نحو الأندلس… حيث يختبرُ القَدَرُ ما تبقّى

المغير الحمداني

ملخّص الرواية القصيرة “ملحمة النجاة1https://www.amazon.co.uk/%25E2%2580%25AB%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%A9-%D9%85%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%A3%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9%25E2%2580%25AC-Arabic-ebook/dp/B0GX2YFCMV?author-follow=B0GXNBDB27” والفصل الخامس منها:

بعد سقوط الدولة الأموية، يفرّ الأمير عبدالسلام بأسرته ورجاله من الشام هربًا من المطاردة والقتل. تقوده رحلة النجاة عبر مصر وشمال أفريقيا، حيث يواجه الفقد والخوف وشظف العيش بعد حياة القصور. وبعد رحلة شاقة، يستقر مع أسرته ورجاله في أمور أكوش، ويبدأون بناء حياة جديدة تقوم على العمل والزراعة. وحين تبلغه أخبار عبدالرحمن الداخل في الأندلس، يقرر عبور البحر للقائه، لتبدأ مرحلة جديدة من رحلته

𖣔𖣔𖣔

نحو الأندلس…

لم يكن قرار الرحيل هذه المرّة هروبًا من سيفٍ ولا خوفًا من راية، بل كان فرارًا من صمتٍ أثقل على القلب من الضجيج، ومن ابنٍ يبتعد كل يوم خطوة عن أبيه، ومن نفسٍ عرفت الزهد، لكنها ما زالت تُبتلى بأقرب ما تحب.

في أمور أكوش، حيث تعلّم عبد السلام معنى الخبز الذي يُنتزع من الأرض، وحيث صار الأمير فلاحًا، والحاكم رجلًا بين رجال، وصل خبر الأندلس لا كنداء نصر، بل كاختبارٍ جديد…

هل يُداوي المجد جراح الأبناء؟

أم أن بعض الرحلات لا تُقصد للوصول، بل لمعرفة إن كان في القلب متّسعٌ بعد لكل هذا الحمل؟

شدّ الأمير أمره، لا طمعًا في سلطان،

ولا شوقًا لراية،

بل لأن في الأندلس رجلًا من دمه…

وربما في لقائه خلاصٌ،

أو بداية وجعٍ آخر.

رجب سنة تسعٍ وثلاثين ومئة

أراد الأمير عبد السلام — الذي عُرف في هذه البلاد بأبي الوليد الشيباني — أن تستقر الأمور لابن عمّه في الأندلس.

كان قد بلغه انشغال عبد الرحمن الداخل بإخماد الفتن، وتوحيد الصفوف، وكثرة مناوئيه، غير أنّ سمعته في العفو والتسامح سبقته؛ حتى قيل إنه يوم انتصر على يوسف الفهري، نهى جنده عن تتبّع الفارّين قائلاً:

«دعوا من هرب، فلعلّه يكون حليف الغد.»

لكنّ الأمير، على ما بلغه من أخبار الطمأنينة، كان قلبه مشغولًا بولده الوليد، وقد أثقله حاله وأقلقه شأنه.

فدعاه ذات صباح.

دخل الوليد، وسلّم، وقد بدا عليه الإهمال والتعب.

قال الأمير، وهو يتأمّل ابنه طويلًا:

— يا بُني، بلغك ما بلغني عن ابن عمّنا عبد الرحمن، وقد عزمتُ المسير إليه… وأريدك أن تصحبني.

ضحك الوليد ضحكة قصيرة، فيها مرارة وسخرية، وقال:

— دولةٌ أخرى؟ ومقتلةٌ أخرى؟ ثم سقوط، ففرار، فتخفٍّ؟

إلى أين يا أبي؟ إلى متى؟

أجابه الأمير بهدوء:

— هذا حال الدنيا يا ولدي، لم تدم دولتنا، ولن تدوم لغيرنا.

ردّ الوليد، بنبرة لاذعة:

— إذن دعنا نعيش كعامة الناس، بلا سلطان ولا بيعة.

قالها ساخرًا وأضاف:

— يا أبا الوليد الشيباني.

اشتدّ نظر الأمير، وقال:

— ما جرى علينا جرى على غيرنا، وبقاء الحال من المحال.

قهقه الوليد، وقال:

— نعم… غيّرت اسمك، فماذا بقي؟

أأنت اليوم شيباني؟ أم فهري؟ أم عباسي؟

كلها صالحة يا أبي… في زمن الخوف.

لحظ الأمير أثر الخمر في كلام ابنه، وفهم أن اليأس قد بلغ به مبلغًا خطيرًا، وأنه لا يعي ما يقول.

فنهض فجأة، وصاح بصوتٍ حازم:

— يا زيد!

دخل قائد الحرس فزعًا:

— أمر مولاي.

— قيّدوا الوليد، وخذوه إلى مخزن العلف في الحضيرة، ولا يخرج منه إلا بأمري.

تجمّد الحاضرون في أماكنهم، ولم يتحرّك زيد.

فصاح الأمير:

— يا زيد!

— سمعًا وطاعة، مولاي.

وكان الوليد يُسحب وهو يصرخ:

— أتظنّ حكمك باقٍ؟!

لقد انتهت أيّامك يا ابن سليمان!

جُمِد عبد الله بن قثم في مكانه، وشحب وجه محمد زوج الميساء، ونظر عامر والحكيم إلى الأرض.

لم يكن ما شهدوه غضب أبٍ فقط…

بل لحظة انكسارٍ أخيرة لرجلٍ أدرك أن الرحمة، إن لم تُمسك بزمامها، قد تقتل من نحب

مرّت أيّامٌ والوليد في سجنه، في مخزن العلف.

جاءت سميّة تتوسّل الأمير أن يعفو عن ابنها، فهدّأها وهو يعرف قلب الأم،

لكنّ له حسابًا آخر لم يُفصح عنه.

وبقي الحال على ما هو عليه،

على الرغم من وساطات عبد الله بن قثم، ومحمد، وكلام الحكيم جابر.

وبعد شهرٍ كامل،

أمر الأمير قائد الحرس أن يُؤتَى بالوليد مقيّدًا.

مثل الوليد بين يدي أبيه،

في حالٍ يُرثى لها، شاحب الوجه، منكسر النظرة.

قال الأمير بصوتٍ ثابت:

— أتظنّ أنّي قسوتُ عليك؟

لم يجبه الوليد.

فصاح الأمير بصوتٍ مهيبٍ هزّ المكان:

— أهذه قسوةٌ عندك؟

إن كان هذا ما تظنّه، فأنت جاهل…

لم ترَ كيف كنّا نظلم من يُخالِفنا.

ولو كنتَ عند غيرنا، لقطّعوا أوصالك بلا تردّد.

رفع الوليد رأسه، وقد بدأ الخوف يتسلّل إلى سمعه وقلبه.

تابع الأمير بمرارةٍ ساخرة:

— أتظنّ ما جرى عليك كارثة؟

يمرّ على الناس ما هو أسوأ ممّا مرّ علينا،

ويمرّون بابتلاءاتٍ أقسى،

لا من ظلم البشر فقط…

بل من قسوة الدنيا نفسها.

اقترب خطوة، وقال:

— هل ذُقتَ الجوع يومًا؟

هل رأيتَ أباك يحمل الأثقال على ظهره ليأتيك برغيف خبز؟

طبعًا لا…

لأنّ أباك كان أميرًا مترفًا.

ثم تغيّر صوته، وصار صوت الأب لا الأمير:

— يا ولدي…

الناس مرّوا بما هو أقسى، ولم يكونوا من نسل الأمراء.

الدنيا تُريك شدّتها ولينها،

وأنت من يختار كيف يقف أمامها.

لا تنهَر من أوّل امتحان.

شدّ ظهرك، وأصلِب عودك، وقف رجلًا.

ستعرف الدنيا مقامك،

وستعطيك حقّك حين تعرف كيف تطلبه.

اغرورقت عينا الوليد، وقال بصوتٍ منكسر:

— سامحني يا أبي…

نهاية شعبان سنة تسعٍ وثلاثين ومئة

استقرّ نظام المزرعة، وصار يتحرّك على نسقٍ ثابتٍ كأنه كُتب له منذ البدء.

تُزرع المحاصيل الموسمية في أوانها، ويُلقّح النخيل، وتُحصد الثمار، ثم تُساق إلى الأسواق،

حتى غدت الأرض كأنها تعلّمت الطاعة بعد طول فوضى.

وكان الوليد جزءًا من هذا النظام… بل أبدع فيه.

فقد أشار بزراعة محاصيل لم تكن المزرعة تعرفها من قبل،

وسعى في تطوير العمل، حتى بدا كأنه وجد نفسه أخيرًا في التعب لا في اللهو.

راق ذلك لعبد السلام، واطمأن قلبه، وقال في نفسه:

ما كنتُ أرجو أكثر من هذا، ولا تمنيّتُ غيره.

وحلّ شهر رمضان

فصام من في البستان جميعًا،

وبنى الأمير مسجدًا صغيرًا تُقام فيه الصلوات،

فإذا فرغوا من الصلاة جلس عبد السلام يفطر مع الحرس والموالي،

لا يميّز بينهم مجلسًا ولا لقمة.

وقال يومًا وهو ينظر في وجوههم:

«نعيمٌ لم أذقه قط،

وخيرٌ ما تمنّيتُ خيرًا منه.

أحمدُ الله على فضله.»

ثم أضاف بصوتٍ فيه امتنانٌ صادق:

«وإني إذ أحمد الله على نعمته،

أشكر كلَّ فردٍ منكم على ما بذل من صبرٍ وعون.

فما بلغنا هذا إلا بكم.»

وسكت لحظة، ثم قال:

«وقد عزمتُ، بعد انقضاء هذا الشهر الفضيل،

أن أغادركم زمنًا لأزور ابن عمّنا عبد الرحمن.

لا طمعًا بخيرٍ أحسن من هذا،

بل طلبًا لأمانٍ أوثق.

فنحن نعيش متستّرين،

نخشى خبرًا يخرج أو اسمًا يُفتضح،

فنغدو عرضةً للهلاك.

ولعلّ في الأندلس أمانًا نرتجيه.»

منتصف شوال سنة تسعٍ وثلاثين ومئة

تهيّأ الأمير للخروج،

وقرّر أن يصطحب معه الوليد، والحكيم جابر بن الأشرف.

ودّع عبد الله بن قثم، ومحمد بن سليمان، وزيد قائد الحرس،

وأوصاهم بأهله وبالعوائل، وقال:

— اعتنوا بأنفسكم، ولا تُدخلوا أنفسكم في خصومةٍ أو نزاع.

إن كان لكم حقٌّ فاطلبوه بالمعروف،

وإن وقع عليكم باطلٌ فادفعوه بالحكمة.

فقد قال الله تعالى:

ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌّ حميم.

ثم ركب راحلته،

وسار ومن معه باتجاه طنجة.

وبعد مسيرة يومٍ وبعض يوم بلغوا الساحل،

فاكتروا سفينةً تخصّهم،

وأبحروا نحو الأندلس.

وحين لاحت لهم سواحلها،

اتجهوا مباشرةً إلى قرطبة،

حيث قصر الأمير عبد الرحمن بن معاوية،

الملقّب بـ الداخل.

✦ في طريق الأندلس

كان الأمير يقصّ على مرافقيه أخبار عبد الرحمن بن معاوية،

كيف تركه غلامًا في الثامنة عشرة،

وكيف عُرف برجاحة العقل وهيبة الحضور،

حتى بلغوا قرطبة.

وقفوا على باب القصر،

وطلبوا الإذن.

فاذن لهم

فخرج عبد الرحمن مرحّبًا:

«مرحبًا أبا الوليد.»

ثم قال مبتسمًا:

«لقد أرجعنا القصر منذ أيام،

فقد حاول الفهري السيطرة عليه،

فلما عدنا هرب.

حدّثني الآن… ما الذي جرى عليك؟»

روى كلٌّ قصته،

وكيف انتهت بهم الرحلة إلى هنا بعد طول عناء.

فقال عبد الرحمن:

«لا يا ابن العم،

سأخصّص لك قصرًا بخدمه وجواريه،

وأجعلك مستشارًا لي.»

فأجابه الأمير بهدوء:

«والله ما جئتك طالبًا قصورًا ولا خدمًا،

إنما جئتك أبحث عن أرضٍ آمنة.»

ابتسم عبد الرحمن وقال:

«هذا ما تستحق، يا أبا الوليد.»

فأمر له بقصرٍ وخراج،

وأكرمه غاية الإكرام.

الاستئذان بالرحيل

أقام الأمير مدة،

ثم استأذن في العودة ليأتي بأهله وأتباعه،

بعد أن يرتّب شؤونهم في البستان.

قال عبد الرحمن متعجبًا:

«أمستعجل أنت يا ابن العم؟»

قال الأمير:

«ليس استعجالًا،

ولكن الاستقرار لا يكتمل إلا بالأهل.»

فقال عبد الرحمن:

«اذهب أنت والحكيم،

ودع عندي الوليد.

سأُخرجه معي لقمع فتنةٍ اشتعلت،

ليرى البلاد،

ويجاهد مع العباد.»

تغيّر وجه الأمير،

وقبض قلبه خوفًا على ولده،

فهو لم يأتِ ليبدأ حربًا جديدة،

بل ليُنهي رحلة الخوف والعناء.

جمادي الأول سنة أربعين ومئة

مرّت أشهر عديدة على الأمير وهو ساكن في قصره مع الوليد ومستشاره الحكيم جابر. لكن عندما قرر الأمير عبدالسلام أن يستأذن من الأمير عبد الرحمن بالعودة إلى أمور أكوش لاستكمال مهمته هناك، طلب منه عبد الرحمن أن يترك معه ولده الوليد ليتنقل بين طليطلة وإشبيلية. اضطر عبدالسلام إلى الموافقة، لكنه قرر تأجيل سفره متحججًا بالحاجة إلى الراحة. والحقيقة أنه كان يخشى على ابنه.

كان الأمير عبدالسلام يستفيق في الصباح الباكر، يتجول بين بساتين قصره، ثم يعود ليجلس مع الحكيم أو مع أبناء عمومته الذين يزورونه. وبعد ذلك، كان يدخل غرفته لينعزل، حيث كان يفرغ همه بالبكاء علّه يخفف من ألمه.

ويحدث نفسه ويُلومها:

“هل هذا ما جئت من أجله يا عبدالسلام؟ قصر وحدائق وأموال؟”

فيجيب نفسه: “لا، بل من أجل الأمان جئنا.”

ويواصل الحديث:

“وأي أمان؟ وقد خرج ولدي مع الأمير عبد الرحمن إلى أرضٍ يكثر فيها القتال والأعداء؟! حتى مقامنا هذا كان مهددًا قبل أن نصل، وأعيد من حيث أتى.”

ثم يتساءل:

“هل كان هذا حقًا ما أردت؟ أن أعيش في عزٍ وثراء؟ وهل كان هذا سببًا كافيًا للهرب من أيام كان فيها الحذر والألقاب؟

يجهش بالبكاء بعد هذه الحوارات الداخلية ويخرج مختنقًا، محاولًا إيجاد بعض الراحة في حديثه مع الحكيم.

قال له عبدالسلام: “يا جابر، لقد مللت هنا.”

رد جابر: “إذاً لنرجع، يا أمير. نرجع إلى هناك، نقضي بضعة أشهر، ثم نعود مع الجميع أو لحالنا كما تشاء.”

قال عبدالسلام: “لا أخفي عليك يا جابر أن قلق قلبي على الوليد يمنعني. ولكنني أعلم أن بقائي هنا لا يُجدي، لكنني لا أستطيع العودة. قلبي لا يسمح لي.”

رد الحكيم جابر: “ولكن هناك أهلنا، أليس من الأفضل أن نطمئن عليهم؟”

قال عبدالسلام: “أتعلم يا جابر، أشعر أنه عندهم هناك أمان أكثر من هنا. لكن ارحل أنت، وابقَ هناك فترة، ثم تأتينا بالأخبار.”

فرح جابر برد الأمير، لكنه حاول أن يظهر عدم رغبته في تركه وحيدًا.

قال الأمير: “اذهب يا حكيم، هذا أمري.”

رمضان – قرطبة – سنة أربعين ومئة

كان الأمير عبدالسلام وحده في قصرٍ كبير، تحيط به جدران عالية، تزيد وحدته ولا تحميه منها.

جلس بين السكون، تقوده أفكاره إلى مقارنةٍ لا تفارقه:

سعادةٌ قضاها بين أهله في أمور أكوش، وبساطةٌ عرف فيها طعم الطمأنينة،

ووحدةٌ يعيشها هنا، في قلب السلطان، بلا ولدٍ ولا أهل.

دخل حاجب القصر وقال:

— رجالٌ من أبناء عمومتك يستأذنون للزيارة.

قال الأمير، وقد وجد في ذلك مهربًا من صمته:

— أهلًا بأبناء العم… لعل الحديث يخفف بعض الهم.

دخل الأمراء، فاستقبلهم عبدالسلام مرحّبًا:

— أهلًا بكم يا أبناء العم، شرفتموني بزيارتكم.

دارت بينهم أحاديث عن الأحوال، وعن الأيام، ونقل بعضهم أخبارًا عمّا سمعوه:

عن مسيرة الأمير عبد الرحمن،

وعن مناوشاتٍ وقعت بينه وبين أصحاب فتنٍ يكمنون له،

وعن عشائر بايعته ثم نكثت،

ثم ذكروا — على استحياء — أن تعرّضًا شرسًا وقع له في إحدى المسيرات،

وأن أميرًا من أبناء عمومتهم قُتل معه…

غير أنهم لم يجزموا باسمه.

عندها نهض عبدالسلام فجأة، ونفض ثوبه دون وعي،

وقد باغته القلق والخوف على ولده.

ظنّ أبناء العم أن الأمير يريد الخلوة،

فاستأذنوه وغادروا،

وبقي وحده…

أشدَّ وحدةً مما كان قبل دخولهم.

محرم، قرطبة، سنة إحدى وأربعين ومئة

مرّت الأشهر، والأمير عبد السلام تمزّقه وحدته، ويأكله القلق على ولده الوليد، ولا خبر يرده عن عبد الرحمن ولا عن ابنه.

وكان الحكيم جابر قد عاد قبل شهر، يحاول التخفيف عنه، فلم يفلح؛ فبعض الأحزان لا يداويها الكلام.

وفي يومٍ شاع في قرطبة خبرٌ هزّ القلوب:

أنّ عبد الرحمن بن معاوية عائدٌ إلى قرطبة،

وأنّ أميرًا يُدعى الوليد قد قُتل قبل أشهر،

وأنّ عبد الرحمن دفنه بيده في طليطلة، وقد كان حزينًا عليه.

عندها أدرك عبد السلام أن المحذور قد وقع.

نهض فجأة، لا يدري إلى أين يمضي، ولا يقوى على النطق بكلمة.

راح يجوب أروقة القصر كمن فقد طريقه،

تطارده صور ولده،

يراه مجندلًا بدمه،

فيركض إلى غرفته،

ويغلق الباب على نفسه،

ويجهش بالبكاء وحده.

ومرّت الأيام،

وهو يبعث الرسائل إلى عبد الرحمن،

رسالة بعد أخرى،

ولا جواب.

وكان يحاور نفسه بصوتٍ مكسور:

لا أريد جثمان ولدي…

أريده أن يُدفن عندي، هنا…

في هذا القصر.

لا هناك… بعيدًا، حيث لا أراه،

ولا حيث بستاني وأهلي.

وكان يبكي بحرقة،

بكاءً يسمعه كل من في القصر،

فيبكون لبكائه،

لا لأنهم فقدوا الوليد،

بل لأنهم رأوا أميرًا

انكسر فيه الأب،

وسقط التاج من داخله قبل أن يسقط من رأسه.

ربيع الأوّل – قرطبة، سنة إحدى وأربعين ومئة

عزم الأمير عبد السلام على العودة إلى أرضه في أمور أكوش،

دون أن ينتظر جوابًا من عبد الرحمن،

فما بقي في القلب متَّسعٌ لاحتمالٍ آخر.

كان الأمراء يزورونه معزّين،

فيجيبهم بعبارةٍ واحدة لا تزيد ولا تنقص:

لا حول ولا قوة إلا بالله… الحمد لله على قضائه.

ثم يسكت.

طلب من الحكيم جابر أن يتهيّأ للرحيل،

وأكّد عليه ألّا تكون عودة إلى الأندلس بعد اليوم؛

فهي الأرض التي دُفن فيها ولده

دون أن يراه…

ودون أن يودّعه.

وبعد يومين،

وهو على أهبة الخروج،

بلغته أنباء عودة الأمير عبد الرحمن الداخل

ودخوله قصره في قرطبة.

فقال في نفسه:

وقع ما كنت أفرّ منه…

فشدّ عباءته،

وخرج مع الحكيم جابر

ليزور الأمير العائد

ويستأذنه الرحيل بلا رجعة.

دخل عبد السلام قصر عبد الرحمن

يجرّ خطاه جَرًّا،

كأن الدهر معلّق في قدميه.

استأذن،

فأُذِن له على الفور.

دخل ورأسه مطأطأ،

وقد ملأ الشيب رأسه ولحيته

من حزنٍ لم يبرح.

نهض عبد الرحمن لاستقباله،

ونهض الحاضرون جميعًا.

تقدّم عبد الرحمن،

واحتضن عبد السلام،

فانفجر الأخير باكيًا،

لا يملك من نفسه شيئًا.

أجلسه عبد الرحمن في صدر المجلس،

فجلس دون أن يسلّم على الواقفين،

فاستغرب الأمير ذلك،

لكنّه لم يُعلّق.

وما إن استقرّ في مكانه

حتى تقدّم رجلٌ من بين الحاضرين،

وقبّل يده ورأسه،

ثم احتضنه.

ظنّ عبد السلام أنه قريبٌ جاء يعزّيه،

فهمّ أن ينهض،

لكنّه حين رفع رأسه

تجمّد الدم في عروقه.

— إلهي… ما هذا؟

— الوليد؟! ولدي؟

قال الشاب بصوتٍ يرتجف شوقًا:

— أبي… كم اشتقتُ إليك.

— أطلتُ عليك الغياب، يا نور عيني.

هوى عبد السلام إلى مجلسه،

كأن الأرض انسحبت من تحته.

قال بصوتٍ مبحوح:

— لكن… لكني سمعت أنك قُتلت!

— قيل لي إنك دُفنت في طليطلة…

فضحك عبد الرحمن بصوتٍ عالٍ،

ضحكةً قطعت سيل الدموع:

— يا رجل… كلنا نموت.

— رحم الله الأمير الوليد بن مروان،

— فقد جُرح في تعرّضٍ، وتوفّاه الله، ودفنّاه هناك.

— أمّا هذا… فهذا ولدك، حيٌّ بين يديك.

تنفّس عبد السلام كمن عاد إليه الروح،

ثم قال لأول مرة بجرأةٍ مكسورة:

— يا عبد الرحمن…

— لقد أخذتُ عزاء ولدي أربعة أشهر كاملة!

— أرسلتُ إليك الرسائل، فلم تُجبني.

— ارحم سنّي… فلم أعد في أعماركم،

— ولا يحتمل قلبي هذا العذاب.

سكت المجلس.

ثم قال عبد الرحمن بهدوءٍ عميق،

كأنما يفتح جرحًا قديمًا:

— يا أمير…

— حين هربتُ أنا وأخي الأصغر — وكان اسمه الوليد —

— كان عمره ثلاث عشرة سنة، وكنتُ في التاسعة عشرة.

— حاولنا عبور الفرات، فشقّ عليه التعب.

— وعده أحد المطاردين إن عاد أن يعفو عنه.

— حذّرته… توسّلت إليه… لكنه عاد.

— فقُتل أمام عيني،

— وأنا واقف لا أقدر على شيء.

— ولا أعلم حتى اليوم: أدفنوه أم تركوه ملقى هناك.

ثم أضاف بصوتٍ خافت:

— فاعذرني… واغفر لي.

نهض عبد السلام،

وتقدّم خطوة،

وقبّل رأس عبد الرحمن.

جمادى الآخرة – قرطبة – سنة إحدى وأربعين ومئة

قرّر الأمير عبد السلام الرجوع إلى أمور أكوش، مصطحبًا ولده الوليد والحكيم جابر، ليقضي شهر رمضان بينهم، ثم يتهيأ لبدء الانتقال والاستقرار في الأندلس.

كان عبد السلام قد عاش أيامًا يشوبها صفاءٌ لم يذقه منذ زمن؛ صفاء جاء بعد قلقٍ ثقيل ومرارةٍ أقامته شهورًا، يوم ظنّ أن ولده قد قُتل. ولأول مرة منذ قدومه إلى قرطبة، شمّ رائحة الورود في حدائق القصر، كأنها لم تكن تعبق من قبل، أو كأن قلبه هو الذي كان مغلقًا عن عطرها.

توجّه ليأخذ الإذن من أمير قرطبة، وقد كان عبد السلام  قد عيّن المرفد بن سعيد حاجبًا ومسؤولًا عن القصر.

دخل عبد السلام وقال بهيبة الأمراء:

— السلام على أمير قرطبة، ابن عمّنا عبد الرحمن الداخل.

فأجابه عبد الرحمن واقفًا:

— وعليك السلام، أيها الوالد، والأمير، وابن العم.

قال عبد السلام:

— جئتك أطلب إذنك بالرجوع إلى أهلي، أُهيّئ أمرهم، وأرتّب شؤون الانتقال.

فرد عبد الرحمن

— لا مانع وإن رأيتَ، فدع الوليد يبقى معي فقلةٌ هم من أثق بهم، وهو فارسٌ ابن فارس، وبطلٌ ابن بطل. وأحب أن أراه مستشارًا لي، أو أن اجعله على أمر ولاية.

سكت  عبدالسلام قليلًا، ثم قال بنبرة الأب لا الأمير:

— دعْه يرى أمّه وأخواته، وربما نزوجه، ثم نعود جميعًا.

ضحك عبد الرحمن وقال:

— إن كان الأمر يخص هذا، فلا مانع عندي.

لكن اعلم أن قومًا يتربّصون بمن يعود وبمن يغادر، فخذوا حذركم، وانتبهوا لأنفسكم.

قالها عبد الرحمن بصدقٍ ظاهر، وقد ازداد وده لعبد السلام وأهله، لما رآه فيهم من صفاء نية وصدق مسعى.

رجب – قرطبة – سنة إحدى وأربعين ومئة

خرج الأمير عبد السلام من قرطبة مصطحبًا ولده الوليد والحكيم جابر، في موكبٍ بسيط لا يلفت النظر. أوصلهم بعض رجاله إلى جهة الساحل، ثم أمرهم بالعودة، واختار أن يعبر البحر في مركبٍ صغير يقلّهم وحدهم إلى ناحية طنجة، اتقاءً للعيون.

عند الوصول، رست المركب في مرسى متطرف، بعيد عن أعين المراقبين، تحسّبًا لمن يرصد الفار والعائد. نزل الثلاثة، وأخذوا جيادهم، وساروا متجنبين قلب المدينة، حتى إذا استدار بهم الطريق عند منعطفٍ جبلي، اعترضهم فصيل من الخيّالة.

تقدّم قائدهم وسأل بلهجة حادة:

— من أين أتيتم؟ أعبَرتم من الأندلس؟

أجابه عبد السلام بثبات:

— نحن من بني شيبان، لنا أرض نزرعها في أمور أكوش، جئنا نبتاع بذورًا ونعود.

لكن أحد الفرسان صاح فجأة:

— كذبتَ! لقد عبرتم من الأندلس، وأنت أمير من بني أمية!

فصرخ الوليد غاضبًا:

— كذبتَ أنت!

توتر الموقف، واستُلّت السيوف، فأسرع عبد السلام يقول:

— على رسلكم، ما مطلبكم؟

قال قائدهم:

— نحن من البربر، وتعاهدنا على تسليم أمراء بني أمية إلى العباسيين.

ضحك الحكيم بسخرية مريرة:

— أمراء؟ اتقِ شر نفسك! ألم تسمع أنه قال: من بني شيبان؟

لكن القائد قال ببرود:

— ستسيرون معنا، نعرضكم على رجالنا، وهم يحدّدون أمركم.

لم يكن للأمير خيار غير القبول، وإلا قُتل ومن معه.

حلّ الليل، فنزلوا قرب مغارة، وقرروا المبيت قبل متابعة المسير. لكن الرجال غدروا بهم، فقيّدوهم، وعزموا على سوقهم صباحًا إلى مقرّ سرية اتخذت من حصنٍ قديم مركزًا لها، وتحالفت مع البربر، ورفعت الرايات السود.

أُدخل الثلاثة مقيدين إلى المقر، فخرج قائد السرية وسأل:

— من أنتم؟ ومن أين قدومكم؟

قال عبد السلام:

— قد قلنا لرجالك إننا من بني شيبان، جئنا نبتاع بذورًا لأرضٍ لنا في أمور أكوش.

— وأين البذور؟

— لم نجد ما نطلبه.

غضب القائد، ولطم عبد السلام لطمة أسقطته أرضًا. فثار الوليد وصاح:

— ويحك يا ابن اللعين!

فانهال الرجال ضربًا على عبد السلام والوليد وجابر، حتى أُغمي عليهم.

استفاقوا مقيدين في غرفة بابها من حديد. نهض الحكيم بصعوبة، ونادى الحارس:

— يا رجل، ظلمتمونا واعتديتم علينا، ولم تسقونا حتى شربة ماء.

رد الحارس ببرود:

— غدًا نُريحكم بعد حكم القائد… حين نقطع رؤوسكم.

تحامل عبد السلام على ألمه، ونهض ووجهه متورم، وقال للحارس:

— خذني إلى قائدك، أريد الاعتراف… فقد تعبت.

تجمد الحكيم، وفتح الوليد عينيه لا يكاد يصدق ما يسمع.

بعد قليل، جاء الحرس واقتادوا عبد السلام وحده إلى القائد.

قال القائد:

— قررتَ الاعتراف؟ لك عندي وعد ألا أقطع رأسك. قل: أأنت أمير أموي؟

جلس عبد السلام على مقعدٍ إلى جانبه دون استئذان. اغتاظ القائد، لكنه كتم غيظه وقال:

— لا بأس، قل ما عندك.

قال عبد السلام بهدوء محسوب:

— سأقول لك ما تريد سماعه.

أنا عبد السلام الشيباني. زوجُ ابنتي هو عبد الله بن قثم العباسي، ومزرعتي في أمور أكوش. وعبد الله هذا شريكي وصهري، وهو قريب عبد الله بن محمد، رحمه الله، أخي الخليفة أبي جعفر المنصور.

فالويل لك… إن بلغه ما صنعتم بنا.

ساد الصمت. وجلس القائد واجمًا لا يرد.

وفي السجن، قال الحكيم للوليد بيأس:

— والله لقد هلكنا. ما هي إلا ساعات، ويُساق بنا إلى حتفنا. ولن ألوم الأمير، فما نتحمّل ضربهم إن عاد.

لكن بعد حين، عاد عبد السلام، ومعه أربعة من الحرس. فُتح الباب، وفُكّ وثاق الرجلين، وأقبل القائد بنفسه، يحمل الماء والطعام، وأمر بإعادة خيولهم.

ركب عبد السلام، فتَبِعه الحكيم والوليد صامتين لا يدرون ما جرى. ساروا ساعاتٍ بلا كلام، حتى قال الأمير:

— ما لكم خُرس؟

نظر أحدهما إلى الآخر، ولم يُجب.

مع مغيب شمس اليوم التالي، وصلوا إلى أمور أكوش. فخرج زيد وعامر وعبد الله ومحمد لاستقبالهم، وقد بدت آثار الضرب على وجوههم.

جلس الأمير في مجلسه، وروى لهم ما جرى. فضحك الوليد والحكيم لأول مرة منذ ساعات، دهشةً مما حدث. وقال عبد الله بن قثم:

— الحمد لله الذي جعل من نسبنا نجاةً لكم.

𖣔𖣔𖣔

تتوفر الملحمة في أمازون كندل Amazon 

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply