طرقَ أميرُ الشُّعراء أحمد شوقي معظمَ أغراض الشِّعر فأجادَ وحلَّقَ في كلِّ ما سال به قلمُه. له ما يربو على ثلاثةٍ وعشرين ألفاً وخمسمائة بيت من الشِّعر، ولو لم يكن له غير “نَهْج البُردة” و”وُلِدَ الهُدى” و”سَلُوا قلبي” لكانت كفيلةً بأن تَخلع عليه إمارةَ الشِّعر العربيِّ. وأمَّا شعره الوجدانيُّ فمن أجزل ما جادت به القريحة الشِّعريَّة وأرقِّ ما عبَّر عن خلجات الوجدان الإنسانيِّ، وحسْبُك منه مثالاً “مُضناكَ جَفاهُ مرقدُه” و”يا جارةَ الوادي” و”سَلُوا كؤوسَ الطِّلا”.
نظم أحمد شوقي في شتَّى أغراض الشِّعر من المديح النَّبويِّ والرِّثاء والوصف والغزل والحكمة إلى جانب الشِّعر الوطنيِّ والقوميِّ والمسرحيِّ والشِّعر الحكائيِّ/القَصَصيِّ وشعر المناسبات، وتنزَّه عن الهجاء وترفَّع عن مسالكه. وكتب أربعَ روايات تُعَدُّ من بواكير الفنِّ الرِّوائيِّ العربيِّ. وكتب أيضاً حكايةً على هيئة مَقامة فضلاً عن عددٍ من المقالات في موضوعاتٍ اجتماعيَّة متنوِّعة. وله إسهامٌ رائدٌ في أدب الأطفال، وقد كان اهتمامه بهذا الأدب نابعاً من عاطفةٍ أبويَّةٍ صادقةٍ لا لأطفالِه فحسب بل للطُّفولة عامَّةً، ويقول في ذلك:
أحبُّ صِغارَ العالمِينَ لأجلِهم ويعطفُ قلبي ذو أبٍ و يتيمُ
ويعني بعبارة (لأجلهم) أولادَه الثَّلاثة.
سعى شوقي إلى إرساء دعائم أدب الأطفال كي يأخذوا منه الحكمةَ والأدبَ على قدْر عقولهم، وذكر ذلك في مقدِّمة ديوانه (الشَّوقيَّات) في طبعته الأولى الصَّادرة عام ١٨٩٨. وكان يتطلَّع إلى إيجاد شعر للأطفال والنِّساء يعاونه على إدراك هذه الأمنية صديقُه الشَّاعر خليل مطران وسائر الأدباء والشُّعراء. وهي أمنيةٌ أو دعوة سبقه إليها الزَّعيم مصطفى كامل باشا.
والكتابة للطِّفل غيرُ الكتابة عنه وقد اعتنى شوقي بكلتيهما عنايتَه بأطفاله؛ فتناول في شعره موضوعاتٍ متعلِّقة بالطُّفولة لكن لا يمكن أن نعدَّها من أدب الأطفال، وهو لم يبوِّبها في ديوان الأطفال الَّذي جعله في الجزء الرَّابع من شوقيَّاته؛ فقصائده ومقطوعاته في ابنته أمينة وولديه عليٍّ وحسين نظمها لوصف مشاعره الأبويَّة أو لتأريخ مراحلهم العمريَّة أو لتصوير حوادث متعلِّقة بالطُّفولة، وقصائدُه في رعاية الأطفال وما نظمه في مناسبة تهنئة بمولود أو مناسبة رثاء -وإن كان الطِّفل موضوعها- فإنَّه خاطب بها الكبار.
أمَّا ما يندرج من شعره تحت مسمَّى (أدب الأطفال) أو (أدب الطُّفولة) وضمن إطار ثقافة الأطفال فهو أحدَ عشرَ نشيداً وقصيدة، فقد بوَّب الشَّاعر عشرَ قصائد في ديوان الأطفال هي “الهرَّة والنَّظافة” و “الجدَّة” و “الوطن” و “الأمُّ” و “الرِّفق بالحيوان” و “ولَدُ الغُرابِ” و “النِّيل” و “المدرسة” و”نشيد مصر” و”نشيد الكشَّافة”، وزاد عليها دارسو شعره “نشيد الشُّبَّان المسلمين”. وأحسب أنَّه يمكننا أن نزيد على ذلك قصيدة “الأنانيَّة” التي بوَّبها الشَّاعر ضمن (الخصوصيَّات). وهذه النُّصوص كلُّها موجَّهة إلى النَّاشئة من الفتيان لا للأطفال الصِّغار، لذا فالأحسن أن نقول عنها إنَّها أناشيد للنَّاشئة أو أشعار للنَّاشئة أو أن ندرجها ضمن (أدب اليافعين) كي لا ينصرف الذِّهن إلى أنَّها موجَّهةٌ إلى الأطفال الصِّغار أو أنَّها سهلة المأخذ.
