بلا روح

عبدالله أبوبكر

خرجت مع الشاعر أحمد فرج الخليفة نتمشى فجرا وكان حديثنا يدور حول الشعر والذكاء الاصطناعي حتى سألته عن قدرته على التمييز بين القصيدة التي يكتبها الإنسان وتلك التي تنتجها الآلة

توقف الخليفة وقال بثقة وابتسامة هادئة

أعرفها من بيتها الأول أنا في الأصل مدقق لغوي

أثار حديثه فضولي خاصة حين علمت أنه يعمل مدققا لغويا وهو أمر لم أكن أعرفه من قبل عدت إلى منزلي وفي صدري عزم خفي على اختباره وقررت أن أترك التجربة تحسم النقاش

في البيت فتحت تطبيق الذكاء الاصطناعي وكتبت ثلاثة أبيات محكمة الضبط والنظم فجاءت في ثوان بحر سليم وقافية مستقرة وصور متناسقة أعجبتني وخشيت أن يفضحني كمالها. 

وَما الحُبُّ إِلّا وَفاءُ القُلوبِ ◆ وَصَفْوٌ يُداوي جِراحَ الكُروبِ

وَما الصَّبْرُ إِلّا ضِياءُ الدُّروبِ ◆ وَنُورٌ يَشُقُّ ظَلامَ الغُيوبِ

وَما الدَّمْعُ إِلّا رَسولُ الخُطوبِ ◆ وَيَرْوِي حِكايا الهَوى لِلْغُروبِ

مساء في رابطة الأدباء الكويتية وجدت معنا الشاعر سالم خالد الرميضي المعروف بتمكنه من النحو واللغة وخبرته بالشعر وعلم العروض والذي يحتكم إليه الشباب في قصائدهم أخرجت الهاتف وقلت أبيات جديدة أريد رأيكما

قرأها أحمد الخليفة بتمهل وقال ممتازة رائعة وفيها إحكام واضح في الصياغة

سألته وهل تراها شعرا مكتملا

أعاد قراءتها ثم صمت قليلا قبل أن يقول

لا أعرف كيف أشرح لك ما أشعر به لكن الأبيات تتشابه على نحو لافت وكأن كل بيت نسخة من سابقه تتكرر فيها البنية نفسها والصور ذاتها مع تغيير الكلمات كل شيء يبدو مرتبا ومحسوبا حتى إنك تشعر أنك تقرأ أبياتا صنعت على قالب واحد لا قصيدة تتطور فيها الفكرة وتتجدد الصور إنها سليمة في ظاهرها لكنها تفتقر إلى التنوع والعفوية اللذين يمنحان الشعر روحه

أخذ سالم الرميضي الهاتف وراح يقطع التفاعيل بتمهل وتدبر لكنه كان يتوقف عند كل تفعيلة تقريبا إذ لاحظ أن الزحاف يتكرر بانتظام لافت وكأن هناك نمطا آليا يفرض نفسه على الأبيات لا شاعرا يتصرف في إيقاعه وفق ما تمليه عليه المعاني أعاد قراءة الأبيات ثم قال متعجبا

غريب الوزن سليم ولا كسر في التفاعيل لكن هذا التكرار المنتظم للزحافات يجعلني أشعر أنني أمام آلة تضبط الإيقاع لا شاعر يتنفس داخل قصيدته كأن الكلمات صنعت على قالب واحد من دون تلك اللمسة البشرية التي تمنح الشعر عفويته وتجعله حيا

قلت بعد لحظة كتبها الذكاء الاصطناعي

نظر الخليفة إلي بدهشة بينما هز الرميضي رأسه متأملا ضحكنا جميعا لكنني كنت قد خرجت من التجربة بفكرة تستحق التأمل

لم يستطع الشاعران اكتشاف أن الأبيات من صنع الذكاء الاصطناعي لكنهما شعرا بأن شيئا ينقصها وهنا أدركت أن إحكام النظم وسلامة اللغة لا يكفيان لصناعة الشعر فهناك فرق بين كلام موزون وقصيدة تلمس القلب

عدت تلك الليلة أعيد قراءتها كانت تتحدث عن الفراق بلا فراق وعن الشوق بلا انتظار الآلة تعرف كيف يقال الحزن لكنها لم تقف يوما على باب أحد تنتظره ولم يخذلها أحد

فهمت حينها أن الموهبة ليست إتقان الكلام بل ثمن يدفعه القلب قبل أن يخرج الكلام الآلة تعين وتسرع وتصحح ونحن ننتفع بها لكن الإبداع جرح يعرف صاحبه موضعه والجراح لا تنسخ

بعلامات ترقيم فقط لكن منضبط و ارسلها في ملف ورد

---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل

Leave a Reply