الإسكندرية .. إمارة أندلسية على ضفاف المتوسط

أحمد بسيوني 

حين تذكر الأندلس تتجه الأنظار إلى قرطبة وغرناطة وإشبيلية وإلى ذلك الفردوس الحضاري الذي جمع بين الشرق والغرب في لوحة إنسانية فريدة. غير أن صفحات التاريخ تخفي فصلا أقل شهرة  لكنه لا يقل أهمية وهو ارتباط مدينة الإسكندرية بتاريخ الأندلسيين حتى أصبحت لفترة من الزمن إمارة أندلسية على الساحل الجنوبي للبحر المتوسط.

ففي مطلع القرن التاسع الميلادي وبعد اضطرابات شهدتها مدينة قرطبة في عهد الحكم بن هشام  اضطر عدد كبير من الأندلسيين إلى مغادرة وطنهم. وتفرقت جموعهم بين بلدان البحر المتوسط حتى وصلت مجموعة منهم إلى مدينة الإسكندرية تلك المدينة العريقة التي كانت دائماً بوابة للتفاعل بين الحضارات والثقافات.

استطاع الأندلسيون بفضل خبراتهم التنظيمية والعسكرية أن يفرضوا وجودهم في الإسكندرية وأن يؤسسوا فيها كيانا سياسيا مستقلا حتى وصفها بعض المؤرخين بأنها “إمارة أندلسية”. ولم تكن تلك الإمارة مجرد وجود عسكري عابر بل كانت تجربة حضارية حملت معها روح الأندلس القائمة على الانفتاح والتعددية والتفاعل الثقافي.

شهدت الإسكندرية خلال تلك الفترة حضورا أندلسيا لافتا في مجالات التجارة والعلوم والفنون وأصبحت المدينة محطة مهمة في مسيرة الأندلسيين الذين حملوا معهم تراثهم الفكري والحضاري. ومن الإسكندرية انطلقت لاحقا مجموعات منهم نحو جزيرة كريت حيث أسسوا هناك دولة أندلسية أخرى.

إن هذه الصفحة من التاريخ تؤكد أن الإسكندرية لم تكن مجرد مدينة مصرية عريقة فحسب بل كانت أيضاً ملاذا للأندلسيين وموطنا لإحدى التجارب السياسية الأندلسية خارج شبه الجزيرة الإيبيرية. ومن هنا يمكن القول إن الإسكندرية استحقت بجدارة أن تذكر في تاريخ الأندلس بوصفها الإمارة الأندلسية التي احتضنت أبناء الأندلس وحفظت جزءا من إرثهم الحضاري على ضفاف البحر المتوسط.

وهكذا.. تظل الإسكندرية مدينة استثنائية قادرة عبر العصور على احتضان الثقافات والشعوب المختلفة لتؤكد دائماً أنها مدينة البحر والتاريخ وملتقى الحضارات وواحدة من أهم المحطات المضيئة في رحلة الأندلسيين عبر العالم.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply