
أحمد الحاج
حدث ذات ربيع وقبل 48 ساعة من موعد انطلاق رحلتنا السياحية على متن خطوط طيران أيبيريا الى إسبانيا، كنا قد ذهبنا سوية أنا وثلّة من الأصدقاء في جولة الى شارعي الرشيد والمتنبي وسط العاصمة بغداد مررنا خلالها ببيت الحكمة الذي يمثل أول مكتبة مخصصة للفهرسة وترجمة الكتب في العالم، ومن ثم ثنينا بالقصر العباسي، فالمدرسة المستنصرية وتعدّ أول جامعة في التاريخ، عرّجنا قبلها على سوق السرّاجين والورّاقين والكتب وساعة القشلة، التقطنا صوراً تذكارية عند تمثال الشاعر المتنبي، ونصب الشاعرة نازك الملائكة، ولعلّ أبرز ما لفت إنتباهنا خلال جولتنا هو أن كل مَعلَمٍ من هذه المعالم الأثرية والتراثية والفلكلورية كان يذّكرنا عرضاً بالأندلس وحضارتها التي يشهد لها القاصي والداني، العدو قبل الصديق.
على أرصفة شارع الثقافة اطلعنا على رواية “حي بن يقظان” لابن طفيل الأندلسي، التي ناقشت موضوعة الإنسان الحيّ النشط دائم البحث عن الحقيقة محتفظاً بعقله المتوّقد اليقظ، هذه الرواية الفلسفية العميقة التي ألهمت فيما بعد الروائي الانجليزي دانيال ديفو، لكتابة روايته الشهيرة “روبنسون كروزو” التي نشرت عام 1719م، كما أن رواية ابن يقظان هي التي ألهمت الروائي الأمريكي إدغار رايس بوروس لتأليف روايته المعروفة “طرزان القردة” عام 1912م، وقبله الروائي الإنجليزي روديارد كبلينغ لكتابة روايته “كتاب الأدغال” وقصة الطفل ماوكلي التي نشرت أول مرة عام 1894م.
وكما أن شخصية “حي بن يقظان” المنسوجة من وحي خيال، ومن بنات نتاج تراكم الأندلس المعرفي والفلسفي قد ترعرعت وتربت بحضن غزال في جزيرة نائية، فقد نشأ طرزان المقتبس عنها مع الغوريلا في الأدغال، وماوكلي مع الذئاب في الغابة، وهكذا ألهبت فلسفة الأندلس وآدابها وفنونها المختلفة الأصيلة وغير المنتحلة التي لا تحصى، خيال الأوروبيين، وأشعلت جذوة حماستهم الروائية، وصقلت مواهبهم الأدبية على مر قرون !
اقتنينا خلال رحلتنا البغدادية الماتعة تلك المرتبطة بحضارة الأندلس تاريخياً ووجدانياً ومعرفياً، كتاب “طوق الحمامة” وكتاب “المحلى في الفقه الظاهري” وكلاهما لعلامة الأندلس وفقيهها الكبير ابن حزم الأندلسي، أتبعناهما بكتاب “تهافت التهافت” الذي رد فيلسوف الأندلس ابن رشد، بين دفتيه ومن خلال سطوره على كتاب عالم بغداد والمدرسة المستنصرية وزاهدها الأشهر الإمام الغزالي، المعنون بـ”تهافت الفلاسفة”، ذاك أن ارتباط حضارة الأندلس بعمق جذورها وألق أغصانها وطيب ثمارها مع حضارة العراق برونقها وبريقها وأصالتها، كان وما يزال وسيظل متجذراً وعميقا تكاد تتلمسه بين أروقة المعالم والمتاحف والمكتبات، تتذوق لحنه الشجي بين إيقاع الموشحات والمقامات والابتهالات، تتنسم عبقه مع صياح الديكة، وأذان الفجر، مع زقزقة العصافير وإطلال الصباحات، ولا جديد تحت شمس كتابة التاريخ يُروى، ولا قديم فوق أديم فلسفة التاريخ وصناعته يُعاد، إنما هي خواطر رحالة عاشق لا يريد أن يُنسَى لحضارتيه العريقتين الأصليتين ذِكرٌ، ولا أن يندرس لمَعشوقَتيه على مر العصور عمدا أو سهوا أثرٌ!
تجاذبنا أطراف الحديث ونحن نشرب استكانات الشاي، ونرتشف فناجين القهوة جلوسا على مقاعد مقهى الشابندر الفلكلوري بمعية عدد من الباحثين حول سيرة العلامة أَبُو القاسم خلف بن عباس الزهراوي، المولود بالقرب من قرطبة سنة 936م، وكيف كان الرجل جرّاحاً ماهراً اخترع العديد من الأدوات الجراحية المهمة، فضلاً على اكتشافه الطبيعة الوراثية لمرض (الهيموفيليا)، وهو أول من وصف عملية القسطرة، وأول من توصّل الى وقف النزيف بربط الشرايين بخيوط الحرير، ومن أشهر مؤلفاته كتاب (التصريف لمن عجز عن التأليف) الذي ظلّ مرجعا في الطب لخمسة قرون متتالية في عامة أوروبا!
تناولنا مسيرة رائد العلاج الضوئي والكيميائي وأحد أشهر علماء النبات والصيدلة في التاريخ، ضياء الدين أبو محمد عبد الله المَعروف بـ” ابن البيطار” المولود في مالقا عام 1197م، ومن أشهر مؤلفاته (الجامع لمفردات الأدوية والأغذية) الذي تضمن 1400 عقار، إضافة الى كتبه المهمة الأخرى”المغني في الأدوية المفردة” و”رسالة في تداوي السموم”و “ميزان الطبيب” وقد تأثر به المستشرق الألماني فون زونتهايمر، والطبيب الفرنسي لوسيان لوكليرك.
أكملنا سمرنا وأحاديثنا بعد وجبة الغداء عن علماء حضارة شبه جزيرة أيبيريا في مقهى الزهاوي التراثي القريب، لنتناول هذه المرة و بمعية المؤرخين، مؤلفات الطبيب والمؤرخ الأندلسي المولود في قرطبة، عريب بن سعيد القرطبي، وهو مؤلف كتاب”خلق الجنين وتدبير الحبالى والمولودين”، وكتاب”عيون الأدوية”، وقد جعلنا من القرطبي رائداً لطب الاطفال، وعلم التوليد ومبتكرهما بحقّ، قبل أن نختم جلستنا بالطبيب الفلكي الرياضي والفيلسوف الأندلسي”ابن باجة”، وغريمه الطبيب والأديب “ابن زهر” الذي عدّه الفيلسوف الاندلسي ابن رشد، أبرع من جالينوس في علوم الطب، ومن مؤلفاته في ذلك كتاب”التيسير في المداواة والتدبير” و” رسالة في علتي البرص والبهق” و”مقالة في علل الكلى” و” التذكرة “.
وأنّى لنا أن لا نناقش من بغداد العلم التليد والتاريخ المجيد، شعاع حضارة الأندلس المديد، وكلاهما على ارتباط وثيق بالآخر، فهذا المستشرق بروفنسال، يؤكد بأن رائد الطيران الأول في التاريخ، عباس بن فرناس القرطبي، كان قد رحل إلى العراق ثم عاد منها إلى الأندلس حاملا كتاب “السند هند” في الرياضيات فأجاد الرسم الهندسي، وصار من كبار المهندسين ليبتكر الزجاج الشفاف، وأول قلم للحبر السائل، وأول آلة لقياس الوقت كانت قد ألهمت معظم مبتكري وصُنَّاع الساعات من بعده، كذلك ابتكاره أول آلة لرصد الكواكب السيارة والنجوم .
لم يختلف الحال مع مبتكر الوتر الخامس للعود، الموسيقي العباسي الشهير، والشاعر الفذ “أبو الحسن علي بن نافع” المعروف بـ “زرياب”، المولود ببغداد في القرن الثامن الميلادي، المتتلمذ على يد إسحاق الموصلي، حيث كانت رحلته الى بلاد الأندلس وتحديدا الى قرطبة، بداية لعهد أندلسي ومن ثم أوروبي جديد على مختلف الصعد في مجالات العزف والفنون والأزياء والاستحمام والطبخ والاتيكيت والعطور، وزرياب هو مبتكر توقيتات وجبات الطعام الثلاثة ( فطور،غداء ،عشاء)، ومبتكر فنون الشواء وأطباق المائدة الثلاثة التي تبدأ بالحساء مرورا بطبق الوجبة الرئيسة لتنتهي بالحلويات، كما أنه مبتكر الزي الصيفي والشتوي، وأول مدرسة لتعليم العزف والموسيقى في أوروبا، زيادة على تطويره لفن الموشحات الأندلسية المبهر الذي يشنف الأسماع، ويخلب الألباب!!
سرديات بين الإنصاف والإجحاف
لا شك أن إشكالية سرد التاريخ الأندلسي على طريقة الإخباريين والحشويين والحكواتية من دون محاولة فهمه، أو تفسيره، أو نقده، أو تحليله، أو حتى نفي جلّ أو كلّ ما يتعارض منه مع العقل الصريح والنقل الصحيح، ومن غير استدعاء ما قبله، واستجلاء ما تزامن معه، واستشراف ما بعده، كلها صارت عبئا على التاريخ الأندلسي برمته خاصة، وعلى التاريخ البشري عامة، فهناك من المؤرخين من يكتب ويهمش ويذيل ويخوض في ثلث تاريخ الأندلس فحسب، فيما يهمل سهوا أو عمدا ثلثيه الآخرين، ومن المؤرخين من يُسهِبُ في المقدمات، إلا أنه يَختَزِلُ في النتائج، ومنهم وعلى النقيض ممن سبقه تراه يُطنِبُ ويُفصِلُ ويُؤصِلُ في المُخرجات، إلا أنه يمرّ سريعا مرور المُنبَت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى عند تناوله للمدخلات ليأتي السرد التاريخي الأندلسي لكلّ واحد من هؤلاء مبتسرا أو متحاملا أو متحيزا عادة ما يفتقر الى الدقة والموضوعية في كثير من الأحيان،ولعل الدكتور عبد الرحمن الحجي يُعَدُ استثناء من تلكم المعادلة،لأن الحجي وعلى مدار 40 عاما كان قد بحث في “صناعة وفلسفة التاريخ الأندلسي” بالتزامن مع البحث في سردياته ومجريات أحداثه ووقائعه متناولا في جهده المبذول الجاد والدؤوب، التاريخ الذي كتبه عشاق الأندلس وخصومها على حد سواء، بعيدا عن متلازمة التاريخ الذي يكتبه المنتصرون المتحاملون، وعن التاريخ الذي كتبه ويكتبه الراحلون المنهزمون، أو العاشقون النوستاليجيون، ليترك لنا الحجي إرثا ثقافيا تنهل من صفحاته الأجيال كابرا عن كابر، وليورثنا نحن معاشر الكتاب والمثقفين والصحفيين والباحثين معينا ثرّاً دافقا نغترف من مائه العذب الزلال ما شاء لنا ذلك لنُرضي فضولنا العلمي المتواصل، ولنُطفىء نيران عطشنا البحثي الدائم ونرتوي!
ولذلك لقب البروفيسور عبد الرحمن الحجي بـ” شيخ مؤرخي الأندلس” وكان قد بدأ دراساته العليا في الساميّات بين 1960-1961م بجامعة مدريد،قبل حصوله على الدكتوراه في التاريخ الأندلسي عام 1966م في جامعة كيمبردج البريطانية بأطروحته الموسومة “العلاقات الدبلوماسية الأندلسية مع أوروبا الغربیة خلال المدة الأموية” ومن مؤلفاته وتحقيقاته الشهيرة (أندلسيات)، (مع الأندلس لقاء ودعاء)، (ابن زيدون السفير الوسيط)، ( تاريخ الموسيقى الأندلسية)، ( شعر العلماء في الأندلس)، ( الحضارة الإسلامية في الأندلـس)، (هجرة علماء الأندلس)، (جغرافية الأندلس وأوروبا) وغيرها كثير، وهكذا ظل الحجي يؤلف ويكتب ويحقق في تاريخ الأندلس حتى وفاته في العاصمة الإسبانية مدريد، في 18 /كانون الثاني/ 2021م، عن عمر ناهز الـ 86 عامًا.
رحلة استكشافية ومرثيات على الأطلال
انطلقت رحلتنا السياحية الى العاصمة الإسبانية مدريد لنشرق ونغرب إنطلاقا منها وإليها إلى كل ربوع ومدن ومعالم الأندلس العريقة التي تتميز بالهندسة المعمارية والأقواس والأسقف والأعمدة الرخامية والمقرنصات والنقوش المذهلة، والتي تتفرد بالزخارف النباتية والخطوط العربية المكتوبة بالخط الكوفي والنسخ الرائعة بالحدائق والبساتين الغنّاء ونافورات المياه الهندسية المبهرة، بالحصون والقلاع والجوامع والأسواق والحمامات وأنظمة الري البديعة التي تجسد أمام ناظريك بقايا حضارة ملهمة دامت لقرون طويلة، وهكذا في كل من غرناطة، إشبيلية، قرطبة، ملقا، طليطلة، وسرقسطة حيث سور المدينة العربية بالقرب من العاصمة مدريد، وقصبة مالقا ويعود تاريخ بنائها الى القرن الحادي عشر الميلادي، وعلى منوالها برج الذهب وكان قد شيد في اشبيلية عام 1221م، مسجد قرطبة الكبير وقد بني على مراحل منذ عام 785 م، قصور بني نصر، وقصر الحمراء وقد بني وتمت توسعته بأمر من مؤسس سلالة بني نصر، محمد بن الأحمر، بين عامي 1238 – 1273 م ، كذلك قصر شنيل ويعود تاريخ بنائه إلى عام 1218 م، وقلعة بوجلنص، وكلا المعلمين الأثريين المبهرين يقعان في مدينة غرناطة، مسجد باب المردوم في مدينة طليطلة، مدينة الزهراء وتعد إحدى أهم المدن الأندلسية بالقرب من قرطبة كان قد استخدم الذهب والرخام ببنائها في عهد عبد الرحمن الناصر لدين الله.
حضارة عريقة سادت ثم بادت ولم يبق منها إلا أطلالها ورسمها بعد أن تسلل إليها داء الأمم من قبل وأنهكها صراع أمراء وملوك الطوائف الذي احتدم بينهم على حطام الدنيا الفاني فأطمع فيها كل صاحب غرض، وجرأ عليها كل من كان يحسدها أو يعاديها، حتى رثاها القاضي الفقيه المحدث أبو البقاء الرندي الأندلسي، وكان شاعرا لوذعيا وأديبا ألمعيا أريبا عقب سقوط مملكة غرناطة عام 1492م وكانت الأخيرة بين الممالك الأندلسية التي تساقطت كأوراق الخريف تباعا، قبل أن يذرف أبو عبد الله الصغير آخر ملوك الأندلس ويذرف دمعته الأخيرة حزنا على فراق غرناطة والى الأبد أثناء تسليمها سنة 1493م الى ملك قشتالة فرناندو، وزوجته الملكة إيزابيلا، وقبل أن توبخه أمه عائشة الحرة،بعبارتها المأثورة : “ابك كالنساء ملكا لم تدافع عنه كالرجال”، ويقول الرندي في مطلع قصيدته النونية المعنونة بـ ” رثاء الأندلس”:
لكل شيء إذا ما تم نقصان …فلا يُغَرَّ بطيب العيش إنسان
هِيَ الأمُورُ كما شاهدتها دُوَلٌ…مَنْ سَرَّهُ زَمَنٌ سَاءتْهُ أزْمَانُ
وهذهِ الدارُ لا تُبْقي على أحدٍ …ولا يدومُ على حالٍ لها شانُ
**المصادر :
1- كتاب “مُعجم العلماء العرب” .
2- كتاب”موسوعة عباقرة الحضارة العلمية في الإسلام” .
3-كتاب”الأعلام للزركلي” .
4- كتاب “الأثر العربي للحضارة العربية الإسلامية”.
5-الموسوعة العربية .
6-كتاب “شمس العرب تسطع على الغرب”.