وممَّا انماز به أحمد شوقي من غيره من فحول الشُّعراء نظمُ الحكايات على لسان الطَّير والحيوان، لا يُبارى فيها ولا يجارى. وله الرِّيادة الوظيفيَّة في هذا الفنِّ، ونعني بها إسهامه في تنمية المعجم اللُّغويِّ لدى الأطفال، ورادَ تأصيله فنَّاً راسخاً في الشِّعر العربيّ. أمَّا الرِّيادة الزَّمنيَّة فهي لمحمَّد عثمان جلال صاحب ديوان (العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ) الَّذي صدرت طبعته الأولى بين عامَي ١٨٤٩ و ١٨٥٤، وضمَّ مائتي حكاية منظومة يدور معظمها على لسان الحيوان. وقد شكَّلت خرافاتُ الأديب الفرنسيِّ (جان دو لافونتين) بعضاً من مادَّة الدِّيوان، ترجمها جلال من الفرنسيَّة إلى العربيَّة وتصرَّف في بعضها وعدَّل بما يلائم البيئة العربيَّة وذائقتها الأدبيَّة. ومن المفيد الإشارة إلى أنَّ لافونتين استقى حكاياتِه من الشَّرق ومنها كليلة ودمنة، ومن إيسوب اليونانيّ صاحب (خرافات إيسوب) الَّذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد.
قدَّم شوقي في شعره الحِكائيِّ متعةً وفائدةً وحكمةً ونُصحاً ووعظاً في أسلوبٍ جذَّاب حاكى فيه نهج (لافونتين)، ونسجَ أحداثَه من خياله، وابتكر بعض حكاياته ابتكاراً خالصاً. وقد وجَّه هذه الحكايات أو قسماً منها إلى الصِّغار، وفي ذلك يقول في مقدِّمة (الشَّوقيَّات): “جرَّبتُ خاطري في نظم الحكاية على أسلوب (لافونتين) الشَّهير، وفي هذه المجموعة شيءٌ من ذلك، فكنتُ إذا فرغتُ من وضع أسطورتين أو ثلاثٍ أجتمعُ بأحداث المصريِّين وأقرأ عليهم شيئاً منها فيفهمونه لأوَّل وهلة ويأنسون إليه ويضحكون من أكثره وأنا أستبشر لذلك وأتمنَّى لو وفَّقني الله لأجعل لأطفال المصريِّين مثلما جعل الشُّعراءُ للأطفال في البلاد المتمدِّنة منظوماتٍ قريبةَ المتناول يأخذون الحكمة والأدب من خلالها على قدر عقولهم.”
وهنا ننتبه إلى أنَّ شاعراً بمنزلة شوقي حرص على استطلاع آراء النَّاشئة في قصائده الموجَّهة إليهم، فكأنَّه استفتى جمهوره وطلب منهم الحكم على شعره. وهل كان ليفعلَ ذلك لولا إدراكه أنَّ إرضاء الصِّغار غايةٌ ليس من السَّهل إدراكها؟
وإلى جانب خرافات لافونتين، استرفد شوقي حكاياته من التُّراث العربيِّ والإسلاميِّ ومن تجربته الذَّاتيَّة، وأكسب ذلك شعرَه الحكائيَّ أصالةً وثراءً فنِّيَّاً وتربويَّاً. وقد كتب خمساً وخمسين حكايةً، منها تسعُ حكايات عن الحيوان في سفينة نوحٍ عليه السَّلام وثلاثٌ عن سليمان عليه السَّلام والطَّير هي “سليمان والهدهد” و”سليمان والطَّاووس” و”سليمان والحمامة”. وهي حكايات في مجملها تنطوي على إسقاطاتٍ رمزيَّة على مجتمع البشر. وذكر في حكاياته طائفةً كبيرةً من الحيوان هي: الأسد والدُّبُّ والذِّئب، والثَّعلب وابن عِرس وبنت عِرس والقطُّ، والكلب والحمار والأتان والحصان والبغل والجمل، والعجل والخروف والنَّعجة والشَّاة والتَّيس والخنزير، والفأر والأرنب، والغزال والفيل، والضِّفدع والأفعى، والقرد والخُفَّاش. وذكر من الطَّيرِ العصفورَ والبلبل والحمامة واليمامة والببَّغاء والباز والغراب والقُبَّرة والدِّيك والدَّجاج والطَّاووس والهدهد. ومن الحشرات ذكر: دودة القزِّ والعقربة والنَّمل والنَّحل والخنفساء والصُّرصار.
