Ayoub –the Iraqi ~ أيوب العراقي

Inam Jaber 

Ayoub (Job in the bible) resembles the patience and the suffering experienced by the Iraqi in general.

It is a story of the agony and love of an Iraqi demonstrator (Hussein) who has been taking part in the Iraqi uprising of October 25th 2019 in Baghdad and the provinces in the middle and south of the country; the agony was caused by seeing his country usurped by a clique of rulers under a semblance of democracy that produced an ailing political process, which is to blame for all the misery brought about over the previous16 years. The people’s love for their homeland has pushed them to take to the streets to restore it.

There are three main characters in the story. Two of them are still alive and one –Hussein’s friend (Ali)– has been martyred by the anti-riot forces. Jawad is a sitter among thousands of sitters in Tahrir Square in Baghdad. He is an Iraqi activist too. He takes care of Hussein whose two arms were repeatedly injured and burnt when he was in the team hunting tear gas bombs.

After more than a month Hussein ends up with two helpless arms with severely hurt palms. Unable to sleep on the rooftop of Jabal Uhud (Uhud Mountain —a name given by the demonstrators to the building of the Turkish Restaurant near Al-Jumhuriya Bridge that has become their stronghold against the anti-riot forces). Because of pain and the cold winter nights in Baghdad at this time of year, Hussein finds himself besieged by a train of images of martyrs, with that of his friend Ali the most prominent, as he was killed before his eyes half a metre away of him. They were together when he saw the horrific tear gas hitting Ali’s stomach while he was dancing the beautiful dance of life. The tuk tuk man hurried towards him, put him into his tuk tuk (a small three -wheeled carriage) with Hussein next to him. Hussein did not notice that Ali’s bowels were all over the place in the tuk tuk. He kept crying and shouting, asking Ali to answer him, but Ali had been killed instantly.

People’s love of their homeland is expressed by a number of events and scenes witnessed by Hussein while he is on the rooftop of Jabal Uhud. One such moment is when he hears a demonstrator next to him call his mother, who has not seen him for over a month:

“Mum, I love you so much, but I cannot come home now. Our homeland deserves more than it should”.

Hussein also saw other expressions of love on a number of banners raised in the demonstrations:

“Don’t kill me till I rescue my brother”.

“Don’t kill me, my mother is waiting for me.

Jawad was quite helpful to Hussein. When Hussein got impatient and was fed up being helpless, Jawad convinced him that the book he had borrowed from the library that was set up by the demonstrators on the third floor in Jabal Uhud was quite interesting and he could read him some interesting information about ancient Iraqi literature, of the Sumerians, the Assyrians, the Babylonians and the Akkadians.

The brutality of the anti-riot police is reflected by the snapshot of another martyr seen by Hussein. It is that of the teenager, Hussein Al-Darraji, nicknamed Hassouni. He came from the provinces to take part in the demonstration in Tahrir Square. He joined a number of demonstrators who crossed the Jumhuriya Bridge at the bank of the Tigris to protect their colleagues from the anti-riot police. He climbed a sand hill and started dancing when a sniper on a boat headed towards him and targeted his head, which cracked in two, his brain splattered on the ground.

When Hussein comes down Jabal Uhud with the help of Jawad, we learn a lot about people’s love of their homeland, especially through the scene of the frontline wall at the Jumhuriya Bridge. The young man who plays the guitar at the top of the frontline makes Hussein more optimistic of the future of the demonstrations.

And all thedepictions of the people’s love of their homeland are due to an awareness of whoever takes part in the protests, as Hussein argues. One such snapshot is that of a martyr’s mother who keeps coming to the Square holding her son’s photo, exclaiming that she is coming on his behalf.

Hussein does not leave the Square despite his burnt arms, saying that he still has two legs and a head and he can be of help. So he goes to the lost-and-found tent.

img_5558

*أيوب العراقي

انعام جابر

كان يومه شاقّاً ، محفوفاً بالمخاطر، كان في مواجهة مع قوات مكافحة الشغب التي ابتدات يومه من الصباح الباكر بإطلاق المزيد من القنابل المسيلة للدموع على المتظاهرين على جسر الجمهورية – لم تكن قنابل تسيل الدموع لتغشي الرؤية بالمعنى الفني ، بل كانت مقذوفات كبيرة الحجم توجه عمدا كما يبدو نحو الرأس فتخرق الجماجم او تستقر في محاجر العيون في الغالب او تخرق  الرقبة او تشق البطن او تصيب الأقدام فتحدث ضررا مميتا ويبدأ دخانها يتصاعد بعد ان تستقر في جسم المتظاهر.  رأى العديد من رفاقه المتظاهرين تخترق جماجمهم تلك المقذوفات الوحشية وعلى رأس القائمة أيقونة ثورة تشرين ، صفاء السراي والمكنّى بابن ثنوة.

كان يشارك رفاقه في ماراثون صيد المقذوفات المميتة، يقف بعضهم أعلى نفق ساحة التحرير فيما يقف البعض الآخر أسفل منه، يتلقى عدد منهم الدخانيّات كما كانوا يطلقون عليها حال سقوطها في النفق ليتولى عدد آخر لفها ببطانية مبللة ثم يرمونها في سطل الماء ليردوها قتيلة بعد ان يخنقوا فيها الدخان المنفلت منها بكثافة لتتعالى صرخاتهم معبرة عن فرحهم بالنصر على الموت الذي ما انفك يستهدفهم ليل نهار وعلنا جهاراً. منذ اكثر من شهر وهو منهمك مع رفاقه قي اصطياد الموت البشع الذي يخترق الجماجم فيردي ضحاياه قتلى في الحال او يمهلهم اياما قبل أن يعلن حضوره عندهم.  ما كان ينتبه الى ماتركته تلك المهمة الخطرة الشاقة من آثار على يديه وذراعيه ولم يشعر حينها بألم وهو يسخر من الموت مع رفاقه بينما يتذوق الفرح الذي تجود به عليه ملحمة الانتصار على الموت وعلى صانعيه من مضطهديه في السلطة، الموت الذي ينزل عليه وعلى رفاقه من قنابل دفع ثمنها هو بصفته مواطناً عراقيّاً ووفق دستور سبق وأن صوّت عليه،  دستور تنص نصوصه على تأمين حياة حرة كريمة له من خلال تأمين كل متطلبات العيش الضرورية, وعليه الآن أن يتحمل تكاليف الموت الموجّه إليه و عليه ان يتحمل تكاليف رواتب ومخصصات قوات مكافحة الشغب وتجهيزاتها واسلحتها وعتادها.

أمضى أياما عدّة من الصباح الباكر وحتى وقت متأخر من الليل يتصدى للموت وقد أصيب أكثر من مرة, و بعد آخر أصابة له أخبره المسعفون في خيمة الإسعاف والطبابة في ساحة التحرير أنّ عليه أن يستمع الى نصائحهم وان يتوقف عن صيد الدخانيّات حتى تشفى حروق يديه وذراعيه وإلا سيواجه خطر التسمم ولن ينفع معه أي علاج أو دواء وهذا يعني – لا قدّر الله –  بترهما.  لم يكن يشعر بالألم الذي تتسبب به نيران وغازات الدخانيّات التي يشارك في اصطيادها بعد ان تترك قروحا وحروقا على كفّيه وذراعيه ، كان يواصل تلقف النيران بعد أن يأتي المسعف و يداوي حروقه  حتى تراكمت الحروق والقروح وانسلخ الجلد في اكثر من مكان فارتسمت خرائط باللون ألأحمر والأزرق والأبيض واتخذت شكل دوائر وأشكالاً اخرى على ظهر الكفين وباطنهما والذراعين. 

 لم يتسنّ له أن يتفحّص تلك الخرائط ولكنّ الألم الذي شعر به وهو في فراشه تلك الليلة على السطح أعلى جبل أحد ( بناية المطعم التركي في بداية جسر الجمهورية اتخذه المعتصمون في ساحة التحرير مستقرا لهم ليصمدوا امام تهديد قوات مكافحة الشغب لهم) بدأ يفرض نفسه عليه ويجبره على أن ينظر الى خارطة الحروق والقروح ومما زاد في لسعة الألم  شدة البرودة في ليالي شهر كانون الأول مما اضطره الى ان يدس ذراعيه الملفوفتين بالأربطة الطبية تحت البطانية الثخينه ليتّقي البرد ولكن حالما اصبحتا تحت الغطاء الثقيل صار الألم يتفاقم مما اضطره الى إخراجهما والآن أصبح النوم عصيّاً عليه لأن كلّاً من الألم والبرد تآمرا عليه فصار يسند ظهره الى الحائط محاولا إغماض جفنيه علّه يذوق طعم النوم ، الآن جفناه منسدلان لكنّ العينين يقظتان تتصفحان صفحات ما مرّ به من مشاهد مرعبة.  ذراعاه فوق البطانية تؤلمانه والبرد يحاصره من كل صوب والعينان تجولان وتجولان, استحضرتا اول ما استحضرتا رفيقه الذي كان الى جانبه في آخر منازلة لاصطياد الدخانيّات. كان الى جانبه يتصيدان معا جنبا الى جنب ، يقف هو على جسر الجمهورية على بعد أمتار من جدار الصّدّ الذي أقامه المنتفضون في مقدمة الجسر ليكون حاجزاً بينهم وبين قوات مكافحة الشغب او قوات الشغب كما يطلقون عليها التي تمطرهم بالقنابل المسيلة للأدمغة وليس للدموع يوميا وفي جميع الأوقات ليلا ونهاراً بينما يقف رفيقه  على بعد حوالي نصف متر عنه ، كان رفيقا مراهقا مثله وكلاهما بعمر الورد . اصابته تلك القنبلة اللعينة التي وجهها احد قوات الشغب نحو بطنه وهو يؤدي رقصة رشيقة يتحدى بها من يريد قتله مع سبق الأصرار والترصد، كان مستمتعا منتشيا وهو يقدم عرضا راقصا بهياً على مسرح لم يتخيل يوما انه سيكون منصة له ولكن قوات الشغب اسشتاطت غضبا وحقدا لانها لا عهد لها أبدا بالرقص  وجمال الرقص من اجل الحياة. سقط فوق جثة رفيقه لينتشلها بمساعدة سائق التك تك (عجلة صغيرة تشبه الدراجة النارية تستعمل لنقل الأشخاص وبأسعار زهيدة مقارنة بسيارات التاكسي تبرع سائقوها لنقل الجرحى والمسعفين في داخل الساحة وخارجها.)

_ عليّ لتموت، جاوبني ( لا تمت عليّ ، أجبني ) ظل يصرخ ويكرر طلبه بالحاح وعلي لا يسمعه ، لم يلاحظ ان معظم احشاء عليّ كانت سقطت على أرضية التك تك واصطبغ المقعد بدم عليّ والأرضية.  ولدى وصولهم الى المستشفى أخبره الأطباء انه فارق الحياة حال اصابته بتلك القنبلة اللعينة التي صنعت لتعيق النظر لا لتخترق ألأجساد والجماجم.

_ عليّ, ليش فاركتني؟ مو كتلي منتفارك ؟ ألم تعدني اننا لن نموت الّا معاً ؟ لماذا لم تفِ بوعدك ؟

لم يفارق جثة عليّ ولم يسمح بأخذها الى الثلاجة:

_خلّوني اشبع منه ، وين ماخذي مني؟ ( دعوني بجانبه , .لا اريد ان أفارقه بهذه السرعة)

أنتزعوا عليّاً من بين يديه ليقوموا بالإجراءات اللازمة وظلّ هو منتظراً في التك تك حتى الصباح ، اخذ عليّاً في تابوت على التك تك وتوجه الى ساحة التحرير ،  تلقف التابوت اصدقاء عليّ و رفاقه ، وضعوه على رؤوسهم وجالوا به في الساحة ليستلمه في النهاية مجموعة اخرى من رفاقه ويضعوه على سقف السيارة التي تأخذهم الى مقبرة وادي السلام في النجف لينزل ضيفا على من سبقه من شهداء التظاهرات.

حاول جاهدا ان يمحو صورة عليّ وهو يقفز في الهواء بجسمه الرشيق و يرقص رقصة الحياة الجميلة عندما اغتالته تلك الدخانية في بطنه لتسكت سمفونية الفرح التي نظمها هو وعزفها بكل عنفوان وقبل ان يقفز مرة اخرى غمرته غيمة بيضاء مشبعة بالغازات السامة ، هي ذات الغازات التي جعلت العصافير تتهاوى وتسقط ميتة في كل مكان من الساحة. ربما مصرع العصافير التي خنقتها الغازات السامة واعمت عيونها كان اشد ايلاماً بالنسبة له لأن العصافير لم تقرر ان تلتحق بالمتظاهرين بل إنّ كل شيء في الساحة كان جزءاً من بيتها الّذي تعيش فيه.

