موتٌ آخر

اللوحة والقصة بقلم لبنى ياسين

انبثق أمامي فجأة بهامته الباسقة، لكن انحناءاً  ما أصاب شموخها، فأصابني بالذعر. وقفت في حضرة انكساره مندهشا حدّ الألم وبادرته بالسؤال: 

   لمــاذا؟ لمـاذا ذهبـت إلى هناك يا رجــل؟ لماذا ورطت نفسك؟

     رفع نحوي عينين متعبتين إلى  حــد الإعـياء ولم ينبس ببنت ألــم، بل تابع سحب قدميه ميّممـًا شطر منزله، لحقــت به.. وفي سكون الليـل المدقـع لم يكن ثمة صوت سوى صوت اجتـثاث قـلبه من هاوية الوجع المدمر، كان في عينيه شئ ما.. شئ كسرته العتمة  ومحـا بريقه الألم، لم يغـب سوى شهور قاربت أن تـنهي حبلها بسنة.. لكني أحسست أن دهوراً  وقـفت بيني  وبينه، وكما تقابل شخصا غادرته لسنين فتحس انه صار شخصا آخر، اصبح هو شخصا آخر، هناك في داخله كان  ينبت عشب بـّري  يرفض اجتـثــاثـه ولو حتى بالتـنويـه.

    أوصلته حتى داره .. تراكض الجميع يرحبون بعودته ويسلمون عليه بلهفة موجعة بينما هو تائـه النظرات، لم يعـر أحـداً اهتمامه وكأنمـا  فقـد القـدرة على التواصل مع العالم الخارجي   وانكفـأ إلى عـوالـمه الداخلية يجــّر ذيول خيـبته  وألمـه.

    تركتهم و مضيت في حال سبيلي، قـلت سآتي غـداً للاطمئنان على صحــة أغـلب الظن ما عاد يملكها، لربما استطعـت التواصل مع إنسان قـدم حواسه الخمس للتقاعــد المبكـر.

    استوقـفتـني زوجته (أختي).. قالت لي ابقَ  الليلـة عندنا فهو صديقـك المقـّرب، و لربما ساعـده بقـاؤك.

  لكنني وجدت في ذلك إزعاجا ً سافراَ له، لقد اجتـاز مسافة طويلة للوصول إلى محافظة البرتـقـال (ديــالى)  حيث منزله، أغـلب الظن انه  يـــتوق إلى وحـدة ٍ وسـرير ٍ وظــلام ٍ وصمــت.

    تسابقـت  الأفـكار في رأسي  طيلة الطريق، كيف وصل إلى مدينتـنا الصغيرة بحاله هــذا؟ أعلى أقـدام الخيـبة أم على أجنحة الوجع؟  وما الشيء الفظيـع الذي مر به حتى يقـلبه إلى هذا الكائـن الغـريب في اقـل من سنة؟ هـو.. الرجـل الذي كان يستـفيض مرحــًا، كان يحمل معه حقيبة الفرح أينما حل  يفتحها أمامنا.. كحاو ٍ ماهر، و ينثر محتواها عبقا ً يزيح به ضباب الملل وكآبة الأيام، لم يكن ثمة رجــل بيننا أخف ظـلاً أو اكثـر ضحكا أو اقـل هـَمّاً منه.. فما الذي قـلبه بهذا الشـكل؟

   مضيت إلى منزلي، لم أنم ليلتـها. غالبني النعاس ولم يغـلبني،  وكبْوم ٍ مكابـر بقيت ساهـد الطرف سادرا ً حتى خيوط الصباح الأولى، استسلمتُ بعـدها لكوابـيس مــوت مؤلـم  مدمـر.

    حلمت به.. كانت الذئـاب تطــارده مطاردة عـنيفة، ثُم أحاطت به وتكالبت عليه تنهش لحمه، رأيتهـا تهاجمه.. تعـض أطرافه فـتـتساقط أشلاؤه شـلــواً  تلو الآخـر،  ورأيته يعاود التـقاط أشلائـه ويضعها كيفما اتفـق  لـتـلتـصق بجسـده، تـشــّوهَ  شـكله..  صار أشبه بمسخ مرعب، لكنه لم يفـرط بقطعة من جسده المتمـزق ولا حتى بظفـر، ما زال الجسد جسده رغم كل  التـمزق، رغم كل التشوه، وبرغـم جميع الألـم.. ثم انبثــق الدم  من جسده  واصبح  نهــراً.. جـرى  نهـر دمـه بتدفـق مهـول.. فيضانـاً اقـتـلع كل ما وقف في طريقه حتى ثـلة الذئاب التي حاولت في البداية أن تشرب من نهر الدم، كان مصيرها هي الأخرى الغـرق في  فيضـانه..  بينما هـو ما يزال واقفاً  حيث هـو، صامداً  يحاول معالجة أعضائـه الكليمة  وإعادتها إلى مكانهـا.

   أوجعـني كابوسي.. واستيقظـت غارقـاً  في عـرقي بـدلاً من أن اغــرق في دمه، كنت أخـتـنــق.. واكتشفت للتــّو أن عـينـيّ لم تغـمضا لأكثر من ساعـتين.. لكن الصباح أعـلن عن إشراقـه مزيحـاً ستائر الظلماء عن وجه  الكون بجيوش من أشعة الشمس.

   ارتديت ثيابي كيفما اتفق ناسياً أن غسل آثـار خرائب الليل وفيضاناته عن ملامح وجهي، ويـممـتُ مسرعا شطر داره ثانيـة وقد نـال مني كابوس الـدم ذاك.

    فتحـت أختي الباب واجمة وكأنها أصيـبت منه بعـدوى الذبول والصمت.. قـلت لها  

     ــ  كيف حالـــه؟

ردّت:

   ــ لا حـال لديه تسأل عـنه. لم يـأكل. لم يتـكلم. لم يصغ ِ. ولو آل الأمر إليه لما تنفس. ارتـمى فـوق سريره بعـد أن أغـلق الباب وراءه في محاولة لإبلاغـنا بوجوب البقاء خارجا بطريقة مهذبة. دخلت إليه بعـد قـليل فوجـدته غـارقاًً في نوم متعـب، بيـنما تجمعـت ملامح وجهه وتقـلصت  وتمركـزت في منتصف وجهه؛ فخـرجت مغـلقة الباب ورائي لعـلّ النوم يزيح عنه شبح الإعياء الذي يهيمن عليه.

    اتجهتُ إلى غرفـته بعـد أن قـدّرتُ أنه نام فترة مناسبة تماما لإيقاظه بعدها.. طرقت الباب  وإذ لم أتـلـقَّ جوابا فتحته بهدوء شديد ودخـلت. كان قد حرص على استضافة الظلام في غرفته بإغلاق النافذة الوحيدة وإسدال الستائر جيدا، وجدته كما وصفته أختي تماما، ولـولا إيقاع أنفاسه المتعـبة لاعتقـدتــه ميتـاً.

هززتـه برفـق مردداً بصوت هامس:

    ــ استفق فقـد أفرد الصباح جناحــــه.

دون أن يفتح عينيه أجابني:

    ــ أي صباح؟ أنت تهـــذي.

 قـلــت له:

   ــ  قــم وحـدثـنا.  فقـد اشتـقـنا لأحاديثـك المرحــــة.

 فتح عينيه بشح ٍ شديد كأنما خاف أن يهرب منهما النوم قائلاً:

   ــ  وما نفع الكلام؟ افتح الباب وانظـر خــارجاً.. هـل بعـد هـذا كله كلام يُـقــال؟

قـلــت له:

   ــ  قــم يا رجـل. أولادك بانتـظارك.

قال لي :

   ــ  قـلْ  لهم إذن ألا ّينتـظروني.. فلم أعــد هـنا.

أربكـتـني كلماته.. هـزتـني في العـمق..  بل قل أوجعـتـني. وحرت في أمره لكني احترمت رغبته وخرجت مغـلقـاً ورائي بابـا أظنه يريـده باباً لـلحــده.

     جلسنا في الصالة..  لم تكـن صالة بمعـنى هـذه الكلمة، إلا أنها مع ذلك كانت تؤدي  وظـائـف الصالة وغرفة الضيوف وغرفة الطعـام معا في النهار.. أما ليلاً فكان لها عمل إضافي غير مأجور إذ أنها تتحول إلى غرفة نـوم للصبيـين الكبيرين الذين تجاوزا سـنّ الثالثة عشر فتم فصلهما عن أخواتهما الإنـاث، وخصصت هذه الصالة لنومهما بعد أن تفرغ ليلا من أشغالها الأخرى، أحضرت أختي إبريق الشاي، وجلست قبالتي. كانت تمنع دموعها من الإفلات من فتحتي عينيها وهي تسألني بسذاجة طفـل ما الذي يجري؟

    بماذا أجيب وليس لدي أي شئ يحمل بريق إجابة.

