البُعد الآخر للضوء

مسرحية للمؤلف سعدي عبد الكريم

الشخصيات

  1. الحمال سعيد بن سعيد (الزوج).
  2. الخبازة نجية بنت عبد الله النداف (الزوجة).
  3. الوالي+أحد المارة+رجل أمن+أصوات.

يظهر الممثل الذي يُجسد الشخصية الثالثة بتنوع أدائه وفق (زمكانية) متفاوتة، مما لا يؤثر على تزامن ظهوره مع مشاهده التالية.

(التكوين الأول)

يَنفرجُ الستارة عن صوت خرير مياه نهر دجلة ينساب متواشجاً بشخير الحمال (سعيد بن سعيد) الذي غط بنوم عميق وقد سلطت فوق سريره الحديدي الصدأ بقعة ضوء بلون الخريف وهو يلتحف حتى رأسه بلحاف منسوج من (الجنفاص) يتململ في نومته كأنه في حلم، يمتزج صوت موسيقى حالمة بصوت شخيره، بينما تسلط بقعة ضوء صفراء أخرى على التخت الخشبي المحاذي لسرير سعيد، والذي نامت عليه زوجته (نجيه الخبازة)  وهي تدعك شعرها، تخفت بقع الضوء تدريجيا من على السريرين مع اختفاء الصوت، لتسلط بقعة ضوء أخرى بلون الدم يمين المسرح يجلس (والي بغداد) فوق كرسيّ الحكم يحمل بيده صولجان الحكم يعلو رأسه تاج ولاية بغداد وعن يساره مجموعة قضبان حديدية صدئه يجيء من خلالها أنين أناس معذبون وأصوات آهات تأتي من زنازين زمن القهر والفقر والأسى أبان الاحتلال العثماني، بينما جلس الحمال (سعيد بن سعيد) القرفصاء متشبثا بقضبان السجن الذي راح الوالي يداعبها بصولجانه وبصوت أجش حانق

الوالي / ما صنعتكَ ؟
سعيد / صنعتي .. حمال .. حمال يا مولاي.
الوالي / (يضحك)  ها .. ها .. ها .. حمالٌ .حمال .. وتحلم؟!
        وبِمَ حلمت أيها الحمال.
سعيد /  برغيف خبز .
الوالي سعيد / عافرم .. والله عافرم .
               اليوم تحلم برغيف خبز .
               وغدا .. تحلم بسرقة تاجي من فوق رأسي .
               خذوه … وافصلوا رأسه عن جسده .

(موسيقى حادة مع الإخفات تعود بقعه الضوء لتسلط فوق سعيد الحمال الذي يسقط من هول الحلم من فوق سريره الحديدي الصدأ متدحرجا على الأرض , يزحف على بطنه في باحة المسرح، وهو مرعوب يرتعش، ويحمـي رقبته بكلتا يديــه)

سعيد الحمال/ لا …. لا … لا .
        رأسي … رأسي .. لا تفصلوه عن جسدي .
        فهو أثمن ما املك .

(تستيقظ ( نجيه ) الخبازة زوجة سعيد التي نامت فوق ( التخت ) الخشبــي

وهي شعثة الشعر, تدعك عينيها ووجهها لتزيد ( طينته بله ) تنظــر لسعيد)

نجيه/ سعيد  !!!
( تهرع إليه وهي تتفحصه  )
       ما بك يا سعيد .
سعيد/ نجيه … هل رأسي على هامتي ؟ يا .. يا نجيه .
نجيه/ لا .. رأسك على مؤخرتك .

(  تدفعه بعيداً عنها )

نجية/ حلم آخر يا سعيد .. حلم آخر .
       لا تحلم يا رجل .. لا تحلم .
       الأحلام لا تليقُ بالفقراء .
       فأحلامهم كسحنتهم .
       سوداء بلون فقرهم .. وبؤسهم .. وأساهم .
       بَمَ حلمت هذه المرة .. يا … يا فحلي .
سعيد/ (يدور كالحالم) حلمت برغيف خبز .
       وهو نائم كطير القطا .. فوق مائدة الوالي .
       احلمي .. أحلمي معي يا نجيه بأن نلتهم رغيف الخبز هذا .
       على مائدة فحلك سعيد .. وهو والي بغداد .
       والخدم .. والحشم من حولنا .. نأمر وننهي على راحتنا .

       ونعلقُ رقاب الناس كيفما نشاء .. وأينما نشاء .
       في السجن .. في الشارع .. على جذع نخله .
       في الأقبية السرية .. على راحتنا .. تقتليهم بدم ٍ بارد 0
       وأنتِ جالسة تأكلين .. ولا يرف لك جفن .
نجيه/ لا اريد ان أكون زوجة والي .. ولا  سلطان .
( بغنج ) تركنا العنب يا سعيد .. نريد السلة .
سعيد/ أية سلة ؟!
نجيه/ السلة .. السلة يا سعيد !!!
سعيد/ أوه .. نامي نجيه .. نامي .
نجيه/ سأنام .. سأنام أيها الفحل.
       فلا فائدة ترجى منك .. لا في نهار .. ولا في ليل .

(تعود نجيه الى ( التخت ) تلتحف وتنام، ينزل سعيد من التخت بتثاقل،  يلبس نعله الجلدي المتهرئ يقف متفكراً وهو يدعك فروة رأسه)

سعيد/ حلمت برغيف الخبز .. فقطع الوالي رأسي .
       فلو كنت قد أكلت الرغيف .
       ما الذي كان سيقطعه هذا الوالي ابن الكلــ ….

( ينهض من على طرف السرير، ويضع يده على عانته وبفزع  (

       لا … لا … لا … إلا هذا أيها الوالي .
       فهو ما اثبت به فحولتي .. على فراش نجيه .

( يسمع صوت صياح الديك , ينظر الى السطح مستاءً )

 
سعيد / حقك .. بربي حقك  .. ربما شملك فرمان الوالي .
        فلم تعد تميز بين ليل .. أو نهار

.
(يحتوي سعيد المكان من حوله، ثم يعود بخطى وئيدة ليجلس فوق سريره(

        إيــــه .. يا سعيد .. أيها الحمال .. يا ابن الحمال .
        ها أنت داخل حجرتك الموبوءة بالصمت .
        والموشومة بالفقر .. والأسى .. والضّيم .
        وها هي نجيه ألخبازه زوجك .. تلتحف بلحاف العوز .. والقهر .
        إي حلم مقرف هذا .
        ما تزال أحلامك سوداء حالكة .. بلون يقظتك .
(ينهض) ولكني سابقي احلم..  وسأحلم حتى في اليقظة .
       رغما عن انف الباب العالي .. والوالي .
       فلا أحداً يستطيع مصادرة الأحلام.

(يسير يستلقي على سريره يلتحف حتى رأسه بغطاء (الجنفاص ) يبدأ بالشخير، تصعد بقعة ضوء حمراء تدريجيا من على السرير صوب صورة السلطان العثماني الضبابية والغير واضحة المعالم، تسقط الصورة فجأة من مكانها صوب الأرض مرورا بالسرير الصدأ ليحدث صوت سقوطها دوياً ممزوجاً بأصوات المدافع وأصوات تحليق الطائرات الحربية في السماء معلنة بدء الاحتلال الانكليزي , تنهض نجيه من نومتها تدعك عينيها تنظر لصورة السلطان المرمية علـى الأرض)

نجية / ما كل هذا الهول .

       انه غضب الله .. فوق رؤوس عباده.

 
) تفتح ستار الشباك المطل على الشارع تنظر الى الأعلى (

نجية / الشفاعة يا رسول الله  .. حديد طاير بالسمه.

(يقف سعيد وسط الباحة، وقد لبس بزة حربية انكليزية تحيطه به الأصوات المرحبة وتهتف له من الخارج ينفثُ دخان) البايب) في الفضاء ليخلق حوله هالـة من الوقـار متقمصا شخصية (الجنرال مود) وهو يحتفل باحتلاله لمدينة بغداد)

سعيد مود/ إنني باسم جلالة ملكي العظيم جورج الخامس , واسم شعوبه

             التي  يحكم عليها .
            أوجه لكم الخطاب الآتي .
            إن الغرض من معركتنا الحربية , دحر العدو , وإخراجه من الأصقاع.
            وإتماما لهذه المهمة وجهت اليّ السلطات العليا المطلقة

             على جميع الأطراف .. والتي تحارب فيها جنودنا .

( يضحك ضحكة ماكرة يحك صدغ جبهته وكأنه يستذكر شيئا كان قد نسيه)

سعيد مود / إلا أن جيوشنا لم تدخل مدنكم، وأراضيكم بمنزلة قاهرين، أو أعداء

              بل بمنزلـة محرريـن .

(تجلس نجيه وسط الغرفة وهي تجرش الحنطة بالمجرشة تلتفت لصورة السير برسي كوكس الضبابية والغير واضحة، تنظر اليها ملياً)

نجيه/ تفوا .. نفس الطاسة .. ونفس الحمام .
        يذهب والي .. ويجيء سير.
        كلكم تذبحون الناس .. فوق ناصية الفقر .. والعوز . والأسى .
        لقد دنستم وجه تراب هذه الأرض الطاهرة .. بإقدامكم النجسة .
        ربي شوفني يوم بالانكليز .. ربي دعوة مره عراقيه حرة .

(تنعس نجيه وهي تجرش الحنطة على المجرشة تغفو، تتعالى الاصوات بالخارج) الأصوات/ يسقط الانتداب الانكليزي .. تسقط معاهدة سايك سبيكو .
          نريد حكومة عراقية وطنيه .
سعيد/ (ينهض من سريره اليها مسرعاً) استيقظي نجيه .. استيقظي .
نجيه/ اتركني يا سعيد .. اتركني الآن .
       بعدين .. بعدين هذا مو وقت الـ ….
سعيد/ أيتها الخبيثة .. لقد ذهب فكرك بعيدا
       اسمعي … ما الذي يحدث في الخارج .. اسمعي .

(تعتدل بجلستها تدعك عينيها وهي تنصت للأصوات وقد تعالت في الخارج)

نجيه/ ما هذه الأصوات ؟
سعيد/ يبدو أن الشعب قد ثار على الانكليز .
نجيه/ نم سعيد .. نـم   .. أنهم حالمون كبار مثلك .

(تعود لنومتها فوق التخت)

(يسير سعيد صوب ( حب الماء ) يشرب منه حتى يبتل صدره وبصوت حزين)

سعيد/ من قال بأن الليل ينحسر
        ومن قال بأن القمر الفضي
        ينوء بحمل الظلمة
        بغداد  ..  خذيني أينما تشائين
        فللتلاشي معك .. مذاق آخر
        ودعيني أحلم ..  فأجمل أحلامي
        هي التي لم أرها بَعْدُ

(يعود سعيد الى سريره، ثم يعلو صوت اذان الفجر تنهض نجيه من سريرها)

نجيه/ يا الله .. يا رزاق .. يا منقذ العباد .. من ظلم العباد .

       سأشجر ُ تنوري .. واخبز خبزي .
       طاسة ماي .. ورغيف خبز حار من يد نجيه الخبازة .
       ملاذ آمن لسد جوع .. أهالي بغداد الفقراء .

( تنظر نحو سعيد وهو نائم , تقترب منه تُمسد شعره بيدها بحنوّ)

نجيه/ يا زوجيّ الحبيب .. أيها السعيد الذي يسكن في سويداء القلب .

      أيها المجبول بالطيبة .. والحب .. والفحولة .
      يا وحشة الروح في ادلهام الليالي .
      وترف النفس عند الخوف من الماضي والآتي .
      يا ملاذي .. يا ترنيمة أشدو بها على مشارف بغداد .

) يجيء من بعيد صوت خرير ماء دجله صافيا كنقائه (

نجيه/ أسمع …يا سعيد أنه خرير ماء دجله .
       انه أجمل من كل أحلام العمر .
       انهض يا عزيزي .. انهض .
(تهز جسده ، يفزع سعيد من نومته)
سعيد/ ها … ها .. هل أطاحوا بالانكليز .
نجيه/ دع المستر كوكس والباشا بلفور يحكون فروة رؤوسهم .
      ويفكرون ما الذي يستطيعون ان ينهبوه .
سعيد/ إذن لم أيقظتني من نومتي .. ها ؟
       اتركيني أحلم يا امرأة ..

نجيه/ حلم آخر .. حلم آخر يا ابن سعيد .
سعيد/ أنت ِ لا تفهمين .. أنا .. أنا أريد لك الخير يا امرأة.
       واحلم .. لكي تصبحي كــ.. كالست زبيدة .
نجيه/ دعني وشأني .. لا أريد ان أكون الست زبيدة .. ولا الملكة كيلوباترا
      بل أريد ان أبقى نجيه الخبازة .. كما أراد لها الله أن تكون .
سعيد/ عجيب أمرك نجيه .. النساء يتمنين أن يصبحن خواتين .
       وأنتِ .. لا ترين َ إلا ما تحت قدميكِ .
نجيه / سأتركك لأحلامك .. وأشعل نار التنور .
سعيد/ هكذا أنتِ .. تريدين أن تسلقي البيضة على عين الشمس .
نجيه/ وما الذي تريده أنت .. ها ؟!

(تسير نجيه صوب التنور تشعله يعم الباحة الإظلام إلا من سنا نار تنور نجيه)
(تعلو في الخارج أصوات الهتافات)

الأصوات/ الطوب أحسن .. لو مكواري .
(تنبلج الإنارة ينهض سعيد من السرير يدور في الباحة مغتبطا)

سعيد/ نجيه … لقد فعلتها الفالة والمكوار يا نجيه  .. وخلصنا من الانكليز

(تطلق نجية هلهولة عالية)

(التكوين الثاني)

تنفرج الإنارة عن الغرفة برمتها وقد علت سرير نوم سعيد الصـدأ صـورة الملـك )فيصل الأول) تتوسط صورة (سعيد الأب) و (نجيه الأم) وعلى جانبيهما علقت )عليجة) حماله وزنيل خوص وملابس صوف رثة خشنه و ( تخت ) خشبي يسار الغرفة وراديــو ( أنتيكه ) كبير جاثما في إحدى الزوايا وإبريق ماء نحاسي وطست كبير على يمين الغرفة يجثم ( حّبْ ) الماء بجانبهما وضع تحته صحن من النحاس يكاد يُسمع صوت سقوط قطرات الماء المرتمية داخل فضاءه المعدني وكأنها الثبات الأزلي للصفاء ، جرة ماء من الفخارعلى الطراز القديم تنزوي جانبا، قفص البلبل يتدلى من أعلى وسط الغرفة , تنور ( نجية ) المملوء بشظايا الألواح وكتل الأوراق الممزقة يقبع في أعلى يسار المسرح متفرداً خارج الغرفة ، نسمع صوت تغريد البلبل ممزوجاً بصوت قطرات الماء ، يسير سعيد ابن سعيد الذي بدا أكثر شبابا صوب (حب) الماء يشرب منه بشغف يسيل الماء على صدره

سعيد / الله .. الله عليك يا ماء دجلة .. والله أحلى من العسل .

يتجه سعيد صوب صورة والديه سعيد ونجيه يمسح عنهما الغبار ، بينما تقف نجيه زوجته أمام تنورها والتي بدت أكثر شبابا

سعيد/ لقد أورثونا الأسماء وعناوين الفقر .. والجوع .. والأسى.
       أيـــه .. ارث جليل .. وحمل ثقيل .
       والانكليز يلعبون بالبلاد بانتدابهم لعب .. وكأن العراق أرث لآبائهم .
نجيه/ ما لنا والسياسيه .. يا سعيد .
سعيد/ على رأيك .. ما لنا والسياسية .
       فالسياسية بئر غائر .. لا يسلم من يُلقى في اتونه .

(يسير صوب قفص البلبل المتدلي من الأعلى يطعمه فتات الخبز)

سعيد/ لم يبقَ لي في هذه الدنيا .. إلا أنتَ .. وديكي .. ونجيه .

(يعود ليضع عليجة الحمالة على ظهره ويحمل زنبيل الخوص يضعه على كتفه)

سعيد/ يا الله … يا رزاق .. يا وهاب .. يا كريم .
نجيه/ توكل على الله يا عزيزي .. وليكن في عونك .
سعيد/ بلى والله .. وليكن الله في عون ظهريّ المسكين هذا ..

نجيه/ الى أين وجهتك ؟
سعيد/ لا اعرف .. ربما شارع الرشيد .. شارع السعدون، سوق البتاوين، خان

        المخضر، او ربما سوق الشورجة .. لا اعرف وجهتي الى الآن .
نجيه/ حدد وجهتك يا ابن سعيد .
       فمن لم يحدد وجهته .. لن يصل .
سعيد/ خبازة أنت ِ .. امْ .. امْ جميل صدقي الزهاوي حضرتك .
       يسلخ ُ الفقر جلدها .. وتتفلسف .
       عجيب هذا الزمان .. والله عجيب .
نجيه/ وما العجب في هذا ؟!
       لم يمنع الفقر والأسى الناس يوما .. من أن تفكر .
سعيد/ نجيه .. اخبزي الخبز .. واتركيني في همي .

(تنظر اليه بانكسار تتحدث نفسها وهي تراقبه وهو يسير صوب باب الغرفة)

نجيه/ سهل الله أمرك .. يا سعيد الحمال .. يا ابن سعيد الحمال .

( يسير سعيد صوب باب الغرفة الجانبي يفتحه ليبدأ إظلام تدريجي(

(تنبلج الإنارة على سوق بغدادي وسط باحة المسرح سعيد في السوق وهو يردد(

سعيد/ حمال .. من يريد حمالاً .
       أفهم من الحمار.. وأقوى من البغل  .. وافحل من الثور .
       يحمل كل الأثقال .. والأوزان  .. من الكيلو .. الى الأطنان .
       من جانب الكرخ .. لجانب الرصافة  ببغداد.

)   يحدثُ أحد المارة  )
سعيد/ حمال يا سيدي .. حمال .
       هل تريد حمالا يحمل الإثقال . . ويرفع عن ظهرك الأضرار .

(يدفعه الرجل يتراجع الى الوراء مترنحا يوازن جسده بصعوبة ليقف على قدميه)

سعيد/ أعصابك حبيبي .. أعصابك .
       لماذا تستخدم يدك .. هل ابتلعت لسانك .

(ينزل الى صالة المتفرجين يتقدم نحو سيدة جالسه في الصالة)

سعيد/ سيدتي .. حمال يا سيدتي حمال .
      هل تريدين حمالا .. يحمل الأثقال .. ويكره الثرثرة .. ويعشق الأفكار .

(بضجر) لا احد هناك .. لا احد يريد حمالا .

)يصرخ داخل صالة المتفرجين يشير بيده إليهم  (

سعيد/ ماذا تريدون إذن   ؟! لا تريدون حمالاً
       كيف اذن سأملأ بطني …من مال حلال .. أم من مال حرام .
       من منكم يعرف هذي اللوعة .. من ذاق مرارة ان يولد من رحم الأرض فقيراً
(باسترخاء)  هـه .. لا عليكم .. فالأمر سيان .  والمسافة ذات المسافة.

       ان تدخل الى الخارج .. او تخرج الداخل
       فهي شعرة واحدة .. تفصل بين الحلال .. وبين الحرام .
       نجيه ينحني ظهرها فوق التنور .
      وعليجة الحمالة .. حفرت أخدودا من القيح فوق ظهري .
      وانتم تنامون فوق فرشٍ من حرير .

) أصوات تظاهرات مجلجلة تملأ المكان،

أصوات / يعيش الشعب .. ولتسقط الملكية .. ويسقط نوري السعيد.

(يعدل سعيد عليجته على ظهره ويحمل زنبيله، يدخل الى السوق رجل أمن)

سعيد/ عجيب .. إي واللهِ عجيب .
       بالأمس كنتم تهتفون بحياة الملك .. ورأس نوري سعيد .

( يحتوي سعيد المكان من حوله  )
سعيد / يبدو ان السوق قد خلا من المارة .. إلا من عيون العسس .
        ولم يدخل في جيبي في هذا اليوم الأغبر .. فلس احمر .
        سأعود الى نجيه .. بخفي حنين .. وأمري الى الله .
        فأمثالي لا يملكون سوى رفع أعناقهم الى السماء للدعاء

(يسير بضع خطوات يمر من أمامه احد المارة لاهثـاً يدفعـه دفعة قوية، يسقط سعيد أرضاً، يهرب الرجل خارج الباحة ، لتقع من يد الرجل حقيبة جلديـة منتفخة)

سعيد/ لقد كسرت ضلوعي .. أيها الحمار  .. لم كل هذه العجلة .
       كلنا نلهث لإطفاء نار الفقر .. والجوع .. والأسى .

( ينظر الى الرجل الذي غادره ، يحاول النهوض ليقف على قدميه يعدل عليجته يحمل زنبيله، تلوح له نظره زائغة صوب الحقيبة التي وقعت من يد الرجل على الأرض يسير نحوها ببطء، وحذر، وتوجس، يرفعها عن الارض )

سعيد/ يبدو أنها مليئة بالمال .. والذهب.

(يحتضنها بين ذراعيه يتحسسها)

سعيد / وأخيراً ..  ذهب عنك النحس، والضّيم .. وأسى الماضي يا ابن سعيد .
        ستركل الفقر بحذائك المتهرئ هذا على قفاه .

(يفتح الحقيبة وهو ينظر من حوله بتوجس)

       ما هذه اوراق ؟! إنها منشورات !!! منشورات  !!!

(يجلس ويخرج المنشورات من الحقيبة يفرشها أمامه على الأرض ينظر إليها بحنق، يقفُ ثابتاً يرمي المنشورات عاليا لتتساقط فوق الباحة كالمطر(

سعيد/ الى الجحيم .. الى الجحيم .. أنتَ  ومنشوراتكَ .. والحكومة .. والملك .
       ونوري باشا السعيد .. وكل الفقراء .

) تتعالى أصوات ( صفارة ) رجل الأمن يهرع نحو سعيد يمسك به)

سعيد/ أنها ليست لي .. اقسم لكَ برأس نجيه .. أنها ليست لي .
       أنها لذاك الرجل .. تركها وسط التظاهرات و .. وهرب.
       أنا رجل حمال .. أدور كثور الساقية حول نفسي .. لكسب لقمة عيشي .
رجل الأمن / سيذهب جلدك للدباغ .. حتى  تثبت نفسك أحصيني .

(يُسحب رجل الأمن سعيد الى الى خارج الباحة، مع إظلام لتنفرج بقعة ضوء على نجية وهي تدور داخل السوق بعباءتها وهي تصرخ يصوتٍ عالٍ)

نجيه/ أين أنت يا سعيد .. أين أنت يا نور العين .
      الى أين أخذوك يا زوجي .. وقرة عيني .

( تنزل الى صالة المتفرجين تدور حول الوجوه وهي تسألهم  (

      سيدي .. سيدي هل رأيت سعيد .
      وأنت ِ يا سيدتي 0 هل رأيت ِ سعيد بن سعيد الحمال .
     وأنت َ يا سيدي .. هل تعرف الى اين اقتادوا زوجي .
     لا احد يجيب .. وكأنكم ابتلعتوا ألسنتكم .

(تصعد الى الباحة ، ينبلج من الزاوية اليمنى للباحة باب سجن محاط بقضبان حديدية صدئه، تطرقه نجية تكلم رجل الأمن الواقف على باب السجن)

نجيه / أبختك عيني أبو إسماعيل .. الله يحفظ عيالك .. وأم عيالك .
        هل سعيد عندكم .. خلف هذه القضبان .. في هذا المعتقل.

( يدفعها رجل الأمن تنهض من الأرض تهرع لطرق باب سجن آخر تحاور قضبانه)

نجيه/ بلي … بلي … اسمه سعيد ابن سعيد .
        انه حمال .. ابن حمال .. وجده حمال .
         نعم .. نعم هو يقرأ كثيرا .. لكن والله .. ليس له شأن بالسياسية .
         ها … تهمته .. تهمته .. يقولون وجدوا لديه منشورات .

(يدفعها رجل الأمن بقوه تدور كالمجنونة داخل الباحة تصرخ بصوت عال)

نجية/ هو حمال .. والله العظيم حمال .
       يمشي بجانب الحائط طوال النهار .. ولم يؤذي أحدا قط .
       وديدنه السماحة .. والعفو .. والسلام .. رغم أن الفقر نخر عظمه .

(تنزوي بركن السجن ، تتهاوى من خلال القضبان على الأرض تنتحب باكية)

نجية/ أين أنت َ يا سعيد .. يا كل عذاباتي الجميلات .
       أين أنت َ .. يا فلذة كبدي .. ووالد طفلي الذي سيولد عما قريب .
       أين أنت .. أين أنت يا ملاذي .. وخيمة بيتي .

(تسلط ُ بقعة ضوء على سعيد وهو يقف خلف قضبان معتقله ممسكا بها)

سعيد/ أنا هنا … أنا هنا .. يا نجيه
         يا قمري .. ويا دفء الليالي السود
         أنا هنا التحف بالبون السافر للوهن .. والفزع .. والأسى
         لأنهم سلخوا جلدي .. وما زال السوط يعالج أوداجي
         في المخافر العلنية .. في الأقبية السرية

(تنهض نجية تهرع إليه وهو ينظر إليها وبينهما هول من القضبان الصدئة)

نجيه/ عيني عليك .. عيني عليك يا قرة عيني .
سعيد/ نجيه .. لا تغادري مقلتيّ يا ملاذي .. فانا أشتهيك يا قلقي
       لا أخفيك سرا .. في الليلة الماضية حلمت بوجهك النوريّ
نجيه/ حلم ثانية  .. أتحلم يا سعيد … وأنت منزوع الجلد .
سعيد/ حلمت بك يا نجية
         وأنت تملئين جرة الفخار القديمة
         من ماء بكاء النجم
         لتسقين به بون جروحي
        أفقت ُ من غفوتي …
         رأيتك ِ ناثرة الشعر وحولك ثمّة نسوة لا اعرفهن
         ينثرن َ ماء الورد فوق رُفاتي
نجيه/ اسم الله عليك .. يا بعد عيون نجيه .
سعيد/ أوصيك ببيتنا العتيق يا نجيه .. وبلبلي .. والديك .. وبولدنا القادم .
       وأوصيك ببغداد .. وخبز الفقراء
       فقطرات الدم النازفة من جسدي الآن
       محبرة ٌستدون تاريخ مساراتنا القادمة .. وسيكون الأتي أجمل .. يا نجيه .
      فالصبح آتٍ لا محال .

(تهبط يداه رويدا من القضبان ينزل الى الأرض مقهورا)

سعيد/ بغداد … يا سر بقائي .. وأجمل أحلامي
       بعيدة بغداد .. قريبة بغداد
       من يوقف السؤال في ذاكرة المحكوم بالبوح بعد الصمت

(مع اظلام تدريجي، تُنار الاضاءة على غرفة نجية وهي جالسة تعجن العجين وقد هبطت من مآقيها دمعات بلون الندى،  تسمع صياح الديك ترفع رأسها الى السطح)

نجيه/ على من تصيح .. أيها الديك .
       صاحبك في السجن .. يتلظى بنار سطوة جلاديه .

(تنظر نجيه لمجموعة من الصور المعلقة براويزها على جدار الغرفة دون صور)

       تتوالى الحكومات .. وتتبدل الصور

       وما زال سعيد بن سعيد يتقاسم طعامه مع الفئران في محبسه

       أنه بعيد .. ذلك البعد الاخر للضوء .. بعيد .. بعيد .. بعيد

( تعلو أصوات عالية حادة وهتافات في الخارج)

(فجأة تتساقط كل براويز الصور من مكانها الى الارض لتتحطم، يدفع سعيد الباب الخارجي للغرفة ، وهو بملابس المعتقل ليفاجئ نجية، تهرع إليه تعانقه، وتقبله)

نجيه/ الم اقل لك يا سعيد .. بأن الليل سينجلي .
       وسيجيء الضَّوء .. وتعود بغداد جميلة كما كانت.

سعيد/ نجية .. أنت وبغداد .. نخلتان فارعتان .. بجمارة ٍ واحدة ٍ .
       وما أبهى الدنيا .. حينما يكون للمرء حبيبتان .

نجيه/ ماذا ؟!
سعيد/ الأولى نجيه .. والثانية بغداد .
         إنها بغداد .. بغداد يا نجيـه .. بغداد .

(التكوين الثالث)

تضاء الإنارة على غرفة سعيد ابن سعيد وهو جالس فوق كرسي خشبي وأمامه طاولة صغيرة يتوسطها كتاب ديوان المتنبي بينما علت صورة أبيه سعيد وأمه نجيه التي أزيل عنهما غبار الأزمنة الفائتة وقد راح صوت المذياع يصدح بصوت قارئ المقام ( محمد القبانجي ) وراح سعيد يردد معه بغبطــة منتشيــــــاً.

سعيد/ الله … الله يا محمد الكَـبنجي .. يا أعظم قارئ مقام أنجبته بغداد .

( يرفع ديوان المتنبي من على الطاولة يقرأ فيه بصوت لامع )

سعيد / وإنـي لمـن قـوم كـأن نفوسـهـم

              بها أنَفٌ أن تسكـن اللحـم والعظمـا

(يُقلب صفحات الديوان ثم يقرأ)

        على قلقٍ كأن الريح تحتي

                      اسيرها جنوبا او شمالا

سعيد/ الله .. الله يا افحل شاعر انجبه العراق

(تدخل على سعيد نجيه في الغرفة، وقد علت بطنها وهي بأبهى حُلة ، وسعيد يترنم بإلقاء أبيات المتنبي ينهض من مكانه منبهرا بمظهرها بأخذها من يدها يلفها حوله ، يراقصها على صوت موسيقى حالمة جميلة)

سعيد/ ما هذا نجيه .. ما كل هذا .. يا بنت عبد الله النداف .

) بغنج ودلال ، وهي تقف قبالة سعيد بزهو أخاذ  (

نجيه/ ما بالك يا رجل .. ألم ترى نجية من قبل.

(يحتضها يداعب خصلات شعرها يتحسس وجنتيها بيده يضع أذنه على بطنها)

سعيد / سعيد الصغير .. يرفس في داخلك .

        وها هو الدم قد عاد يتدفقُ من وجنتيكِ الجميلتين .
        وعادت البسمة لثغركِ الذي يشبه عنقود عنب .
        وحياتك نجية .. لو كنت اعرف بأن الثورة  ضدالملكية.
        هي التي سيتعيد إليك كل هذه النضارة لفعلتها من زمان .. ولوحدي.
نجيه/ التغيير يا ابن سعيد .. يأتي من هنا .. من هنا .. من الداخل .

(يقود سعيد نجيه من يدها الى وسط الباحة مع الإظلام يختلط صوت سعيد الذي اجتاح فضاء الباحة والذي يجيء متواشجا مع تسليط بقعة ضوء حمراء تحيطهما من الأعلى ، مع موسيقى حالمة)

سعيد/  نجيه .. هل تأتين معي
        صوب اعتلاء المخاوف
        وذبح التوجس تحت مقصلة الزهو
        فثمة متسعٌ للحب هناك
        وبقايا من الرؤى الحالمات
        واحتفال بتلك الوجوه الندية

(يسحب سعيد نجية صوب السرير الحديدي الصدأ ترافقهما بقعة الضوء الحمراء حتى يلتحفا بنفسيهما فوق السرير الصدأ يفزعا من نومتها على سقوط صورة ضبابية من الجدار, ينزل سعيد هلعاً من السرير محاولا ان يلملم أشلاء الصورة التي تحطمت فوق وجه الباحة , يسمع في الخارج ضجيج وأصوات طائرات يهرع سعيد صوب الراديو يشغله يضرب على جانبيه بيديه بقوه بينما تبقى نجيه في مكانهــــا بلا حراك وهي مُذهلة، يصرخ سعيد صرخة عالية وهو يترجل من السرير ليتوسط الباحة يخر على قدميه ناحباً)

سعيد/ لا … لا … لالالالا ………….. .

( يهرع صوب منصة الباحة صارخا)

     اقبضوا عليه .. فذاك القمر لم يكتمل بعد
     والناسِ حفاة .. يهرعون الى البعد الاخر للضَّوء

(تنسل نجيه من مكانها رويدا لتدخل مدار سعيد الضوئي)

نجيه/ في بغداد .. وعلى شاطئ دجلة
      كنا نبني بيتا من رمل
     ينهار البيت من عصف الريح
     ثم نعود لنبني بيتا آخر
     ونسميه على اسمينا
سعيد/ كنا نستظل من القيظ بأجسادنا العاريات
       نحلم بالغد .. نحلم ان نبني بيتا ً ونسميه بأسمائنا

      لكن حلم الضَّوء لم يكتمل

( التكوين الرابع (

تضاء الإنارة على ماكينة النسيج الذي يعمل عليها سعيد وأصوات ماكينته تملأ فضاء الباحة , سعيد منهمك بالعمل وهو يلبس بدلة العمل الزرقاء ، يبدو حزينا , فجأة تتعالى في الخارج اصوات وقع اقدام رجال، وأصوت اطلاقات نارية، وأصوت سيارات الشرطة، وضجيج يمـلأ فضاء الباحة يدخل رجل الأمن.

رجل الأمن من انتَ؟!.

سعيد/ أنا عامل .. لا .. لا انا حمال  بن حمال .. وامشي بظل الحائط .

رجل الامن/ تعال معي

سعيد/ الى اين؟

رجل الامن/ ستعرف عندما يسلخ جلدك

سعيد/ ممكن ان نتحاور من لطفك

رجل الامن/ ماذا .. نتحاور .. تحاور هناك عندما ننزع اظافرك

سعيد/ الستم تنادون بالحرية .. وقبول الاخر

( يضحك ) رجل الأمن / ماذا ؟!  قبول الرأي الاخر .. نفذ ثم ناقش بابه

(يُسحل رجل الامن سعيد الى خارج الباحة مع إظلام الباحة تدريجيا ، تضاء الإنارة في إحدى زوايا الباحة سعيد داخل زنزانته وهو مدمي الوجه ومكبل اليدين والقدمين جالسا على كرسي حديدي صدأ  يُفتح باب الزنزانة التي جاء ازيز صوتها ليصم السمع يدخل رجل الامن ليحقق مع سعيد)

سعيد/ من انتم … وما الذي تريدون مني .
رجل الأمن / اسمع لك انت هنا لتسمع الاسئلة وتجيب .. افتهمت

سعيد / حسنٌ .. شوفوا شغلكم أغاتي .

رجل الأمن / هل أنت غوغائي .

سعيد / ماذا قلت .. ماذا .. أنا .. أنا غوغائي .
(ينهض)  لا .. حضرتك مفتهم القضية بالغلط .

(يضربه رجل الأمن على وجهه ليعود ويجلس على الكرسي)

رجل الأمن / هل تنتمي لحزب قومي .. لحزب شيوعي، لحزب ديني.

سعيد / شلون .. شلون .. تنظيم ديني !.

رجل الأمن / اعترف حمال ابن الحمال .. وإلا انزع مليون جلد من جلدك .
سعيد/ على ماذا أعترف .. ليس لدي شيء .. اعترف عليه0
       

( ينهال على جسده سوط رجل الأمن وهو يصرخ من هول التعذيب)

سعيد / أتضرب بجلد حمار .. ابن الحرام .

