خلخال القمر” ودراسةٌ عنه”

هبة فتحي وخلخال القمر

أحمد فضل شبلول

يعد الشاعر نزار قباني أحد أهم شعراء العصر المؤثرين في قرائه ومحبي شعره، ومعظم الشعراء العرب المعاصرين تأثروا – في بداياتهم – بنزار بشكل أو آخر. بعضهم استطاع أن يتخلص من تلك القبضة النزارية على قصائده، والبعض الآخر ما زال تحت تأثير نزار حتى الآن. و من الشعراء الذين تأثروا بنزار في بداياتهم ولكنهم سرعان ما نجحوا في التخلص من تأثيره محمود درويش وفاروق جويدة.

في باكورة إنتاجها, وقعت الشاعرة هبة فتحي في قبضة نزار قباني كما يشيرلذلك الشاعر الكبير عبدالحميد محمود في تقديمه لديوان “خلخال القمر” . ويظهر التأثير الكبير والموحي في قصيدتها ” أنا و نزار” التي تتخيل فيه الذات الشاعرة أن الشاعر كتب لها قصائده المعروفة والشهيرة والتي يتغنى بها المطربون، وأنه صاغ مفرداته فيها وفي عيونها وشفتيها وخيّرها بين الموت على صدره أو فوق دفاتر أشعاره.

وكان لا بد من وجود مبرر تدخل به الذات الشاعرة عالم الشاعر وقصائده، فلجأت إلى أسلوب الحوار مع القصيدة: 

“سألتْني ذات قصيدة: 

كيف تجترئين على دخول عالم نزار؟

كيف تغوصين في أعماقه

وهو أسطورة كل الأشعار؟!

لتكون الإجابة: نزار نزاري، مع ملاحظة ياء الملكية في “نزاري” أي أنه ملكي أنا، أو أنه سكني وداري: هل أُمنع من سُكنى داري؟

ثم تكون الإجابات المتعددة حول هذا التأثير وهذا الامتلاك، فنشعر أنها مركز الكون الشعري ومركز الإشعاع والإلهام في شعر نزار وقصائده، تقول:

ألم يخبرك أنه حين تكلم عن عمق العينين

كانت عيني أمام عيونه؟!

حين تحدث عن كرز الشفتين

ذاق رضابي

فجُن جُنونُه

حيث يتحول التأثير من تأثير معنوي أو روحي إلى تأثير حسي أو مادي لدرجة التماهي في عالم نزار ككل، فهي التي يقول لها: صباحك سكر، ويرقص معها تحت المطر، ولأجلها يزداد جمالهُ هو (وليس جمالها) حين يقول: أحبك أكثر.

فهل نحن أمام نرجسية الذات الشاعرة (إنني أنثى لا تتكرر)، أم أمام المتخيل الشعري غير المسبوق، أم هو الافتتان بعالم نزار وشعره؟

أعتقد أننا أمام كل هذا في عالم هبة فتحي الشعري عموما، وتلك القصيدة على وجه الخصوص.

ونلاحظ التأثر بعالم نزار، بل ومذهبه الشعري على طول خط ديوان “خلخال القمر” فنرى على سبيل المثال: الغرام بالتبغ، وهو ما يحيل إلى قصيدة نزار “صديقتي وسجائري” والتي يقول في مطلعها:

واصلْ تدخينك .. يغريني ** رجلٌ .. في لحظة تدخينِ 

ما أشهى تبغك .. والدنيا ** تستقبل أولَ تشرينِ

وتقول هبة:

مازال طعم التبغ في فيكَ

على فمي منطبعٌ

نلاحظ أيضا حضور القهوة النزارية في عدد من قصائد هبة فتحي. يقول نزار في القصيدة السابقة:

والقهوة .. والصحف الكسلى ** ورؤىً .. وحطام فناجين

ويتكرر وجود القهوة في عالم هبة فتحي فتقول “وقهوتي في يدي هي جزء من منام”.

