نصب من طين وقش

إنعام جابر

بضفائر طويلة ووجه مدوّر كأنه القمر في تمامه استقرت فيه عينان حانيتان, خاطبت الفجر الذي تشهده كل يوم وأعتادت ان تلقاه وهي تتمنى ان يأتي لها بيوم جديد ، كلمته بهدوئها المعتاد ، لم يسمعها احد وحرصت ان توصيه ان يحتفظ بحديثها اليه سراً عميقا بينهما ، هو كان دوما يفي بالوعد لكنها ترجوه رجاءً هادئاً من هدوء روح ما تعبت من الهدوء ابدا.

اربعة ابناء وبنت حلوة كلهم مايزالون صغاراً ينتظرون خبز امهم ، خبز الفجر من تنور الدار. خبزات الأم شهية جدا يأكلها الأولاد وكأنهم يأكلون أشهى الطعام ، يفرحون به كل صباح ويجدونه مصفوفا على ( طبك) الخبز والى جانبه حبّات من الطماطة والخيار واحيانا قطع من الجبنة.  الاكثر فرحا بينهم البنت الحلوة ، تفرح بخبزتها التي تخصّها بها الأم ، انها (حنّونة) مريم.  وقبل ان تأكلها تكلمها:

_ أحبك حنّونتي جدا جدا ، لن آكلك الآن ، سألعب معك وعندما اتعب آكلك ، ارجوك لا تزعلي. 

انك لا تعرفين معنى الجوع. 

_ متى اراك تبتسمين ؟ افعليها ولو لمرة واحدة فقط ، متى ارى ضفيرتيك تطيران في الهواء؟ متى اراك تسبحين في تلك الترعة الوادعة؟ متى أسمع صوتك ؟ لقد طال صمتك حتى اني ظننت انك نسيت الكلام. متى يتحقق حلمك وانت تركضين في حقول الحنطة هذه؟  ومتى تجرؤين على ان تلاعبي طيور الدرّاج النائمة بين سنابل القمح قبل ان تكون بيضاتها قد فقست .

سألت ام مريم تلك الأسئلة التي عكفت على ترديدها هناك بالقرب من النهر اكثر من مرّة كل يوم وهي تملأ جرّتها الفخارية بالماء وتعود بها الى البيت كي تقوم باعمالها المنزلية. وعندما لا تجد جوابا لأسئلتها تلتفت الى ذلك الكائن الذي صنعته بيدها أعلى النهر وتضلله شجيرات واشجار.  لم تكن جرّبت يديها في النحت ولا عملت في صنع الفخار لكن الألم الذي سكن روحها منذ صدور قرار تزويجها بابن عمها الذي لا تحبه و لا تحترمه وهي ما تزال صغيرة لا تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها أوحى لها ان تخلق من طين النهر ومن قش الحقل نصبا تأوي اليه كلما ضاق بها الصدر والقلب:

_ هذه روحي تتسلل الى بدنك وهذا حناني يتسرب الى قلبك وهذه أشواقي تسري لتنام في عينيك ولكن ارجوك لا تخجلي ابدا ان كيانك من طين وقش ، أنه قلب حنون وهو خير من قلب قاس كالحجارة.

_ ألا توافقين ان أدعوك أختي التي احب وألجأ اليها كلما ضاقت بي ألأرض؟

_ أخبريني ، هل وافقت؟

_فهمت ، لقد وافقت وستكونين اختي التي ” لمّت عظامي وأحيتني”

_ حسنا سأخبرك عن تلك الأخت العزيزة التي لمّت عظام أخيها ومنحته الحياة.

_ كان يا ما كان في قديم الزمان أب له بنت وابن.  تزوج الأب بعد وفاة زوجته وكانت زوجة الأب كما هو معهود قاسية القلب كالحجر بل اشد قسوة.  سمعت البنت زوجة ابيها تطلب منه ان يأتي بابنه كي تطبخه وتأكله. بعث الأب ابنته كي تطلب من أخيها الحضور . مضت وهي تخطو خطوة للأمام وخطوات الى الخلف و تنادي بصوت خافت مرتجف ليخرج اسم أخيها حروفا تتكسر، تسقط من فمها  فتلتقطها وتحبسها وتطبق عليها فمها:

_ تعال لكن لا تجي (تأتي)

حضر الأخ ومثل بين يدي زوجة الاب, والأخت تراقب من بعيد.  جلس الأب وزوجته فأكلا الطبق الذي أعدته ثم نادت الأخت وأمرتها ان ترفع بقايا الطعام.  اسرعت الأخت فجمعت عظام أخيها وزرعتها تحت الحُبِّ وظلّت تسقيها وتراقبها كل يوم ودأبت تخاطبها:

_ يا روح أخي أزهري.

ذات يوم وبعد ان شربت النبتة من دموع الأخت أكثر مما شربت من سقيا الماء أثمرت ثمرة كبيرة مدورة انفلقت على حين غرّة فخرجت منها صورة تشبه الأخ . بعد أن عانقت الروح التي خلف الصورة وجدت أخاها حيّا كما كان قبل ان تحيله البغضاء الى كومة عظام.

_ لا تمسكي بضفيرتي ، سآتي غدا لأتأكد ان محبتي ومودتي سكنت قشاتك. أخبرتك بقصة الأخت وعظام أخيها لتعلمي أن في الكون قسوة أشد من قسوة زوجي وأهل زوجي وعلى الرغم من انني أعلم انك تحفظين تأريخ القسوة والأحزان.

_لم تأخرت؟ هل النهر في محافظة اخرى أم أن القطار تأخر عليك؟ لدينا ضيوف وعلينا أن نقدم طعام الغداء. ليس لدينا حطب فأسرعي بجمعه اولا ثم باشري بإعداد الطعام ، ثم ان الخبز ينتظرك فانظري كيف تسرعين بإعداده وان تأخرت فالويل لك.

_حاضر عمتي ولكن اما من أحد يعينني ، فالوقت ضيّق؟

_ ما من معين غير نفسك ، ثم تذكّري الدجاج الذي ينتظرك لتسقيه والزرع يبكي من العطش.

رفعت ام مريم عباءتها حد خصرها وعقدتها من طرفيها حوله واستعدت للمنازلة. كانت الشمس حارقة ، نزلت أشعتها كالمسامير على رأسها ويديها وهي تحتطب ما تحتاج لتطعم قدور الطبخ تغري به التنور.

يأتي الزوج ويبقى يجالس الضيوف وتبقى هي وحيدة في الميدان. يجهز الغداء ويأكل الضيوف. رمت ام مريم بجسدها على التخت وهي تتحسس كدمات في رجليها وجروحاً وخدوشاً في يديها.  لم تسمع كلمة شكر من الزوج ولم يشكرها احد في البيت. وهي في حال لا يسر العدو ولا الصديق سمعت صراخ عمتها:

_اسرعي لغسل الصحون والقدور قبل صلاة المغرب ثم جهزي خبز العشاء.

لم تنطق ببنت شفة. رفعت جسمها من على التخت وهي تسمع انين عظامها واحتجاج اطرافها. تمنت لو أن الليل ينقلب فجرا او أن لا يطلع الفجر. قرر  الفجر أن يطلع غير ان ام مريم لم تشهد طلوعه. وعندما استيقظت  لم تتذكر اي شيء سوى أنها تركت حلما جميلا على التخت خافت ان يطلع عليه أحد فيتهمها انها سرقت مما ليس لها فيه حق.

_ ألا تخجلين من نفسك، الشمس أشرقت وانت ما زلت في الفراش. لعنة الله عليك وعلى كل “فصليّة” لا خير فيها، صرخت ام الزوج.

وقعت كلمة “فصليّة” وقعا ثقيلا على اذنها وذكّرتها ان حالها حال الأسير الذي تظل الحرية طائرا حبيسا بين أضلعه يتمنى في كل لحظة ان يشق صدره فيطلق سراح ذلك الكائن الحبيس الذي يوشك على الاختناق. تجرعت تلك الكلمة بكل خزينها من التصبّر. مضت قبل ان تذوق طعام الفطور متجهة الى النهر فلديها تلال من الملابس تنتظر ان تغسل وتعود نظيفة قبل الظهر.

_ كيف حالك يا  أختي في الهموم؟ سألت ام مريم دميتها النصب الذي صنعته بيديها من طين النهر والقش.

_ ليلة امس شعرت بثقل همك حتى اني شعرت بقشاتي وخزت قلبي وخشيت انني ساسقط في النهر ولن أراك.

_ لو  تعلمين كم أنا تعيسة وكم أن كياني كله مرتبك ، لا اظنك عشت في أقفاص الأسر ولا جربت ان تختنقي بألمك وأن تفرّ روحك من بدنك وتشتاق ان تتّكئي الى غيمة بعيدة او أن تجدي ملجأً بين اوراق الشجر، قالت ام مريم.

_ الليلة الماضية كنت على وشك ان أنفجر ولم تكوني لتريني في مكاني.  هل لاحظت الأرض من حولي ، أرأيت هذه التلال التي اصبحت تحيط بي؟ هل لاحظت انها لم تكن موجودة قبل الليلة الماضية ؟ طوال الليل كنت أجد نفسي تحيط بي أسراب من طيور لا أجنحة لها تغطيها عباءات سود.  كل طائر منها حكى لي قصة أسره وتحولت قصص الطير عن اسرها. تلالاً الليل عليها فشعرت أني في ميدان أسر كبير، قالت الدمية النصب.

_ تعالي أيتها المقموحة، المكبوحة ضحكتها، المؤجلة أحلامها الى أجل غير مسمى، مابك يا أم مريم؟

_ أنا امرأة في كارثة من أمري ، أعاني من الأشتياق لكل الحياة ، أتنفّس ضيما وفزعا وأنام ليلا لا يطلع بعده نهار. أريد أن أشعر أنني أنسان كرّمه رب العالمين وجعله ارقى ما في الأكوان. في بيت أهل الزوج لا أحد يناديني باسمي الذي أظنني نسيته الآن.  أنت ايضا لا أحد يناديك باسمك ولكن الأمر معك مختلف.  أنت من طين وقش ولم اعطك اسما حين صنعتك.  ما يهمني انك مرآة لي وصديقتي التي ابثّ لها حزني.  كلما أتيتك وجدت وجهك منبسطا وعينيك ترنوان بحنان لكل ماحولك.  أردتك حين صنعتك ان تكوني مستودعا لا حدود له للوجع والتوجّع أيا كان مصدره.

_نعم ايا كان مصدره، أكدت الدمية النصب- قبل صلاة الفجر من ليلة أمس شاهدت موجات اثر موجات من ظلام يزحف نحوي.  كل موجة ترفرف فوقها صورة شاب بعمر الورد.  لم تنطق الصورة ولكن الموجة نطقت فوصلني صوتها متكسراً منكسراً أحال الهواء بيني وبينها الى لحن جنائزي امتد عبر تأريخ الأحزان في هذه البلاد ولم يقف عند مجزرة جزورها أحلى الشباب خطفوا في مكان يقال له قاعدة سبايكر حيث قتلوا غدرا ،  صاروا في النهر وتاهوا في النهار فلا احد وجدهم ولا اهلهم بنوا لهم قبراً.  كل امهات المغدورين بكين عندي ليلة امس وشكين لي هم الغدر.  لم امنِّهنّ بوعد  ان أكون الشاهد على حزنهن ولا على الغدر.

_ عجبت كيف للطين والقش أن يمتصّ كل هذا الحزن! قالت ام مريم.

غابت ام مريم يومين أو ثلاثة فشعرت بالضيق انها افتقدت صديقتها أعلى النهر. و شمّت صديقة ام مريم رائحة خبز الفجر ثم انتبهت فسمعت قبل شروق الشمس صوتا وكأن صاحبه يريد ان يطوي الأرض طيا ليلجأ الى من يأمل أن يهديء الرعب الذي يخرج عن فهمه. 

نعم صدق قلب الصديقة من الطين والقش.  لاحت أم مريم من خلف تلال الصبر، لا تتكلم ولا تصرخ ، فقط أشباح من أسئلة مرتبكة ، تتعثر بها.

_ يا صديقتي التي تحسن مخاطبة الصبر والصبر على الصبر. مدّي لي قشّات قلبك، هيّئي لي ارجوحة حنانك اتمرجح بها فلا افقد صوابي.  هل سمعت صراخ النسوة وصرخات الأطفال؟ هل سمعت عويل ابنة خالتي التي وجدت نفسها فجأة وبدون أي سبب مطلّقة؟ 

  طلّقها زوجها طلاقا وفق قانون يطلق عليه الناس قانون زواج ” الكصّة بكصّة” قانون الجاهلين، قانون الصم البكم العمي. ابنة خالتي لم ترتكب أي جرم لكن لأن حماتي طلّقها زوجها لذا يجب ان تطلّق ابنة خالتي , ورب العالمين يقول ولا تزر وازرة وزر اخرى.

_ أيتها المفجوعة بالجهل ومرتكبيه، قالت الدمية من الطين والقش، خذي من قلبي أجمل وردات الصبر .  خذيها وازرعيها حيثما شئت ، في الدرب الى البيت ، قرب التنور حيث تخبزين خبز الفجر، على السلم الخشبي الذي يتكئ على الجدار الموصل الى سطح الدار حيث تنامون في ليالي الصيف، فقد تأتي وردات الصبر بالصبر.

-قد تظنين، يا أم مريم أنّ ألمك أكبر الآلام .  ولكن مهما بلغت آلامكم من القسوة ومهما تحدّت كوارثكم شتى أنواع الحلول فلكم لسان تعبرون به عندما ينال منكم الظلم.  لكن هل يمكنك ان تتصوري حجم الهول عندما يسقط الظلم على الحيوان ؟  في عمق الليل وظلمات الليل  والنهر نائم والسماء تشهد على الأرض تقصدني  أسراب من ضحايا الظلم من مختلف الأزمنة  ومن مختلف الأحياء, ومن بين الصور التي مثلت امامي  حصان مرميّ على الأرض في علوة جميلة ، قوائمه مطويات تحته،  كانت عيناه مفتوحتين لكن لا بريق فيهما ورأسه لايتحرك وكأنه مثبت في اتجاه واحد. بدأت صورة ذلك الحصان الذي حاصره الوجع من كل جانب تحوم حولي وهي تدلي بشهادتها:

كان الرجل مالك العربة التي أجرّها قد اختفى تماما ولا أثر له بينما عمّت الفوضى كل أرجاء المكان إثر انفجار ضخم لشاحنة محملة بالخضر والفواكه المستوردة. كنت قد متّ وبالرغم من ذلك اشعر بعيني مفتوحتين. صحيح اني متّ ولكني بقيت احفظ خارطة الرعب على عيني . وسأقدمها الى ربي يوم الحساب وسأسأل ربي ان يسمح لي ان أسأل الأرهابي الذي خطط لقتلي وقتلني ولم اكن حتى أعرفه ولا كرهته.

_ كم من الصبر وجب علي ، يا أم مريم، ان افرغ على روح ذلك الحصان المحاصر بالموت. إن مهمتي ستبقى ان اهدي الصبر لمن يقصدني انسانا كان ام حيوانا او جمادا.  عبر الآف السنين من تأريخ هذا البلد وانا اقوم بمهمتي هذه وأن من يقصدني يستدل على مكاني بفضل خارطة الوجع التي تتمدد في عروقه وتبثّ اشارات ترسم صورته.

وعندما أخذت، يا أم مريم، من طين النهر ومن قشات هذه الأرض فسويتني نصبا من طين وقش يبدو انك لم تكوني تعلمين ان في هذا الطين ملايين بل مليارات الذرات من أجساد عاشت على هذه الأرض ولها بصماتها من الصبر.

_ يا صديقتي ونصبي ودميتي:

      أنتي صبر وآني صبر    ( نت صبر وأنا صبر)

(ألى متى يظل قلبي صابراً)  جم دوب كلبي يصطبر؟

 

 

 

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s