قلت لها: صبرا يا أختي.. إنها مسألة وقت. ما مرّ به ليس بالقليـل، الحمد لله انه عاد.. أما كنا قد يئسنا من ظهوره ثانية؟

ردت أخـتي: حقــاً!  لقد أصابني اليأس من عـودته واعتقـدت أنه ربما…  وسكتـت برهة لتنجو بنفسها من احتمال موته ولو شفهيا، ثم أضافت:

  ــ  لا قـدّر الله! الحمد لله الـذي أعـاده لنا سالماً.

شعـرت بوخـزة غـريبة للسخرية تمتـزج  بجملة (عاد سالماً) .. وربما تطال وخزتها هـذه  كلمــة (عــاد) أصلاً؛ فأنا شخصياً لم أجـد شيئا عـاد منه حتى اللحظة.

    بقيت إلى جانب أختي أشدّ أزرها إذ لم يعـد لديّ ما أقوم به طيلة النهار سوى انتظاري اليائس لاستيقاظـه من مـوت مؤقـت يـريد أن يعتـقـده دائمـا.

   فـتـح باب غرفـته.  خرج إلينا بخطوات وئيـدة وكأنه يضنّ عـلينا بحضوره. هالني شكله  في الضـوء،  فلـم أكـن قد رأيتــه من خلال نـور واضح  قبل اللحظـة. كان مـيتـاً يخطـو على أرجـل حـيّ.. كان ميتـاً حقـاً.. وقد فقد مع فرحه كثيراً من وزن جسده المتعب… وكرشا ً كان يبارينا بها وفي عينيه تلك النظرة التي تفيض ألماً حتى فرغـت من المعـنى وامتلأت وجـعــــاً.

    لم يحفــل بنـا ولا بشيء حولــه.. لم يحاول حتى أن يخـصّ أي شئ كان قـد فارقه قرابـة السنـة بنظـرة خاصة ولا حتى زوجته المشتاقة.

    جلس على كرسيه وكأنما كان قد تركه قبل النوم فقـط، بدون كلام، فـقط بـكل ذلك البؤس المطـلّ من عينيه الذي لم تفارقـني مفـردات له حتى اللحظـة لم أفهمهـا.

    قامت أختي بتجهيز الغــذاء الذي يحـب، وربما الأصح أن أقول العشاء. نظرا لأفول الشمس مصادرة معها دفئاً لم اشعر به، إلا أن إصرار أحـد منا لم يثـنه عن مقاطعتـه للطعـام.. فما عاد الطعام من اهتماماته مطلقــــاً.

أرِقٌ هـو.. تـَعِـبٌ.. مهـزومٌ.. مخـنوقٌ.. متألـمٌ.. ضائـعُ.. غاضب.. لكنه حـتماً ليس بجـائع.. على الأقـل ليس إلى الطعـــــــام.

   احتراماً مني لشهيته المفقودة لكل شئ.. قاطعت بدوري الطعـام.. وأومأت لأخـتي بأن تـتركنا وحـدنا عـلّ رياح الصداقة المتينة التي ربطتـنا منذ نعومة أظفارنا تهب على هـمومه وتشد أزر رغبة دفينة في إزاحة عبء ثـقيل عن كاهله فتــأذن له بالبــوح.

      ــ هـيا يا صديقي فأنـا بئر أسرارك كنت وما أزال.. أنا من شاركك آلامك وأفراحـك ومغامراتـك ومقالبـك وتقـلباتـك وأسـرارك الصغيـرة تـلك التي كانت يومها بحجـم المحـيـط.. ما زلت أنا رغم تقـلبات الدهـر علينا، رغـم الأوقــات الصعبة التي مرت على كل منـا.. رغم كل شئ .. لم ينقـص من صداقـتـنا سوى شـوائب الزمن فازدادت  متـانة مع تقــدم العـمــــــر.

    بكى صديقي. وانفرطـت لؤلؤتـان غاليتـان من عـينيه نزلـتـا باستحياء  وإبـاء  ذكوري على خـديه. أوجعـتـه دمعـتــاه وهـما تنهمران  قسراً على مرأى مني، فما زال يريـد أن يـبدو قوياً.. ربما ذلك الجانب مني الذي اصبح قريبـه بالمصاهـرة  هو تحديدا ً ما أوجعه ببكائه أمامي , تمتـم بكلمات لم تكن مفهومة أبـدا ..  بضع  كلمات منها زايلها الغموض  ففهمتهـا  ,  لكنها وصلتني دونما ترابط  كما في الكلمات المتقاطعـة ,  ثم انفجر بالكلام دفعة واحدة .. و أجهش بالبــكاء كمـا لم أ رَ  رجلا ً يبكي من قـبل ,  أصبحت عباراته تأتيني متقـطعة الأوصال , أليمة الأشلاء  , لكني صرت افهم و أحس كل ما كان يقوله وما لم يقـلــه ,  صرت اشعـر بحـواسه و أرى  بعـينيـــه  .

