لعلّ الإنسان، منذ أن بدأ يخاف من المجهول، لم يكف عن اختراع ما يستطيع محاورته. أسكن الظلام كائنات لا يراها، ومنحها أصواتاً وحكايات وقدرات تتجاوز حدود البشر، ثم مضى يفتش في أسرار الكون عما يبدد خوفه ويمنح أسئلته جواباً. واليوم، بعد قرون من استدعاء الغيب بالخيال، صنع الإنسان كائناً لا يحتاج إلى طقوس كي يحضر، ولا إلى وسيط كي يتكلم. يكفي أن يكتب له جملة حتى تنفتح أمامه أبواب اللغة.
هل عاد جن عبقر في هيئة جديدة، أم أن الإنسان، الذي طالما حلم بقوة تفكر نيابة عنه، بدأ يواجه خياله وقد اكتسب شكلاً تقنياً؟
المفارقة أن هذا الكائن لا يسكن مغارة، ولا يظهر في ليلة موحشة؛ إنه يقيم في جهاز نحمله في جيوبنا، ونستشيره في شؤوننا، ونطلب منه أن يكتب لنا قصيدة عن الحب والموت، مع أنه لم يعرف الحب ولم يذق الموت. ومع ذلك، قد يمنحنا عبارة تجعلنا نتوقف أمامها، أو صورة تعيد ترتيب ما نعرفه عن أنفسنا.
هنا لا تعود الحكاية عن آلة تتعلم الكلام، وإنما عن إنسان صنع شيئاً من لغته، ثم فوجئ به يعيدها إليه في صورة لم يألفها. لم يعد السؤال عما إذا كان المجهول قادراً على مخاطبتنا، وإنما عما إذا كنا نعرف أنفسنا بما يكفي لنفهم ما يقوله لنا هذا الصوت الجديد.
لقد تغيّر المشهد. لم يعد الشاعر وحده في حضرة الكلمات، ولم تعد القصيدة تنتظر طويلاً عند باب الإلهام. بضغطة زر، تستطيع الآلة أن تنسج قصيدة عن الحب، وأن تكتب مرثية عن الموت، وأن تصف حنيناً إلى بيت قديم، وتمنح الغياب صوتاً يكاد يصدقه من يقرؤه.
هنا تبدأ الحيرة.
كيف لشيء لم ينتظر حبيباً عند نافذة، ولم يفتش في وجه أمه عن ملامح الطمأنينة، ولم يحمل رائحة بيت غادره على عجل، أن يكتب عن كل ذلك بلغة تمس القلب؟ من أين تأتي الكلمات التي تبدو مأهولة بالحياة، فيما لم تعش الآلة حياة شخصية وراء تلك الكلمات؟
لعل المسألة تبدأ من اللغة نفسها. فالكلمات تحمل آثار ملايين البشر، وأصواتهم ودموعهم وأفراحهم، وما تركوه في الكتب من تجارب. والذكاء الاصطناعي يتعلم من هذا الإرث الهائل، ويعيد تشكيله بطرائق قد تفاجئنا، وتمنحنا صوراً لم تخطر لنا من قبل.
لكن ثمة مسافة تستحق التأمل بين معرفة الحكاية والعيش داخلها، بين وصف جرح ومعرفة ما يفعله الجرح بصاحبه، وبين كتابة الغياب وانتظار شخص لن يعود.
ومع ذلك، هل ينبغي لنا أن نحاكم القصيدة إلى حياة كاتبها وحدها؟ أليست اللغة قادرة على أن تفتح فينا أبواباً لم يفتحها صاحب النص في حياته؟ أليس ممكناً أن نجد في قصيدة متخيلة حقيقة غابت عنا في قصيدة كُتبت من تجربة واقعية؟ إن النص، حين يصل إلى القارئ، يبدأ حياة أخرى، وقد يجد في روحه ما يتجاوز تجربة كاتبه ومقاصده.
لهذا، لا أرى أن السؤال الأهم هو قدرة الآلة على كتابة الشعر؛ فقد باتت تنتج نصوصاً تستحق القراءة والمناقشة. السؤال الأعمق هو: ماذا نعني بالشعر أصلاً؟ أهو بناء لغوي محكم، وصورة مدهشة، وإيقاع خفي، أم لقاء اللغة بحياة تترك أثرها في الكلمات؟ وهل تكفي جودة النص وحدها للحكم على التجربة الإبداعية، أم أن معرفة مصدره وطريقة إنتاجه تمنحنا زاوية أخرى للنظر إليه؟
منحتنا التكنولوجيا قدرة هائلة على إنتاج الكلمات، ووضعتنا أمام مسؤولية جديدة: أن نميز بين ما يدهشنا لحظة، وما يبقى معنا بعد انطفاء الدهشة. فسهولة الكتابة لا تعني بالضرورة عمقها، وكثرة النصوص لا تعني اتساع المعنى. قد نغرق في قصائد جميلة الصياغة، ثم نخرج منها كما دخلنا، وقد تصادفنا عبارة بسيطة فتوقظ فينا عمراً كاملاً.
والخطر الذي يستحق الانتباه لا يكمن في أن تكتب الآلة قصيدة، وإنما في أن نعتاد الكتابة بلا ضرورة، والقراءة بلا إصغاء، وأن نمنح النص قيمته لمجرد أنه متقن، أو لأن صاحبه يمتلك أداة قادرة على إنتاج المزيد منه. فالكتابة ليست سباقاً في سرعة الوصول إلى الكلمات، وإنما بحث عما يستحق أن يقال، ولماذا ينبغي أن يقال الآن.
أما الشاعر، فلا أظن أن عليه أن يدخل معركة لإثبات تفوقه على الآلة. يكفي أن يعرف ما الذي يريد أن يكتبه، وما الذي لا يستطيع التنازل عنه في علاقته باللغة. مسؤوليته أن يحرس تجربته من التكرار، وصوته من الذوبان في الأصوات الكثيرة، وأن يظل قادراً على رؤية ما اعتاد الآخرون المرور به من دون انتباه.
فالآلة قد تساعده على العثور على كلمة، أو اقتراح صورة، أو اكتشاف طريق آخر للنص. ويمكنها أن توسع أدواته، وتختصر بعض الوقت، وتفتح أمامه احتمالات جديدة. غير أن هذه الإمكانات تضعه أمام سؤال الأمانة الإبداعية: أين تنتهي المساعدة ويبدأ التأليف؟ وما الذي ينبغي أن يعرفه القارئ عن الدور الذي أدته الآلة في النص الذي يقرؤه؟ إنها أسئلة تتصل بحق الكاتب، وثقة القارئ، ومعنى النسبة الأدبية في زمن أصبح فيه إنتاج الكلام أيسر من أي وقت مضى.
ولعل هذا التحول يعيدنا إلى الإنسان نفسه. كلما اتسعت قدرة الآلة على محاكاة لغتنا، ازدادت حاجتنا إلى فهم ما نطلبه من اللغة. وكلما صار إنتاج النص أيسر، ازدادت قيمة الاختيار والصدق الفني والقدرة على اكتشاف معنى جديد في تجربة تبدو مألوفة.
لم يعد جن عبقر حبيس الحكايات، ولم يعد الجن الصناعي خيالاً علمياً. الأول وُلد من مخيلة الإنسان، والثاني خرج من معرفته وأدواته. وبينهما يقف الإنسان، مدهوشاً بما صنع، وقلقاً مما قد يفقده، ومطالباً بإعادة تعريف علاقته بالإبداع.
وربما لا يكون الصراع الحقيقي بين الشاعر والآلة، وإنما بين كتابة تريد أن تقول شيئاً، وكتابة تكتفي بأن تبدو جميلة؛ بين نص يبحث عن مكان له في الذاكرة، ونص يمر أمام العين ثم يختفي.
أما الحوار، فيبدأ حين نكف عن سؤال الآلة إن كانت تستطيع أن تكتب قصيدة، ونسأل أنفسنا عن القصيدة التي تستحق أن تُكتب.
ففي زمن يستطيع فيه الجميع استدعاء الكلمات، من يجرؤ على الإصغاء إلى ما لم تقله الكلمات بعد؟
---------------------------------------------------------------------------------------------- *Material should not be published in another periodical before at least one year has elapsed since publication in Whispering Dialogue. *أن لا يكون النص قد تم نشره في أي صحيفة أو موقع أليكتروني على الأقل (لمدة سنة) من تاريخ النشر. *All content © 2021 Whispering Dialogue or respective authors and publishers, and may not be used elsewhere without written permission. جميع الحقوق محفوظة للناشر الرسمي لدورية (هَمْس الحِوار) Whispering Dialogue ولا يجوز إعادة النشر في أيّة دورية أخرى دون أخذ الإذن من الناشر مع الشكر الجزيل