(يسقط سعيد من فوق الكرسي وهو مكبل يزحف على الارض والدم يسيل من فمه)

سعيد/ يعتريني انكسار واهن
وأنا ابحث الآن عن نقطة للوصول
عن هدأه للسكون
كأنني مثلما أتيت .. أعود
لأرحل ثانية نحو القاع
للبعد المظلم للضَّوء

(إخفات تدريجي لمكان التحقيق وللباحة، نجيه داخل ظلمة الباحة وهي تحمل فانوسا بيدها، تقترب من منصة الباحة)

نجيه/ أنا وأنت َ يا سعيد
      حين تصفو لنا الدنيا
      يغادرنا الحلم
      لنحلب قيض المفازات
      ونحضن سعف النخل
      نمرغُ في دائرة الطلع وجوه الطغاة

(تنار بقعة ضوء على سعيد وهو على كرسيه داخل الزنزانة يسمع صوت نجيه)

سعيد/ على هذه الأرض ولدتُ .. وأصبحتُ حضارة

         فأنا رجلٌ آتٍ من البُعدِ الآخر الضّوءِ ِ

         من زمن ِ الحبِّ

         ومن زمن الحربِ ِ

        لفحتني جسدي شمس العراق

        أستظلُ بفيءِ الرملِ

        أأكلُ ما يهبطُ من أعذاقِ النَّخلِ

        ولَمْ أنحني يوماً

        في حضرةِ حاكمٍ او سلطانْ

                              

(تتدلى حبال مشانق من الأعلى يسير سعيد صوبها وكأنه يتحسس الوجوه المعلقة عليها يطلق رجل الأمن أطلاقات نارية على تلك المشانق لتمتلئ بالدم)

سعيد/ يا أيها النخل الطالع من رحم الأرض
       ويا صوت صهيل الخيول الأصيلة

       السلام عليكم أيتها الرؤوس المدلات من ازمنة الشهادة

(يضربه رجل الامن بالسوط بشدة)

سعيد/ كل الجماجم تميل للبقاء
       إلا جماجم الطغاة
       لأنها مصنوعة من نحاس صدأ .. ومجبولة بالحنق، والضغينة

(مع اظلام على سعيد، تعود بقعة الضوء نحو نجية تلف الباحة كالمجنونة تطرق أبواب الزنازين التي ملأت قضبانها الصدئة أرجاء الباحــة، تجثو على ركبتيها تضرب وجه الأرض نائحة باكية وبصوت مذبوح(

نجية / أين أنت يا سعيد … يا ليالي امني .. ونهارات وحشتي .
        واشتهاءآتي في غربتي .. أين أنت .. يا كبرياء النَّخل.

(بقعة ضوء على سعيد وهو مشدود الوثاق على جذع نخله وهو ينزف يرفع رأسه)

سعيد/ من جاء بحريات الموت
       وأدلفها خلسة لبيوتات الفقراء
       من اصدر حكما بذبح الحبِّ على مقصلة الزهو .. وعلى أرصفة الطرقات
       قريبة بغداد … بعيدة بغداد
       من يوقف النزيف  في ذاكرة المحكوم بالصمت قبل البوح .

       مــــــن … مـــــــن … مـــــــن ؟!

(التكوين الخامس)

تدور نجية عند الفجر داخل غرفتها وهي ممسكه بظهرها وقد علت بطنها يعلو صوت صياح الديك  تنظر الى السطح نظرة حانية، ثم تتساقط من الجدار كلّ براويز الصور، تلبس نجييه عباءتها تهرع صوب باب الغرفة الداخلي تفتحه تخرج منه لتجد نفسها وسط مفازات من رمل وتلال ترابية متباعدة , تهرع هلعة صوب تل ترابي تنبشـــه بيديها وهي حاسرة الرأس وقد تدلت بطنها.

نجيه/ أين أنتَ يا سعيد .. أين أنتَ يا نور العين …

يطلُّ عليها سعيد من فوق مرتفعٍ في أعلى وسط المسرح وهو بزي ابيض

سعيد/ أنا هنا يا نجيه .. أنا هنا يا نور العين

تهرع إليه وهي تلف عباءتها صوب المرتفع تحضنه ينزلا سويةً يقفا وسط الباحة

وقد احاطهما الضوء من كل جانب.

سعيد/ أنا حيٌّ يا نجية .. حيّْ

        انظري … انظري حولك .
       انظري .. فها هو البعدِ الآخر للضَّوء يحيط بنا .. ولن يأفل .

        لأنه ما زال ..  وسيبقى حيَّاً في دواخلنا .. ما زلنا أحياء

نجيه/ الضَّوء فينا مُذْ كانَ في المَدى
        ألفُ عُصفورٍ يطيرُ
        فوقَ جُمّار نخلنا المَمْهور بالحناء
        وألفُ حمامةٍ بيضاءَ
        كانتْ في المدى تَحَطُّ … 
سعيد/ تَحَطُّ  على حروفي العذراءَ
        تَرسّمُ لوحةً للبعدِ الآخر للضَّوءِ
        في ملحمة البقاء
        فَوقَ ذاكرةِ النَّخل

        وهيبة المطر

ترعد السماء وتبرق ليهطل المطر، لتعرش عليهما قطراته الفضيّة، تلف نجيه سعيد بعباءتها، ينساب صوت موسيقى حالمة، وقد أحاطهما الضَّوء من كلّ جانب

(سِتــــــار)    

Comment

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s