قال لي بصوت متهدج يكاد يطغى عليه صوت أنفاسه المكلومة المتـقطعة  :

   ــ  تصور امرأة تـُخـلّـد انتصارها بصورة فوتوغرافية فوق عـري رجـولـتي، وتقـف بوضعـيـات فاحشة وبأخـرى مذلـّة فوق جسدي العاري. ضابط هـي في الجيش الأمريكي، لم أذق طعـما أمـّر من الذل. والله لم أعـرف طعـما أمــّر منه، وودتُ لو أشبعتها ضرباً… وددتُ لو قتلتها ألف مرة… وددتُ لو متُ… لو تفجرتُ… لو احترقتُ… وأحرقتُ كل شئ معي، لكنني ما زلتُ حياً.

   في هـذه اللحظات بالـذات شــاركته البــكاء. أجهشت ألمــاً ومرارة ووجعاً.. أجهشت ذلاً.

أردت أن أصرخ به لا تبــكِ فالجــرح جرحي أيضاً، لكن صوتي اختـنـق مع دموعي، فلم أعـد قادرًا إلاّ عـلى العـويل كالنساء.

 آه يا جـرحي الهرم  وأنت تمتـد خنجرًا  في الخاصرة  يطال كرامتي  كما طال كرامته قبلي.

    سكتَ  قليلاً. كنتُ أعلم أن في جعبته الكثير من الألم المتحصن خلف قسماته الموجوعة، لكنه آثر أن يذيل حديثه بالصمت… موارياً عوراته النفسية خلف سكونه، بعد أن كُـِشفتْ عوراته الجسدية أمام عيون لصوص الحضارة، فرحت أغيـّر مسار الحديث صوب أطفاله عــله يسلـو،  ومضات غـبيــة اختبأتُ وراءها عـندما أدمته الــذاكرة في محاولة للنيل منه ثانيـة.. إلاّ انه لم يكن يسمعـني.. لم يكن يـراني، كان وحــده تماما في الغــرفة.

   تركته وخرجت… مضيت تائها في سواد الليل.. اختلط بكائي بعويلي بذهولي بصمتي  بتشردي.. بذلي.. لم أعد أعرف من أنا.

     تتقاذفني الأزقة الضيقة ومتاهات الضياع في داخلي، وددت لو خلعت حواسي الخمس ووضعتها عند اقرب جمعـية خـيرية.. فـلربّما أحـتاجها غـيري ليعـزز صلاته بما حوله لكي يـرى ويسمع ويحس جيــــــداً بما يـحــــد ث.. وربما كان اكثر شجاعة مني فاستطاع أن يفعل شيئاً.

    على أطـلال خرائـبي مشــيت.. على وهــمٍ كان اسمه أنــا.. على ذيـول الخيـبة الحـمقاء اسرج فتيـل حـزني، فــــــلا أستطيـــــــع أن احـــــــزن اكـثــــــــــــر.

     يا له من مـــــوت مفجـع ٍ أنــاخ  بلعـنـتــه على كل ما حــولي.. وتركني إمعانـاً منه في تعـذيـبي وإذلالـي.. أللمـوت مفاضلات وتفضيــل كما للحـــــــــياة؟

     فـقـدتُ قـدرتي على الرؤيـة بمباركة العـتــمة التي حــلّت فجــأة حولي وفي داخلي وصرت أتخبط في محاولة مستميتة لتحديد وجهتي، لكني ولدهشتي  وجدت نفسي حيث أنا.. على خطوات من منزل أختي، كأني غادرتـه للـتـّو، كان نور الصالة مضـاءاً مما  يعـني أنه ما زال هناك يلوك أوجاعه وتلوكـــــــــــه.

أحنيت شموخ رأسي بألم مخيف ومضيت صامتاً نحو منزلي، مشيّعاً بقايا أمل باغتني يوما ما، لا أعرف من أين أتى، لكنني أعلم تماما كيف مات.

Leave a Reply