وتواصل قصائد الديوان تأثرها بنزار قباني وعالمه، فنقرأ قصيدة بعنوان “ما لم يخبركِ نزار به!” وهي تأتي امتدادا للقصيدة السابقة “أنا ونزار” ليتأكد لنا مدى سطوة نزار على حياة الذات الشاعرة في هذا الديوان.

 ولكن لنزار قباني قصائد ودواوين أخرى غير قصائده ودواوينه الرومانسية أو العاطفية أو قصائده المتوحشة، مثل “هوامش على دفتر النكسة” و”ثلاثية أطفال الحجارة” وأعماله السياسية الأخرى مثل: متى يعلنون وفاة العرب، وخبز وحشيش وقمر، وغيرها، ولكن هبة فتحي لم تلتفت إلى مواقف نزار السياسية، بل تمركزت ذاتها الشاعرة حول أعمال نزار الرومانسية أو العاطفية أو الحسية، و تأثرت بشدة بفلسفة نزار التي تدعو إلى الثورية والتحرر من التفكير الشرقي الماضوي الذي يكبلنا، والجَرأة في استخدام الكلمات والصور الشعرية مثل قولها: 

فعلى النحر أقيم ممالكي

وعلى الخصر أدور كما الغريق

وقولها:

كلُّ الحاناتِ معابد

والرقصُ صلاة

أو مثل استخدامها لمفردات سياسية في سياق عاطفي مثل: شيعيّ الغرام، داعشيّ التشدد، وهّابيّ المنطق.

وعلى الرغم من أن نزار كان يكتب بعض قصائده بلسان المرأة، أو على لسانها، مثل “مع جريدة” أو “صديقتي وسجائري” وغيرهما، فإن بعض قصائد هبة فتحي جاءت على لسان الرجل مثل قصيدة “طاووسي” التي تقول فيها:

تُشبهني

أو لا تُشبهني

لا يعنيني ذاك الأمر

فأنا مهتمٌ بالأنثى

لن يشغلني لونُ الشعر

طول القامة

نحت الخصر

أو قصيدتها “أول ما خلق” التي تقول في مطلعها:

حين أروم لأكتبَ عنكِ

ويبدو أنها في تماهي الذات الشاعرة الأنثوية مع الرجل، تحاول أن تقلد نزار في تماهيه مع الذات الأنثوية، ما يدل على أن الشاعرة شديدة التأثر ليس بالشعر النزاري فحسب، ولكن أيضا بالفكر النزاري، فقصائد نزار وشعره تصدر عن فكر ورؤية وموقف من الحياة والكون، تحاول هبة فتحي أن تتسلل إلى هذا الفكر وتلك الرؤية وتحاول أن تتخذ مواقف مشابهة، ولا أدري هل اطلعت على كتب نزار النثرية التي يتحدث فيها عن تجربته في الكتابة الشعرية مثل “الشعر قنديل أخضر” وغيرها، أم أنها اكتفت بدواوينه الشعرية فقط؟

غير أن المدقق في قصائد ديوان “خلخال القمر” سيلمح روافد أخرى غير الروافد النزارية، سنجد على سبيل المثال روافد درويشية في مثل قولها: “فأنتَ الشهيُّ كما خبز أمي” ولعلنا نتذكر قصيدة محمود درويش الشهيرة “أحن إلى خبز أمي”، كما أن هناك رافدا مهما آخر في أعمال الشاعرة وهو رافد الجَدة التي علمتها كيف تحب وكيف ترى الجمال الخفي في داخل أعماق القبح، لذا نرى وجود الجدة في بعض قصائد الديوان مثل قولها: جدتي كانت تقول … 

كما أننا نلاحظ روافد ثقافية تخبرنا بأننا أمام شاعرة مثقفة وقارئة جيدة للأدب والتاريخ العربي والعالمي، فنراها توظف أسماء بعينها لها دلالات وإشعاعات تاريخية مثل: حابي، سقراط، بجماليون، فينوس، الحلاج، يهوذا، سالومي، هيباتيا، الأحياء، ودروس الفلك وغيرها، فضلا عن أنها تأتي بصور دلالية تحيل على وقائع تاريخية أو دينية مثل قولها في قصيدة “صيف وشتاء”: “فإذا أتيت لمهدي فاهزز برفق” لتتم الإحالة أو التناص إلى قصة مريم العذراء وقصة المسيح عليه السلام.

وعلى الرغم من ثورية القصائد واتكاء معظمها على ما يعرف باسم قصيدة النثر، وأنا أعتقد أن الأمر – صراحة – يتصل بعدم تمكن الشاعرة من أوزان الشعر العربي ليس إلا، فإنها تلجأ إلى مفردات عفا عليها الزمن، ولم تعد متداولة في قاموس الشعر العربي الحديث، مثل غصن البان، أروم، الرضاب، وغيرها، وفي الوقت نفسه تلجأ أحيانا إلى مفردات نثرية عصرية لا تحيل إلى أي صورة شعرية مثل قولها: تقاريري اليومية، أنا كالعادة .. الخ. أين هذا من قولها على سبيل المثال في قصيدتها “اخلع نعليك”: 

ليس جميعُ الطهرِ بماء

بعض الطهر بملح الجُرح

بعض الطهر بماء سماء

وتلجأ الشاعرة أحيانا إلى ضرورات شعرية وتراكيب لغوية كان يلجأ إليها بعض الشعراء بهدف إقامة الوزن وشد المعنى وصولا إلى القافية المبتغاة، أما في مجال قصيدة النثر فلا ضرورة لمثل هذه التراكيب اللغوية ومنها على سبيل إدخال ال (التعريف) على الفعل الماضي، مثل “الأخبار الذابَتْ فيها” وتقصد الأخبار التي ذابت، أو “الأشعار الكُتِبَت فيك” تقصد الأشعار التي كتبت فيك. 

ولنتوقف قليلا عند مسألة أوزان الشعر العربي وتفعيلاته والتي تقول عنها الشاعرة صراحة في قصيدة “بوح مشفر”: تنهار كل القواعد تنحرف الأوزان، وأوزاني تتلاشى مني”  إنها تحس بفداحة الموقف عندما تنتظم التفعيلة ويستقيم الوزن ثم يهرب منها لعدم التمكن، وليس لشيء تكنيكي أو لعقيدة موسيقية ما.

أما عن تأثير البيئة السكندرية في أعمال الشاعرة، فقد لاحظنا أن الإسكندرية لم يرد ذكرها صراحة في قصائد الديوان، ولكنها موجودة ببحرها وعبقها وتاريخها وإرثها الثقافي، وعلى سبيل المثال سنجد قصيدة بعنوان “معشوقة البحر” نرى فيها “الخلخال الفضي حين يصافح الماء” وفي قصيدة أخرى نشم “مويجات العطر”، و”نسبح في لجة أعماق العيون”، ونقرأ رسالة للأزرق تغسل فيها الشاعرة روحها بالملح والماء، ونرى الموج يلامس كل تفاصيل جسدها بكل دهاء، فتشتعل الذات الشاعرة وتنصهر مع البحر الذي تعشقه في الشتاء أكثر من الصيف.

لقد احتوى الكتاب على 38 نصا تعد من باكورة أعمال الشاعرة هبة فتحي التي ننتظر منها الكثير في مقبل الأيام، فهي تمتلك الرؤية الشعرية والتعبير عما تريد البوح عنه، وأعتقد أنها بعد أن استوعبت التجرية النزارية واستفادت منها، سوف تستطيع أن تتخلص منها لينطلق صوتها الشعري الخاص في ظل اكتمال أدواتها لتكون صوتا شعريا قويا على الساحة الشعرية السكندرية بصفة خاصة، والمصرية بصفة عامة.

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s