إنَّ نظمَ هذا العدد من الحكايات الأصيلة على لسان هذا العدد الكبير من الحيوان والطَّير ودقَّةَ تصوير أحداثها يشهدان بعبقريَّة الشَّاعر وبراعته الفنِّيَّة ويكشفان عن سعة ثقافته في عالم الحيوان ومعرفته بطباعه وسلوكه.
وقد أخذ النُّقَّاد على أميرِ الشُّعراء استخدامَ مفرداتٍ صعبةٍ لا يفهمها الأطفالُ الصِّغار وتستغلق معانيها عليهم، على خلاف ما يقوم عليه شعرُ الطُّفولة الخالص من البساطة والوضوح والمباشرة. ومع أنَّ الشَّاعر نفسه أخبرنا في مقدِّمة ديوانه أنَّه عرض شعره على الأحداث ولم يذكر أنَّه عرضه على الأطفال الصِّغار، ومع أنَّه أشار إلى أنَّ المرجوَّ أن يأخذ الأطفالُ الحكمةَ والأدبَ من تلك المنظومات على قدر عقولهم، فالحقيقة أنَّ معظم حكايات شوقي بعيدُ التَّناول عن الصِّغار حتَّى من هم في مرحلة الطُّفولة المتأخِّرة أو الفتيان. فعلى الرَّغم من أنَّ الجزالة سِمَتُها فإنَّ قسماً منها لا يخلو من ألفاظ مقعَّرة ولبعضها أبعادٌ سياسيَّة، فمنها ستٌّ وعشرون حكاية ذات مغزى سياسيٍّ واثنتا عشرة حكاية فيها غمْزٌ غير بعيد من السُّلطة والسُّلطان. ثمَّ إنَّ كثيراً منها لا يخلو من تورية، ومثال على ذلك حكاية “الثَّعلب والدِّيك” فالثَّعلب يرمز إلى الاستعمار البريطانيِّ المخادع المراوغ والدِّيك يمثِّل الشَّعب المصريَّ البسيط، و”حكاية الدِّيك الهنديِّ والدَّجاج البلديِّ” وفيها يكنِّي عن الاستعمار البريطانيِّ بالدِّيك وعن الشَّعب المصريِّ بالدَّجاج.
وتبقى قصائد أحمد شوقي الَّتي نظمها للأطفال أو عنهم وحكاياته المنظومة بلغتها الفصحى الجزلة الميسَّرة مصدراً مهمًّاً لتنمية لغة النَّاشئة وتوسيع خيالهم وتوجيههم وغرس القيم في نفوسهم. ولا ريبَ في أنَّ بها فائدةً كبيرةً في تهذيب أذواقهم بموسيقاها وتنغيمها وحلاوة ألفاظها، زيادةً على ما تحمله من طرافة وسخرية.
المصادر:
شوقي، أحمد. الشَّوقيَّات. (2006). دار الكتب العلميَّة.
أدب الأطفال بين أحمد شوقي وعثمان جلال. دار النَّشر للجامعات المصريَّة.. (1994). زلط، أحمد
السُّطوحيّ، سها عبد السَّتَّار، وعفيفي، أحمد. الملامح الفنِّيَّة في شعر أحمد شوقي للأطفال. في أعمال المؤتمر الدَّوليّ السَّابع لُّلغة العربيَّة، (2019)، (ص 160-175)، المجلس الدَّوليّ للُّغة العربيَّة.
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل