تسويقُ الصُّدفة

محمد إقبال حرب

صُدفة هذا مُعجزة ذاك.

فرضيَّةُ الصُّدفةِ إحدى  ظواهِر الوجودِ التي لا تجدُ تفسيرًا منطقيًا في عقلنا المُتواضع، ولا تفسيرًا قانونيًّا فيزيائيًا يحكُمها. الخوضُ في عالم “الصُّدفة” أشبهُ برحلةِ شاعِر إلى سماءٍ تعُجُّ بالنُّجوم، ولا يرى منها إلا عددًا محدودًا، فيملأُ الفراغات بكواكبَ من خيال.

مع أن الصُّدفةَ تعني حُدوثَ خيرٍ أو شرٍّ على حين غرّة، إلّا أنها تُستعملُ، عادة، لحوادثِ الخيرِ، أما صُدفةُ الشرِّ فيقال عنها “فألٌ سيئ” أو ” حظٌ تعيس”. الصُّدفة ذاتُها التي يعتبرُها شخصٌ ما مُعجزةً يراها غيرُه وبالًا، وهي حالُ رجلٍ هاربٍ من ثأر عشائري إلى جِهة بعيدةٍ مجهولةٍ، فجأة، يرى أمامه صاحبَ الثأرِ فيقتنِصُه، هكذا، تكون الصُّدفةُ وبالًا على الأول وبُشرى خيرٍ للثاني.

إنها الصُّدفة بخيرِها وشرِّها.

لو كانت لدينا ثلاثةُ عواملَ في أيِّ مجال لتوافر لدينا خمس عشرة فرضيَّة، فتكون أيُّ فرضيَّةٍ في تلك المجموعة من العوامل، واحدة من خمس عشرة، وهذا سهلُ التوقُّع والقُبول، لكن متى كانت لدينا عواملُ متعددةٌ تُصبحُ الفرضيَّةُ غايةً في الصُّعوبة. في اللُّغة العربيَّة، مثلًا، نجد 28 حرفًا أنتجت 12 مليون كلمةٍ، ويُمكن أن تزيدَ، من هنا، عندما تخمِّن كلمةً ما لتُخرجَها من سلّة الكلمات المُبعثَرة ستكونُ فرصةُ نجاحك واحدًا على 12 مليون. مَن يحصل على الكلمة الصحيحة، من التجربة الأولى، يُعتبر صاحبَ مُعجزة، مع أنها صُدفةٌ. 

عالمُنا مؤلَّف من عدد لا يُحصى من المُتغيِّرات، ونسبةُ حُصول بعضِها قد يكون واحدًا على ملايين أو مليارات الاحتمالات. لا يمكن أن نعزو الصُدفةَ إلى عِلمٍ أو تفكيرٍ أو إيمان، فهي تحصلُ لأيٍّ كان في أي بلد ومن أي جنس أو مُعتقد. 

آلافُ العوامل المُتحرِّكة، يعُجُّ بها هذا العالمُ، من بشرٍ وشوراعَ وحيواناتٍ ومناخ وآلات، وكلُّها  قد تتيحُ فرصةَ حدوث شيء تأملُه، من دون تخطيط أو استعمال وسائلَ محدّدةٍ، وسيُعتبر، حسب التفسير الشائع للمؤمنين، مُعجزةً استجاب لها إله أو قديس ما،  ومَن يحصل عليها من غير “رموز القداسة” تبقى طي الكتمان. في المُقابل لا يكترث الناس بملايين الأشخاص الذين خابت ظُنونهم في الدُّعاء أو النذر، لأن الصُّدفة لم تطرُق بابَهم أو الحظ لم يحالفهم. 

هذه الصُّدفُ، بخيرِها وشرّها، نقرأ عنها في الكُتب الدينيَّة، وسِيَرِ الأفراد كما في الصُّحُف والروايات وغيرها، وتنتشرُ على صفحات التواصُل الاجتماعي، لأنها تُدغدغُ مشاعرَ الأملِ عند العوام. الصُّدفُ لا يمكنُ حصرُها، فهي بعدد البشر الذين مرُّوا على هذا الكوكب، إلا أنَّ أكثرها لا يُفيد إلا صاحبَها، ومُعظمُها مكرَّر عند الشُّعوب كافة. الصُّدف التي لا تنفع إلا صاحبَها تُستثمر في الدعاية لدين، قدّيس أو وليّ، ما يؤدي إلى زيادة النُّذور واقتناء الأحجبة وإشعال البَخور. أما الصُّدف التي ينتفع منها كلّ البشر ولا يمكن أن تُعزى إلى وليّ، فلا تجدُ سُبلَ النشر أو الدعاية لأنها لا تُربط بقداسة ما. لكن ثمة صُدفًا غيّرت وجه البشرية فشملتها بخيرِها. 

مع كلّ مولود، تحصلُ صُدفةٌ ولا يعيرُها أحدٌ اهتمامًا، صُدفة تأسس عليها الوجود البشري. بعد أي علاقة حميميَّة بين ذكر وأنثى تتسارعُ ملايينُ الحيوانات المنويَّة للقاء البويضة،  غالبًا ما تفشلُ جميعُها، ولكن الصُّدفة وحدها تجعل واحدة من ملايين النُّطف تصلُ إلى الهدف لتبدأ عمليَّةُ التخصيب.

والصُّدفة الثانية تعزو وجودَنا إلى صُدفٍ مُتراكمة كما قال داروين.

 صُدفتان، إن صدقت الثانية تكون الصُّدف أوجدت كونًا من البشر تجلّى فحكَم الكوكب، لذلك علينا الخشية من صُدفة مُعاكسة تكونُ وبالًا.

بما أنَّ لا مجال للخوض في عديد الصُّدف، سأُشيرُ إلى حالتين في الطُب والعِلم، صُدفٌ نادرةٌ ساهمت، إلى حدٍ كبير، في رفاهيَّةِ الجِنس البشري، خاصة في المجال الصحّي. على سبيل المثال وكما ورد في السِيَر والتاريخ:

  1. عاد الكسندر فليمينغ إلى مُختبره، بعد إجازة، ليجدَ أن البكتيريا في إحدى المزارع قد تلوّثت بلون أخضر وأن البكتيريا قد ماتت. قاده حُبّ الاستطلاع والتحقيق إلى اكتشاف البنسلين، وهو أول مضاد حيوي أنقذ حياة ملايين البشر.
  2. بينما كان ألفرِد نوبل يحاول جعل مادّة النيتروجليسرين السائلة غير المستقرة أكثر مُرونة وأمانًا في التعامل، انسكب بعضُها، بالصُّدفة، على مادّة ماصّة اسمها “الترابة السيليكاتية” فتشكّلت عجينة. لاحظ نوبل أنَّ هذه العجينة مستقرّة وقوية الانفجار عند استخدام صاعق فحسب، فأدى ذلك إلى اختراع الديناميت الذي استُعمل في البناء والتعدين،  وفي ما بعد في القتل والتدمير. جنى الفرد نوبل ثروةً هائلة أوصى بها لإنشاء جائزة نوبل.

مهلًا، قبل أن نفرح بهاتين الصُّدفتين، أرى أنهما ليستا صُدفتين، كما يُشاع حولهما وحول آلاف الصُّدف العلميَّة الأخرى. لم يفكِّر أحدٌ، مثلًا،  بعدد التفاح الذي سقط على رؤوس البشر قبل تفّاحة نيوتن المشهورة، وبعدها، لكن وحده نيوتن فكَّر في السببيَّة، كما ألفرد نوبل والكسندر فليمينغ. هنا يدحض الفكر سِحر الصُّدفة تحت مِحكّ التفكير والعملِ الجاد.

من التساؤلات الغريبة حول الوجود الإنساني الذي يعزوه بعضُ العُلماء إلى الصُّدفة وترجعُه  الأديان إلى إله ما، ومع أعداد الآلهة والأديان، يصعُب معرفةُ الخالِق الحقيقي. بين بلايين كواكب الكون، كوكُبنا هو الوحيد المأهول، على حد علمِنا، مع أن الحواسيب تفترض وجود ملايين الكواكب التي يجدُر بالحياة أن تنشأ فيها. أهي صُدفة بالفعل أم خلقٌ فريد لا تُدركُه عقولُنا وحواسُنا؟

الصُّدف تحدُث كلّ يوم، ومع البشر في معظمهم، فالكون مُتلاطمٌ، مُتشابِكٌ، لكن لا ينتبهُ لها أحد إلا عندما يكون الحدثُ مزلزلًا. في سانت أندريا – كاليفورنيا يحصلُ 300 زلزال في اليوم، ولا ينتبهُ أحد لأنها زلازلُ خفيفةٌ، أما عندما تهتزُّ الأرضُ بقوّة يقولون: “زلزالٌ” عنيف يضرب كاليفورنيا. هكذا هي الصُّدف المشهورة التي تُدغدغُ النفس البشريَّة فيتمنّاها البعضُ ويجتنبُها غيرهُم.

عندما كنت في الخامس ابتدائي جاء أحدُ الأتراب وعلى وجهه كتاباتٌ بقلم الكوبيا، لونُها أزرق داكن. سألناه عن هذه الطلاسم فقال حرفيًا: “زارنا بالصُّدفة شيخٌ خليلٌ فرأى تورُّمَ خدّي وأنني مُصاب بـ “أبو كعب”. قال الشيخ: الحمد لله أنني جئتُكم صُدفةً لأطلُبَ كتابًا من أبو علي. سأكتبُ على خده آياتٍ قرآنيةً وسيختفي أبو كعب بعد أُسبوعين”. فعلًا شُفي زميلي وتكلّم الناسُ عن الصُّدفةِ التي جاءت بالشيخ لعلاج الطِّفل.
بعد سنوات، وخلال دراستي التمريض علمتُ أن أبو كعب يزول تلقائيًا بعد أُسبوعين. والأطباء يُعالجون الأعراضَ فقط. ربما تغيَّر الحالُ اليوم.

ذكرتُ هذه الأمثلة لأؤكِّد أن الصُّدفَ الحقيقيَّةَ التي تستحقُّ اللَّقب هي قليلةٌ ونادرةٌ. أما الباقي فهو للتسويقِ الشخصيّ أو التجاريّ والدينيّ.

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply