يتراءى للبعض أن الحديث عن الأندلس، في مثل هذه اللحظات المأساوية الخطيرة التي تتربّص بالعالم، هو ضربٌ من الترف الأدبي، غير المسموح به، في وقت لا صوتَ فيه يعلو فوق صوت المعركة، ولا حديثَ يُقبل خارج إطار الاصطفاف السياسي، ولا رأيَ يطرح من دلو من غير دلاء الزيت المؤجّج للنار.
وفي عودة إلى العنوان المشحون بألاف الأسئلة المتفجّرة: عن الأندلس، ونحن على مبعدة قرون من المأساة، وعلى مقربة أيام من الزلزال الأندلسي العالمي،يُطلّ ظهْرُ التاريخ وهو مثقل بمآسي الانهيارات في غرب الدنيا كما في شرقها، وتزدحم المرويات بسقوط أعتى وأمنع الإمبراطوريات والحضارات، ويتصاعد طَوفان الدم والدمار، ليغمر الأرض بجثامين القتلى المتحاربين والضحايا الأبرياء، ويقف العالم، على شفا كارثة جديدة من فوضى الفناء، مترقّبًا التقاط بقايا أنفاس متحشرجة، تحاول أن تلفظ كلمة سَواء توقظ الإنسان المنحدر نحو البربرية.
في خضمّ هذا الصخب الدموي الهائج، تعاودنا كلمات العالم الفرنسي، «بيار كوري»، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1902، حيث قال: «تمكّنا من تقسيم الذرّة بالاستعانة بثلاثين كتابًا بقيت لنا من الحضارة الأندلسية. ولو كانت لدينا الفرصة لمطالعة المئات والآلاف من كتب المسلمين التي تعرّضت للإحراق، لكنّا اليوم نتنقّل بين المجرات الفضائية.»
وتصرخ في مسامعنا روح الشاعر الإسباني الغرناطي الكبير «غارسيا لوركا»، وهو ينتفض ردًا على سؤال أحد أصدقائه الرسامين: «أتظنّ يا لوركا أنها كانت لحظةً سعيدة تلك التي غادر فيها آخرُ ملوك العرب أبو عبد الله الصغير مدينةَ غرناطة؟ فأجاب: لا. أبدًا. لقد كانت كارثة…لقد توارت حضارة متألقة…غابت مدينة رائعة لتصبح غرناطة مدينةً ضئيلة فقيرة... وحين حاول أحدهم، وهو في أميركا، التهكّم عليه بسؤاله من أين أنت قادم؟ أجاب بخيلاء وكبر: إنني من مملكة غرناطة.»
وتبقى العبرة التي تتجاوز كل الأزمنة، والتي يصرّ الشيطان البشري على إنكارها، هي أن المدن العامرة لا تبُنى بالحجارة والأبراج والقصور والقلاع، إنما تُقام وتدوم بالعقول والمعرفة والحكم الرشيد وسيادة العدل والمحبة، وإلى أن نعي هذه الحقيقة، سوف نبقى جاثمين فوق أشلاء الحضارات، لنذرف دموع الخيبة كما فعل «عبد الله الصغير»، آخر سلاطين غرناطة، وهو يسلّم مفاتيحها خانعًا لـ«فرديناند وإيزابيلا».
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل
