الشنفرى بين نسبه و أخلاقياته: لاميته وحياته 

  كريم مرزة الأسدي

المقدمة

يتناول البحث تحليلاً لشخصية الشنفرى ومكارم أخلاقه التي تنازع التمايز الطبقي بكل أشكاله… وليس أدل على ذلك من لامية العرب المشهورة ومطلعها؛

أقيموا بني أمّي صدورّ مطيــكمْ  ***  فأنـّي إلى قوم ٍ ســــواكمْ لأميلُ

فقدْ حُمّتِ الحـاجاتُ والليلُ مقمرٌ *** وشـُدّتْ لطيّــــاتٍ مطايا وأرحلُ

فالشاعر الكريم يشعر بالتمايز الطبقي والقبلي والعنصري – لفقره وربما لجذوره الحبشية ، ولقب بالشنفرى لغلظ في شفته -، إنّه لشعورٌ قاس ٍ مرير يأباه الحر الأبي ، فيرفض الضيم طبعاً ، ومن مثله لا يُسام الخسف ، وفي الأرض متسع لكلّ عزيز نفس… وأحياناً يستاف الرجل التراب لكي لا يتطاول عليه متطاول لئيم , ليس كل هذا عجزاً أو ضعفاً أو خوفاً في عصر لا يسود فيه قانون إلا قانون القوي المقدام ، وأعراف القبيلة ، وشيوخها الضخام! ولكن الأخلاقيات الإنسانية الفطرية الخالصة تردعه ، وحتى لا يذمه ذام ، ويُرمى بالسحت الحرام :

ولولا اجتنابُ الذام ِ لمْ يلفَ مشربٌ  ** *يعــــــــاش ُ بهِ إلاّ لديّ ومآكلُ

المتن 

 أقيموا بني أمّي  صدورّ مطيــــكمْ ***  فأنـّي إلى قوم ٍ ســـــواكمْ لأميلُ

فقدْ حُمّتِ الحـــــــــاجاتُ والليلُ مقمرٌ *** وشـُدّتْ لطيّاتٍ مطايا وأرحلُ

وفي الأرضِ منأ ًى للكريم عـن الأذى** وفيها لمنْ خــــافَ القِلى مُتعزّلُ

لعمركَ ما في الأرضِ ضيقٌ على أمرىءٍ*سرى راغباً أو راهباً وهو يعِقلُ

 إذا كان قد طـُعِن دعبل بنسبه لتمرده وتجرأه على مقام الخلافة، ومعالي الوزارة، وأبو نؤاس لمجونه وشعوبيته، وبشار لعبثه وزندقته – كما قيل ظلماً أو حقاً في هذا وذاك –  والمتنبي لشموخه واعتداده…!! وابن الرومي قد لصقت به روميته دون الاهتمام بثقافته وبيئته ولغته، وهو بغدادي المولد والنشأة والمدفن، ولم يغادر بغداد طيلة حياته سوى ثلاثة أشهر،  لقد وقع الرواة والأخباريون القدماء بخلط كبير، دفعتهم إليه دوافع عديدة، ولم يكن الصراع الحضاري قائماً حينئذٍ، وكان أفقهم يتسع للعالم الإسلامي، وأينما تمطرالسماء فالخراج لهم! ومن ثم طلّ كتاب معاصرون معروفون، ونقاد أدب متميزون وساروا على النهج القديم، وتأثر بعضهم بآراء وأجندة ثلة من المستشرقين،  فشكّكوا ورموا وقذفوا تحت ستار النهج العلمي،  والحقائق الموضوعية   -وسنأتي على الأمر فيما بعد-  فما بال الشنفرى الذي سبقت وفاته (525 م) (1) ولادة النبي الكريم (ص) (570 م) (1) ، وكنيت لاميته  بـ (لامية العرب) ، والتي  تعدُّ من أروع و أقدم القصائد في التراث العربي ، بل هنالك  مقولة متواترة للخليفة  عمر بن الخطاب  (ت 23 هـ/644م)-  وتروى بسند ضعيف كحديث للنبي (ص) (ت11هـ/632 م) -يخصها بنعت فريد، ويلحق العرب بها كمضاف إليه، ويحث على تعلمها، لأنها تمثل مكارم الأخلاق، قائلاً:

“علـّموا أولادكم لامية العرب ،فأنها تعلمهم مكارم الأخلاق”، والخليفة الراشدي – بالرغم من منزلته الإسلامية الرفيعة- هو الأقرب لعصر الشاعر وأحداثه ممن نقل إلينا أخباره أمثال حمّاد الراوية (ت 156 هـ/772 م)، والمفضل الضبي (178 هـ/794) وخلف الأحمر (ت180هـ/796م)، والنسابة محمد بن حبيب (ت245هـ/859م)، والأصفهاني صاحب الأغاني (ت359هـ/967م)، وبالتالي تعتبر المقولة أكثر صدقاً، وأقرب واقعاً، وأحسن أثراً، والشعر يمثل الشاعر، فهو جزء من شخصيته، ويعكس أخلاقيته، وما يعتلج من أحاسيس في شعوره ومشاعره، وإلا كيف نتعلم الأخلاق ممن لا أخلاق عنده؟! وكيف نتكرم بمن لا كرامة له؟ وكيف نعتزُّ بغير العزيز؟ّ!  دلـّوني بربّكم على شاعر أو إنسان، يعقد مثل هذا العقد الفريد، أو يتفوّه بمثل هذا الكلام السديد، إذا لم يكن ذا عزّة وجذور عميقة عتيدة، وحكمة وأخلاق رفيعة حميدة، اقرأ رجاء بشموخ وتعقل:

أقيموا بني أمّي  صـــــــــدورّ مطيـــــكمْ ***  فأنـّي إلى قوم ٍ ســـــواكمْ لأميلُ

فقدْ حُمّتِ الحـــــــــاجاتُ والليــــــلُ مقمرٌ *** وشـُدّتْ لطيّــــاتٍ مطايا وأرحلُ

خاطب بدايةً ًأهله، وخصّ بالنداء بني أمّه من أخوانه الأشقاء آوغير الأشقاء، وتعدُّ رابطة الأمومة أقوى الصلات الإنسانية عاطفةً، وأكثرها مودةً وقرباً، مبتعداً عن النزعة القبلية والعشائرية الذكورية، وشدَّ رحال مطاياه لمبتغاه مسافرا بليل سافر، ومن الجدير ذكره أنّ الشاعر الأموي المقنع الكندي (ت 70هـ/689م)، قد  وجّه لبني أبيه أبياتاً موجعة متشحة بخيبة الأمل والقنوط في قصيدته الدالية الأطول لديه:

إنَّ الذي بيني وبيــــن بني أبي *** وبيــــــن بني عمي لمختلفٌ جدا

إذا أكلوا لحمي وفرتُ لحومهمْ  ***وإنْ هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا

أما المسكين المخمور طرفة بن العبد وقد ولد بعد وفاة شاعرنا الشنفرى بما يقارب العقدين، وتوفي شاباً صغيراً (543-569 م)، قد ذكر عشيرته بعد أنْ تحامته منبوذاً طريداً، فتلاقفه بنو غبراء شفقة وعطفاً:

وما زالَ تشرابي الخمور َ ولذتي**وبيعي وإنفاقي طريفي ومتلدي

إلى أن تحامتني العشيرة كلـّها *** وأفردتُ إفـــرادَ البعير ِ المعبّدِ

رأيتُ بني الغبراء لا ينكرونني *** ولا أهل هذاك الطرافِ الممــدّدِ

ما كان هكذا العداء البارع، الشنفرى الرائع -رغم أنّ كلّ قصيدة تؤخذ حسب ظروفها الذاتية والموضوعية لحظة إبداعها- بل شجاعاً حكيما، أبياً عزيزاً، صبوراً  جميلا، وإنّ الجمال جمال الروح لا الجسد، نواصل معه لاميته:

  وفي الأرضِ منأ ًى للكريم عـن الأذى** وفيها لمنْ خــــافَ القِلى مُتعزّلُ

لعمركَ ما في الأرضِ ضيقٌ على أمرىءٍ*سرى راغباً أو راهباً وهو يعِقلُ

ولي دونكمْ أهلونَ ســــــــيدٌ عملـّسٌ ***وأرقط ُ ذهلولٌ وعرفــــاءُ جيألُ

همْ الرهط ُ لا مستودعُ الســـرّذائعٌ *** لديهمْ و لا الجــاني بما جرَّ يُخذلُ

وإنْ مُدّتِ الأيدي إلى الزّادِ لـــمْ أكنْ ***   بأعجلهمْ إذْ أجشـعُ القوم ِأعجلُ

وما ذاكَ إلاّ بسطة ٌ عــــــــنْ تفضل ٍ *** عليهمْ وكـــانَ الأفضلِ المُتفضّلُ

ولستُ بمهيافٍ يُعشي ســــــــوامهُ ***مجدّعةً ً ســــــــقبانها وهي بهّلُ(2)

أديم مطــــــــالَ الجوع ِحتى أميتهُ***وأضــــربُ عنهُ الذكرَ صفحاً فأذهلُ

وأطوي على الخُمص الحوايا كماانطوتْ ***  خيوطة ُ ماريٍّ تغارُ وتفتلُ(3)

واستفُ تربَ الأرضِ كيلا يـــرى لــــهُ ** عليَّ من  الطـــولِ أمرءٌ متطولُ

ولولا اجتنابُ الذام ِ لــــــمْ يلفَ مشربٌ *** **يٌعــاش ُ بهِ إلاّ لديّ ومآكلُ

وإنـّي كفاني فقدَ مَــــــــــنْ ليسَ جازياً ***  بحُسنى ولا فـي قربهِ متعلـّلُ

ثلاثة ُأصــــــــــــحابٍ فؤادٌ مشيعٌ  ***    وأبيضُ إصليتٌ وصفراءُ عيطلُ

هتوفٌ مـن الملس ٍ المتون ِيزينها *** رصائعُ قـــد نيــطتْ إليها ومحملُ

إذا زلَّ عنها السّـــهم حنـّتْ كأنـّها  *****مُرزّأة ٌ عجلى تُرنٌّ وتـٌعـــــــولُ

إذا الأمعزُ الصوانٌ لاقى مناســـــــــمي *** تطايرَ منهُ قـــــــادحٌ ومُفلـّلُ(4)

الرجل كما أرى -وربما ترى معي-  يشعر بالتمايز الطبقي والقبلي والعنصري- لفقره وربما لجذوره الحبشية،  ولقب بالشنفرى لغلظ في شفته-، إنّه لشعورٌ قاس ٍ مرير يأباه الحر الأبي، فيرفض الضيم طبعاً، ومن مثله لا يُسام الخسف، وفي الأرض متسع لكلّ عزيز نفس، آلا تتذكر قول المتنبي إبان ثورته في غربته، ونفوره من ثلـّته:

رأيتكم  لا يصون العرضَ جاركمُ **ولا يدرُّ علـى مرعاكمُ اللبنُ

جزاءُ كلّ قريـــب ٍ منكـــــــمُ مللٌ*** وحظُ ُكـلّ محبٍّ منكمُ ضغنُ

وتغضبون علـــــى من نال رفدكمُ * حتى يعاقبهُ التنغيصُ والمننُ

أما أنا فيذكرني هذا أيضاً بدعبل حين داهمته الهموم، ونغصت حياته الأحقاد والبغضاء، ففرّ منها إلى معتزله قائلاً:

ويكَ أن القعود يلعب بالقعـــ  ***  ــددِ  لعب الرياحِ بالبوغاءِ (5)

ما دواء الهموم ِ الا المهارى***  تـُعتلى في التنوفةِ الملساءِ (6)

الشنفرى شدَّ رحاله شدَّ الفقير الجريء المتعقل، والمتنبي شدّه بشدة الثائر المتمرد المتطلع، أمّا دعبل فاعتلى ومن هؤلاء (الأهلون)؟ الذئب السريع الأرقط الخفيف، والضبع الطويلة العرف.

 لست أنا بصدد شرح القصيدة ونقدها، الآ بما ألطـّف جوّ مقالتي، وأبثّ الروح فيها عندما توشك على الملل الرتيب، فسأشرع الآن بالبيت الثالث، الذي يتضمن كلمة (أهلون) وهو جمع شاذ ملحق بجمع المذكر السالم،  لأن (أهل) اسم جنس جامد  لا يستوفي شروط هذا الجمع، ومن هؤلاء (الأهلون)؟ الذئب السريع الأرقط  الخفيف، والضبع الطويلة العرف(7)، وعاملهم الشاعر معاملة العقلاء الذين لا يذاع سرّه عندهم، ولا يخذلونه على جريرته، وهذا يذكرني بالأحيمر بن فلان السعدي (ت170هـ/787م)، والقصيدة التي مرت بمقالة سابقة لمخاطبكم، ومطلعها:

عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئبَ إذعوى ***وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

فلا غرابة إذن أن يستأنس شاعرنا بالحيونات الكاسرة والأليفة نكاية بالإنسان المتعالي المتغطرس المنافق، فهي خير صديق في البيت والطريق، آلا ترى ابناءالأمم المتحضرة شرقاً وغرباً في أيامنا الحاضرة، كيف يألفون حيوانتهم من قطط وكلاب… ويصاحبونها دون ناسهم وأهلهم!! ويزيد هو عليهم، بأنه يعشي سوامه خيراً، كي يقتات من حليبها حرّا، ومع كل هذا هو(صعلوك) بالدلالة السلبية للكلمة(8)

ربما فرضت عليه هذه الصعلكة المزعومة كوسيلة للدفاع عن النفس والكرامة الإنسانية، فأين الغرابة يا هذا وذاك؟! ولا تتخيل هذا العداء الجاهلي المشنفر يستغل هذه المخلوقات الضعيفة، وإنما هو ليس بالمهياف الذي يبعد أبله على غير هدى، فيجعل مواشيه جائعة، وبالتالي سقبانها (أولادها) من غير رضاعة، بل هو لا يشاركها شرب الحليب حتى تشبع رواء، لأنه درّ لأجلها، لا لأجله، ولا بأس من الجوع الكافر، فهو يطيل أمده حتى يميته،  فيضرب عنه صفحاً،  وعندما تُمدّ الأيدي، لم يكن عجولا ولا جشعاً، ولا يؤمن (عند البطون تُعمى العيون)! ولا ينطبق عليه القول:

(لا تسأل رجلا عن حاجة، وهو موعود على غداء)! اسأله ولا تبالي، فهو قادر على أن يطوي حواياه (أمعاءه) جوعاً، وإن فتلت وغارت فتل الخيوط.

وأحياناً الرجل الرجل يستاف التراب لكي لا يتطاول عليه متطاول لئيم، ليس كل هذا عجزاً أو ضعفاً أو خوفاً في عصر لا يسود فيه قانون إلا قانون القوي المقدام، وأعراف القبيلة، وشيوخها الضخام! وأنت تعرفه من هو؟! ولكن الأخلاقيات الإنسانية الفطرية الخالصة تردعه، وحتى لا يذمه ذام، ويُرمى بالسحت الحرام:

ولولا اجتنابُ الذام ِ لــــــمْ يلفَ مشربٌ ***يٌعـــــــــــاش ُ بهِ إلاّ لديّ ومآكلُ

 أعود لأقول، ومع كل هذا يُرمى صاحبنا بالصعلكة بدلالتها السلبية، فمن هو الصعلوك؟ الصعلوك لغة هو الفقير الذي لا يملك المال كي يساعده على العيش، وتحمل أعباء الحياة، واطلقت -بصيغة الجمع- على الخلعاء الشداد، وهم الذين خلعتهم قبائلهم بسبب أعمالهم التي لا تتوافق مع أعراف القبائل، أو على أبناء الحبشيات السود ممن نبذهم أباؤهم، ولم يلحقونهم بأنسابهم، أو على من احترف الصعلكة احترافاً، وحولها الى ما يفوق الفروسية، كل ما سبق ينطبق على شاعرنا الشنفرى تماماً، ولا بأس في ذلك مطلقاً، ولكن تجاوزت الكلمة من بعد دلالتها، وأخذت معاني أخرى، فاطلقت على قطاع الطرق، أو للذين يقومون بعمليات السلب والنهب، وهذا ما نـُبرىء الشنفرى منه، ولا نميل للإتهامات التي وردت حوله في هذا الشأن في كتب التاريخ والأدب، فمثلاً يذكر حنا فاخوري، كان الشنفرى “يغير، وحده أو بقوم من أصحابه العدائين، متنقلاًمن حيٍّ الى حيٍّ، مروعاً النساء والأطفال، باعثاً الرعب والأضطراب في الرجال..”(8)

هذا الكلام نـُقل من كتب التاريخ للرواة والإخباريين، ولم يخضع للتمحيص والتحليل والتدقيق، لذلك لا أميل إليه كثيراً، وأنا في شك كبير من قبوله، لأن ببساطة قصائد الشاعر وهي تعكس شخصيته بصدق، تقول عكس  هذا تماماً، ولا يمكن للشاعر أن يكذب لحظة ابداعه الشعري -وإن قال البحتري الانتهازي: أعذب الشعر أكذبه!- وللرواة أن يخترعوا ما يشاءوا من قصص وأقوايل، وأن يجعلوا من الحبة قبة!

والآن نبدأ مع البيت البادىء بـ (ثلاثة أصحابٍ)، فمن هم هؤلاء  الأصحاب الثلاثة؟ فؤاد قوي بشيعته المشايعة له، وسيف مسلول من غمده المغمود، والصفراء العيطل تعني القوس الطويلة من شجر النبع(9)، وفي البيت التالي يمعن متماهيا برمحه الأملس الصلب المرصع المحمول الصائت، وإذا انطلق السهم من القوس، كأنما استل الجنين من رحم أمه، فتكثر المصائب على القوس المسكينة (الثكلى) -في رواية أخرى- فتولول وتصرخ وتعول على فقدان ولائدها، ويذكرني أصحاب الشنفرى بأصحاب المتنبي (ت354هـ/965م):

الخيلُ والليلُ والبيداءُ تعرفني  ***والرمحُ والسيفُ والقرطاسُ والقلمُ

أكتفي بها القدر من القصيدة  الفريدة غير المعلقة، وإن علقت في الفكر العربي والإنساني، ونفذت إلى قلوب العرب وعقولهم، وهي تتضمن ثمانية وستين بيتا من البحر الطويل، وأروم -لسبب ستعرفه بعد قليل- أن أعرج لمحة على قصيدته التائية بحق زوجه، ولك أن تقرأها كاملة  في ديوانه (10)،  وتتفكر في مدى احترامه لحقوق المرأة وعفتها، القصيدة التي عدّها الأصمعي أحسن ما قيل في خفر النساء وعفتهن:

ألا أم عمرو أجمعتْ  فاســـتقلتِ *** وما  ودّعتْ جيرانها إذ ْ تولـّتِ

وقد  سبقتنا أم عمرو  بأمــــرهـا  ** وكانتْ بأعنــــاق المطي أظلـّتِ

بعيني ما أمستْ فباتتْ فأصبحتْ *** فقضّتْ أموراً فاســــتقلتْ فولّتِ

فوا كبدا على أميمةَ َبعدمــــــــا  ***  طمعتُ فهبها نعمةَ َالعيشِ زلّتِ

لقد أعجبتني لا سقوطاً قناعهــا ***  إذا مـــــا مشت ولا بذاتِ  تلفّتِ

زوجه (أميمة) هجرته ورحلت دون أن تخبر أي أحد حتى جيرانها، الرجل لم يغضب، ولم يسخط، ولم تأخذه الحمية الجاهلية أبان جاهليتها، بل كافأها بأروع رائعة، وأرق الكلمات..(بعيني)…(فواكبدا)، ثم (لقدأعجبتني)…أعجبته بماذا؟ إنها لا تسقط قناعها تعمداً لإبداء حسنها، ولاتتلفت لكي لا تجلب الريبة لعفتها وخدرها، يقول الأصمعي معقباً: وقد تلقي المرأة خمارها لحسنها وهي على عفة، وأنشد قول الشماخ “أطارت من الحسن الرداء المحبرا”.

وكما لا يخفى هذه نظرة خاطفة جداً على الأبيات، وأحلتك لقراءة القصيدة كاملة (36 بيتاً)، والتمعن في أبياتها، أما انا المسكين المندهش، فغايتي التعقيب على قول المستشرق الأسباني هنري بيريس، كمثال على بعض العقليات الإستشراقية المتعصبة —بعد مروري على هاتين القصيدتين الإنسانيتين بكل ما للكلمة من معنى لشاعر يعد من أوائل الشعراء العرب، إن لم يكن أولهم.

 يقول السيد هنري: “وعبثاً تبحث في أدب المشرق عن فكرة إنسانية واحدة كتلك التي عبر عنها الزبيدي، أبو بكر محمد بن الحسن (ت379هـ/989م)، وهو شاعر نحوي أسباني، وكان مؤدب الحاكم الثاني:

والأرض شيءٌ كلـّها واحدٌ *** والناس اخوانٌ وجيرانُ

وهذه الفكرة نفسها تجدها عند تيرنس ,وهو كاتب لاتيني من القرن الثاني قبل الميلاد، فهو يقول في بيت له:

كلُ ما هو إنساني ليس غريباً عليّ”(11)

المستشرق الأسباني ما أراد بأدب المشرق إلا أدب العرب، ونسى أن الزبيدي نفسه هو عربي الثقافة واللغة والجذور، وإن عاش في الأندلس، ومنحه الهوية الأسبانية غصباً، وقارنه بشاعر لاتيني من القرن الثاني قبل الميلاد نكاية بهذا المشرق، وتكلم عن أدب المشرق كأنه عرف جميع أسراره، وغاص كلّ أعماقه، ولم يجد حتى لؤلؤة إنسانية واحدة في محاره! وكأنما الإنسان يكون إنساناً إنسانياً بجسده وشكله، لا بمعانيه السامية، وسلوكه الأخلاقي الرفيع، مع جلّ أحترامي، وعمق تفهمي لبيتي الزبيدي العربي وتيرنس اللاتيني.

نعود للشنفرى الإنسان، والعود أحمد، فالحقيقة لم يكن لـّلامية شأن في القرنين الأول والثاني للهجرة، ولكنها قفزت كقفزة الشنفرى في القرن الثالث، فشرحها المبرد وثعلب وابن دريد والتبريزي والزمخشري، والعكبري…وابن أبي علي النجار، وابن أبي لاجك التركي، وابن زاكور الفاسي، وعطاء الله المصري(12)  ونقلها أصحاب المختارات الشعرية أمثال ابن طيفور، وأبي علي القالي، والخالدين، وابن الشجري، ولكن أبا علي القالي (280هـ-356هـ/893م-967م) فجّر في (أماليه) إشكالية نقلها عن أستاذه ابن دريد تقول: إنّ لامية العرب” لخلف الأحمر وليست للشنفرى”(13)، ومما يضعف هذه الإشكالية العابرة  -وإن كانت للقالي العالي!- شهرتها عبر العصور للأزدي الصعلوك جبراً! بل قد صدر كتاب بتحقيق الدكتور محسن فياض تحت عنوان “المنثور والمنظوم…” لأبي الفضل أحمد ابن أبي طاهر طيفور(204 -280هـ)، أي ولد بعد وفاة خلف الأحمر (180هـ) بزمن قصير، وهو ثقة، مشهود له بالعلم والدقة، أشار إلى اللامية وشنفرها، ولم يأتِ لا من قريب ولا من بعيد على الخلف الأحمر، أماأبو العباس المبرد (ت285هـ) فأثبت بما لا يدع الشك أن لامية العرب إنما هي للشنفرى وليست لخلف الأحمر(14).

لم يكتفِ هذا الشنفرى المسكين بعد وفاته بمحاولات نحل لاميته، بل استلابها لصالح (الأحمر)، وما (الأحمر) إلا راوية وعلاّمة ولغوي ونحوي وشاعر من الطبقة الثانية في عصره العباسي، لا يتمتع بأخلاقياتها وبداوتها، ولا يستطيع انتحال عصرها لعصره، ولا يتمكن من وضع قصيدة بمثل هذاالمستوى الرفيع  —قد لا تجاريها بعض المعلقات سباكة وقوة لو قامت الدنيا وقعدت مع إقرارنا بعبقرية الأحمر الخلف،

إن كان (الهنري) قد منح الجنسية الأسبانية للزبيدي، فقد اختلف العرب بنسب الشنفرى واسمه ومكان ولادته ونشأته وحتى لقبه (15)، ولا يعرفون متى ولد؟ ولم يحددوا سنة مقتله، وهل هو عربي أم عبد لأبوين عبدين مملوكين؟! وهل هو أسير أم حر؟ وهل هو أزدي من السلامان أوالزهران؟ وكم كان عمره حينما قُتل أبوه؟ وما اسمه وما اسم أمه؟… ثم لماذا لم يختلفوا في معاصره امرىء القيس، الملك الضليل، حامل لواء الشعراء إلى النار، على حد تعبير الحديث النبوي(ص) الشريف… الحقيقة الشنفرى ذنبه وجريرته قد خرج على تقاليد القبيلة، وسلطتها الجائرة، وأعرافها السائدة، ثم أنه ضعيف النسب أو دخيل، ومن أم حبشية، فلا فصل ولا أصل، ولامية العرب الى الجحيم! وهل تعقل أنها تعلق عل أستار الكعبة، رموه على الأزد قاتلي أبيه، وحاضني نشأته، وقدموه لنا باسم (ثابت بن أوس الأزدي) على أغلب الروايات، وجعلوه صعلوكاً قاتلاً، قرر أن يقتل مائة من بني سلامان، ثأراً لمقتل أبيه، أولأبي زوجته، وربما لاستعباده وإخفاء السر، لأن الأصفهاني يذكر في (أغانيه) عنه: “..ثم قدم منى وبها حرام بن جابر، فقيل له: هذا قاتل أبيك، فشد عليه فقتله..”(16).

لم يذكرلنا أحد من النابهين كيف تعلم؟ وأين تثقف ليتفلسف؟ وما سرّ الأخلاق الرفيعة التي كان يتحلى بها؟ المهم عندهم قتل تسعة وتسعين رجلاً، وعجز عن اتمام المائة حتى قتله أسيد بن جابر السلاماني، ومن بعد سنتين على وفاته، عثر أحدهم بجمجمته فمات، وتم بحمد الله اكمال العدد، هل تصدق هذه الرواية العجيبة الغريبة، وهل تعقل يمر عليها الباحثون دون تعليق أو تفنيد، إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى ما يبدو لي أن العرب مغرمون بالتسعة والتسعين، لأنها أكبر من المائة، أما أنا فاتعب في لفظها، وأعجزعن كتابتها! لا أعلم كيف طرقت على ذهن امرىء القيس، والعصر العصر نفسه:

وقبلتها تسعاً وتسعين قبلة ً*** وواحدة ً أخرى وكانت على عجل !!

وحبكوا حوله الأساطير الأخرى غير قتله المائة الأشداء الأقوياء، فخطواته الجبارة تقارب العشرين متراً، لا تلحق به الخيول الأصيلة، وضرب به المثل “أعدى من الشنفرى”، أترك هذا الأمر، إشكاليات أخرى وقع فيها الرواة الأعزاء، فمثلاً حماد الراوية وخلف الأحمرخلطا بين شعره، وشعر المسكين الصعلوك الآخر تأبط شرّاً،  مع إن إسلوبيهما مميزان كما يبدو لي، وأكثر من هذا زعم بعضهم، إنهما شخصية واحدة، وهذا لا ريب غير صحيح، فالأخير اسمه (ثابت بن جابر الفهمي) من قبيلة قيس غيلان بن مضر بن نزار(17) (ت530م)، ثم أن تأبط شرّاً قد رثى الشنفرى – يقال أن الأول خال الثاني والله أعلم- بقصيدة منها:

على الشنفرى ساري الغمامِورائحٌ ***غزيرُ الكلى أو صيّب الماءِ باكرُ

عليك جزاءٌ مثل يومــــــك بالجبا   **وقد أرعفت منك السيوف البواترُ(18)

لئن ضحكت منك الإماء لقد  بكتْ  *** عليك فاعولنَ النســــــاءُ الحرائرُ

وإنك لو لاقيتني بعد مـــــــا ترى ***  وهل يلقينْ من غيبتهُ المقــــــابرُ (19)

مهما يكن من أمر، لقد وقع الرواة والأخباريون والمؤرخون في خلط كبير، ونقلوا إلينا الأخبار دون تمحيص دقيق، أو تحكيم لعقل سليم، سوى الأعتماد على سند يحسبونه ثقة، وعلى الحقيقة العفاء، وقد تدخل الوجاهة والكسب المادى والمباهاة والخيال لاختلاق أو تحوير الأخبار، وركزوا على النسب كثيراً لرفع شأن رجال، أو الحط من أقدار آخرين، ولو على حساب العبقرية العربية، ولابد أن يخطر على بالك وبالي، لا يعقل لم يكن هنالك شعراء قد سبقوا هذاالعملاق الشنفرى، ولم توجد ثقافة واعية، وربما دراسة منهجية. ضاعت كلها في ذمة التاريخ .

وقبل أن أختم موضوع التعصب للنسب، وأخذت الشنفرى إنموذجاً للعصر الجاهلي، وتوسعت قليلا في البحث عنه، لأنه من أوائل الشعراء العرب الذين وصل شعرهم إلينا، ولأهمية لاميته، واختلاف الرويات حوله حتى اختلطت الحقائق بالأساطير، ولا بأس أن نختم البحث بعنترة العنترة (ت 615)، وهو ابن شداد العبسي، فأبوه كان من علية القوم، ولكن أمه (زبيبة) أمة حبشية، سباها الوالد فانجبت له الولد، ونعم الولد، رغم أنه قد عانى في بادىء أمره من أحكام تقاليد الجاهلية الجائرة كالأستعباد، ولكن استطاع بفروسيته وشجاعته وذكائه أن يشق طريق التحرر، فمن يستطيع أن يتجرأ عليه، ويعبث به، وأصبح في حرب داحس والغبراء قائداً شهيراً، يلمح لابنة عمه الحبيبة (عبلة) في معلقته التي نظمها كما يبدو لنا لأجل عينيها:

يخبركِ من شهد الوقيعةَ َأنني  *** أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنم ِ

ولقد ذكرتكِ والرماحُ  نواهلٌ   *** مني وبيضُ الهندِ تقطرُ من دمي

فوددتُ تقبيلَ الســيوفِ لأنها  ***   لمعتْ كبـــــــارقِ ثغركِ المتبسم ِ

هل هذا العنتر التي حبكت حوله القصص والأساطير والسير، تخلص ونف بجلده من حساده ومناوئيه ومعيريه؟! كلا! الطبع الإنساني هو هو، متى ما وجد ثغرة تسرب منها للطعن والنيل من الآخرين -والعياذ بالله- وخصوصاً المتفوقين في أي مجال، والفارس العنتر تحسس بذلك، ولا تعوزه الفطنة والفراسة والحدس، إقرأ:

إنْ كنتُ في عدد العبيدِ فهمتي *** فوق الثريا والسماكِ الأعزلِ

وبذابلي ومهنـــدي نلت العلى *** لا بالقرابة ِوالعـــديدِ الأجزلِ

وكأن دعبلاً كان يخاطبهُ حين قال :

لو لم تكن لك أجدادٌ تبوء بهم  ****الا بنفسكَ نلتَ النجمَ من كثبِ

 وإلى  اللقاء، إن شاء الله، “وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة ” والسلام!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) هنالك رواية تجعل وفاته (510 م) ، وأخرى تزعم قبل الهجرة بسبعين عاماً.

(2)المهياف : هو الذي يبعد بأبله طالباً المرعى على غير علم ،  السوام : الماشية التي ترعى ، مجدعة : سيئة الغذاء , السقبان : جمع سقب ،  وهو ولد الناقة الذكر ، بُهل : جمع باهل وباهلة ،  وهي الناقة التي لا صرار عليها ،  والصرار ما يصر ضرع الناقة كي لا تُرضع .

(3)الخَمص : الجوع  ، الخُمص : الضمر  ،الحوايا : جمع حوية  وهي الأمعاء  ، خيوطة : خيوط , ماري : ربما اسم شخص اشتهر بصناعة الحبال وفتلها ، تغار : يحكم فتلها.

(4) الأمعز :  المكان الصلب الكثير الحصى  ، الصوان :الحجارة الملساء ، المناسم : جمع منسم وهو خف البعير ،  شبّه قدميه بأخفاف البعير ، مقلل : متكسر.

(5)  القعدد: الجبان القاعد عن المكارم ،  والبوغاء : التراب الناعم

(6) التنومة : الأرض القفر.

(7) راجع : شرح لامية العرب للتبريزي  ، ت  د.محمود محمد العامودي ، شرح مفردات الكلمات ص 140 – 174 ، ويذكر التبريزي ص 137 “لا أعلم أحداً وصف القوس بهذه الصفة  غيره” .

(8) راجع : حنا فاخوري : (تاريخ الأدب العربي ) – ط 11 – بيروت – 983 – ص 72 ،  وراجع تعريف : الصعلوك : د. شوقي ضيف في كتابه ( العصر الجاهلي ) .

(9) شرح لامية العرب للتبريزي – المصدر السابق

(10) راجع (ديوانالشنفرى) : ثابت بن أوس الأزدي -تقديم واعداد طلال حرب- ص 35 – دار صادر – 1996 بيروت –

(11) راجع : هنري بيريس : (الشعر الأندلسي في عصر الطوائف ) ص 31 – ترجمة الطاهر أحمد –

(12)  شرح التبريزي : المصدر السابق  ص 136

(13) راجع : أبو علي القالي : الأمالي ج! ص 156 ، واعتمدعلى هذه الرواية بعض المحدثين في شكهم ، أمثال :

كرنكو في مفاله بدائرة المعارف الإسلامية م 13 ص 396 ، وتستطيع أن تجده في الدائرة بطبعتها الفرنسية :

F.KRENKOW: AL -SHANFARA, IN ENCYCL, DE I ,ISLAM,IV,321 – 322.

  والدكتور يوسف خليف في كتابه الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي ص 172 ،  والدكتور شوقي ضيف في (عصره الجاهلي) ص 380 ،  ولا أميل لهذه الشكوك المشكوك في أمرها كثيراً ، راجع المتن .

(14)راجع لمزيد من المعلومات ( أعجب العجب في شرح لامية العرب ) للزمخشري – الطبعة الثالثة 1324 هـ ، غير مفهرس 160 صفحة ،  ( شرح لامية العرب ) للخطيب التبريزي ، تحقيق الدكتور محمود محمد العامودي، (نهاية الأرب في شرح لامية العرب ) : للأزهري ..عطاء الله بن أحمد – 30 ورقة – من مخطوطات الأزهر الشريف تحت رقم : 324660 آدب ،  وممن ترجمها إلى اللغة الانكليزية وشرحها المستشرق الانكليزي ردهوس ( ت 1892 م) ، وترجمت للفرنسية والألمانية .

(15) يقول الدكتور يوسف شكري فرحات في (ديوان الصعاليك ) ط1 – دار الجيل – بيروت – 1992  :يكاد يجمع المؤرخون عل أن الشنفرى لقب ( الغليظ الشفتين ) الا أن عبد القادر البغدادي يؤكد في كتابه خزانة الأدب أن الشنفرى هو اسمه الحقيقي وهو قحطاني من الأزد .

(16)أبو الفرج الأصفهاني : ( الأغاني ج21 ، ص 207 – دار الثقافة – بيروت – 1981- الطبعة الخامسة.

(17) راجع أبو العباس المفضل بن محمد الضبي : (  ديوان المفضليات ) – شرح أبي القاسم ابن الأنباري – ص 14 –  الثقافة الدينية – 2000م – بور سعيد.

(18)الجبا :: شعبة من وادي الجي عند  الرويثة بين مكة والمدينة – ياقوت الحموي :معجم البلدان ج2 ص  97 – يذكر بعض أبياتها.

(19)أبو الفرج الأصفهاني : ( الأغاني)  ج 21 / ص 188 – تحفيق سمير جابر.   –  دار الفكر – بيروت  – ط 2-

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

w

Connecting to %s