كان ما يزال نصف جسم حسين تحت البطانية ونصفه الآخر خارجها ساندا ظهره الى الجدار ومادّاً ذراعيه فوقها وهو يحاول أن يبعد صورة صديقه عليّ من امام عينيه وهو يقفز منتشيا بحريته على الجسر ليرقص رقصة الحياة التي يتمناها وخرج متظاهرا من أجلها. وعندما شعرباسترخاء شفيف يتسلل خجولا الى جفنيه طرق سمعه صوت رفيق له من المعتصمين ينام بالقرب منه على السطح أعلى جبل أحد وهو يحدّث والدته على الموبايل تحت البطانية ولم يدرِ ان صوته هرب منه ليتسبب في ترويع جفني حسين ويطير النوم بعيدا عنه. ازداد الصوت إلحاحا:

_يمة مشتاقلج كلش كلش، بس الوطن غالي ( أمي مشتاق انا جدا لك ولكن الوطن غالي )

تذكر انه لم ير والدته منذ خمسين يوماً وقفزت أمام عينيه عشرات اللافتات التي رفعها شباب في ساحة الاعتصام وعلى جسر الجمهورية  وعلى جبل أحد  ومعظمهم شباب بعمر الورد يعبرون فيها عن اشتياقهم لأمهاتهم، اشتياقهم لوطن يريدونه جميلا كما أمهاتهم وشعارات أخرى: 

_لاتقتلني، انتظر حتى أسعف أخي.

_ لاتقتلني ، أمي تنتظرني. 

وهنا تذكر عددا من المسعفين والمسعفات والطبيبات والأطباء ممن قتلتهم الدخانيّات او إطلاقات نارية  بينما هم منهمكون يسعفون المتظاهرين ومنهم الدكتور عباس الذي تلقى عيارا ناريا اثناء قيامه بواجبه في ساحة الوثبة. ولم تكن صورة الشهيد المسعف حيدر القبطان، الذي قتل بينما كان يسعف المتظاهرين في بابل، وهو شاب بعمر الورد ايضاً، بعيدة عن ذاكرته.

لم يقوَ حتى على الأنين وقطار صور الشهداء يمر أمام عينيه اللتين عجزتا تماما عن مساومة النوم ولو لساعة او أقل كي يسترد طاقته. كانت صورة رفيقه عليّ قد أصرّت أن لا تنام وصحبت معها في ذلك الوقت من تلك الليلة العصيبة صورة الشهيد حسين الدراجي ( حسّوني)  وهو أصغر شهيد بين الشهداء وعمره لا يتجاوز الستة عشر عاماً.  نزل حسّوني تحت جسر الجمهورية على شاطيء دجلة وكان هو الآخر فرحا بطعم لذيذ لحرية لم يعتد على تذوقها من قبل ، حرية مجابهة الموت بحبّ حياة جميلة يتمتع فيها بحقوقه كأنسان شأنه شأن بقية البشر في مجتمع يحترم حرية الفرد ويضمن له حياة كريمة.  جاء من إحدى المحافظات الى ساحة التحرير ليشارك في الاحتجاجات ، هو أيضا كان يريد وطناً . نعم, به شوق كبير لذلك الوطن المرسوم في القلوب في ساحة التحرير وفي كل سوح التظاهر في محافظات الوسط والجنوب. كان يوما حزينا جدا بكى فيه دجلة وطيور دجلة وسماء دجلة وكل المحتجين الذين نزلوا الى شواطئ النهر ليؤمّنوا ظهر إخوانهم على جسر الجمهورية في مواجهة قوات الشغب وغدرها. حسّوني نزل ليلتحق بهم لكنه كان يريد ان يمرح ولم يكن ليخطر بباله انه ممكن ان يقتل بكل وقاحة ومع سبق الأصرار بينما هو يلعب مجردا من أي سلاح او أية أداة جارحة.  وعندما تعالت ضحكات وصرخات المحتجين على الشاطئ وجد حسّوني نفسه تحدثه ان يتسلق تلّاً رملياً اتخذه منصة ليؤدي رقصته عليها واذا بقارب فيه اشخاص ملثمون بملابس سوداء يصوبون اسلحتهم باتجاهه فضربوه بعيار ثقيل اصاب رأسه ففلقه الى نصفين وصار مخّه نثاراً على الرمل. قنصه قنّاص ممن صاروا يعرفون بالطرف الثالث الذي بات لغزا غامضا عجزت الحكومة عن كشفه.

_لمَ يقتلوننا ؟ صاح حسين. الطرف الثالث يقتلنا  ونحن نرقص, ونحن نضحك, ونحن نغني, ونحن نبكي , ونحن سلميون, ونحن نقوم بتنظيف الشوارع والساحات. لمَ يخطفوننا ويهدّدودننا ونحن نرسم على الجدران ونحب وطننا ونسقي الزرع ونزرع الورود ونعشق النخيل ونخبز الخبز بالتنور ونكتب الشعر ونطعم الطيور ونساعد الجميع وعندما ننام نحلم بأحلى ألأوطان؟

نظر الى دجلة وقد اشرقت عليها شمس نهار جديد.  كان اول خبر سمعه من اذاعة راديو ساحة التحرير: 

_انتباه رجاءً، وصلنا ما يلي : عباس وعلي وكاظم وحسنين وسجّاد وحيدر اختفوا منذ ليلة امس بعد مغادرتهم الساحة. عبّاس وعليّ ناشطان مدنيّان وكاظم وسجاد وحيدر يعملون في اعداد الطعام وتوفير التجهيزات الغذائية للساحة، كما أنّ الناشطة المدنية والمسعفة صبا مهدي ما تزال مختفية ومن المرجّح ان تكون قد اختطفت.

بدأ نهاره بهذا الخبر السيء ، وما يزال الألم يلسع ذراعيه وما تزالان ممدوتين فوق البطانية. نادى رفيقاً له ليساعده في غسل وجهه وأصرّ رفيقه أنّ يطعمه طعام الفطور بيديه. نزل رفيقه جواد من الطابق السادس الى الطابق الأول من المطعم التركي ( جبل أحد) بالمصعد الكهربائي الذي اصلحه وشغّله فريق من المهندسين والفنيين المشاركين بالاحتجاج في ساحة التحرير وكان مضى عليه وهو في حالة سبات ستة عشر عاما. 

رجع جواد حاملا فطور حسين:

_ تفضّل, جئتك بأطيب فطور وسينسيك ألم ذراعيك لساعات ، قيمر عراقي أصلي يأتي به متبرعون عراقيون كل صباح مع خبز تنور حار وشاي عراقي بالهيل معد على الفحم مع سلام من أم عباس التي خبزت الخبز وأعدّت الشاي . هل تعلم أنّها دأبت على إعداد الخبز والشاي منذ 25 أكتوبر أي منذ بدء الانتفاضة وعكفت على عملها يوميا ولم تغادر الساحة ؟ أخبرتني أنّها لن تغادر الساحة طالما أبناؤها المحتجون موجودون فيها.

_أتعلم يا صديقي جواد أنّه منذ اندلعت الانتفاضة في الخامس والعشرين من تشرين الأول ولا سيما بعد ازدياد الجرائم بحق المتظاهرين حتى تجاوز عدد الشهداء 600 شهيدا وتجاوز عدد الجرحى 2000 جريح وصار عدد المعاقين 5000 معاق , منذ ذلك الوقت وأنا أتساءل: إذا كنا مجرمين او مذنبين بنظر السلطة التي تحكمنا, لم لا يلقون القبض علينا ويقدموننا الى المحاكم وليقل القضاء كلمته؟  أعلم انهم قد أسقط في أيديهم وانهم يرتعدون هلعاً من يوم لابد وأنه آت يوم يحاكمهم الشعب جزاء ظلمهم له الذي طال صبره عليه على مدى ستة عشر عاما تحمّل فيها ما تحمّل من هوان وذل وفقر وقهر, ولكنّ تساؤلي جاء من وحي انتفاضتنا السلمية , فقلت: لم لا يحكّمون القضاء بيننا؟

جال بنظره من أعلى جبل أحد حول عالم الساحة وكأنه يكتشفه لأول مرة ، لم تكن مهمته الخطرة طوال النهار واحيانا في الليل ايضا لتسمح له أن يمعن النظر في عالم المعتصمين في الساحة غير أن الفضل الآن يعود الى ذراعيه المسلوختين بسبب المقذوفات الشريرة السيئة الصيت والتي ظهر انها تستعمل في الميدان وليس في فض التظاهرات.  وجد أنّ عالم الساحة صار واسعا كبيرا ويضم عوالم متعددة, وأزهر فضاءاً جميلا سواء كان في ارجائها او فيما يجاورها في حديقة الأمة وشارع أبي نؤاس وجسر الجمهورية وساحة الخلاني أو في حدود خيمات متعددة أوّلها خيمة الطبابة والإسعاف وخيمة جواد سليم وخيمة الموسيقى وخيمة المحاضرات وخيمة اتحاد الأدباء وغيرها. لاحظ أن الخيمات أصبحت تحيط بقلب الساحة وكأنها تحيط بقلبه هو فشعر بالأمان والاطمئنان. 

_ تفضّل هذا القيمر العراقي وهذا الخبز الحار الشهي والشاي المهيل من يد أم عباس. أتدري ان هذه المرأة الشجاعة لم تغادر الساحة منذ بداية الانتفاضة ؟ جاءت بتنّورها ونصبت لها خيمة صغيرة وأخذت تعد الخبز والشاي والقهوة للمتظاهرين واحيانا تعد شوربة العدس في الفطور لحاجتهم إلى حساء يدفئهم في هذا الجو البارد . وهل تعلم انها مصمّمة على أن لا تترك الساحة حتى تتم الاستجابة  لمطالب المتظاهرين؟

– نعم لقد أخبرتني بذلك.

– من شدة اعجابي بشجاعتها وإيمانها ووعيها  تجدني استمتع بالحديث عنها وعن عشرات النسوة العراقيات من مثلها  ممن يقمن بادوار ساندة في ساحات التظاهر والاعتصامات.

وقبل ان يضع حسين اول لقمة من طعام الفطور في فمه,  انتبه الى صوت احد المعتصمين على مقربة منه  وقد كان أقرب ،في صداه، الى هلهولة فرح وهو يرد على والدته  وقد جاءت الى الساحة بعد أن فاض بها الشوق الى ابنها الذي مضى على اعتصامه هنا قرابة الشهر. جاءت تسأل عنه فأخبروها أنه اعلى الجبل ( جبل أحد)، نادته وحيًته وطلبت منه ان لا ينزل اليها وان يبقى ملازما مكانه، يكفي انها سمعت صوته.

– يمه مشتاقلج كلش ( مشتاق لك انا جدا يا أمي).

– أي وعي عظيم هذا الذي يجعل أمّاً لم تر ابنها منذ أكثر من شهر ولم يكن فارقها من قبل تطلب منه أن يلازم مكانه ولا ينزل اليها كي تحضنه وتشمه؟  قال حسين.

رأى الصبي ينزل للقاء أمّه التي أخذته بالأحضان وقبلته قبلة انتبهت لها كل العصافير والحمامات في الساحة وحسدتهما عليها كل الغيمات والريح الباردة.

– أمي، ماكو وطن ماكو رجعة للبيت ( أمي سأرجع الى البيت عندما يعود الوطن).

– ابقَ يا بُنيّ وكن عونا مخلصا لرفاقك، ابقَ حتى يرجع الوطن.

– أمي، اذا استشهدت لا تبكي عليّ . سيرجع الوطن يدق بابك وسيصبح بيتنا أوسع وأجمل لأن كل شهداء الوطن سيرجعون مع الوطن وعندها ستجدينني معهم ، سنرجع كلنا اليك يا أمي.

– والآن وبعد تناول الفطور ماذا سأفعل؟ كيف سأصبر على بقائي هنا بينما اخواني يتصدون للموت هناك على جسر الجمهورية ؟ تساءل حسين.

– اصبر حتى تشفى ذراعاك، أجاب جواد. أرجوك , إنَ حالتهما سيّئة جدا.  أنا أخبرك كيف تصبر.

 هذا كتاب معي من مكتبة التحرير التي أنشأها الشباب في الطابق الثالث من جبل أحد وهو كتاب شيّق جدا عن أدب العراق القديم لمؤلفه العالم الآثاري العراقي طه باقر. انه عن ما كتبه العراقيون في عصور ما قبل التاريخ ايام السومريين والآشوريين والأكديين والبابليين . قرأت جزءاً منه وكلما سنحت لي الفرصة في الساحة هرعت الى المكتبة لأقرأ المزيد منه .

 أنزل حقيبة الظهر من على ظهره وأخرج الكتاب منها. 

– طبعا أنت الآن لايمكنك أن تحمل الكتاب بيديك الملفوفتين بالضمادات. دعني أقرأ لك منه شيئاً. 

حسناً، لنقرأ عن أدب الحكمة في العراق القديم وهنا اختار لنا طه باقر قصة (أيوب البابلي) وهي قصيدة بابلية تقع في 500 بيت. ” نظمت القصيدة على هيئة مناجاة فردية لشخص صالح متعبد نزلت به، رغم ذلك، الويلات والكوارث”  

“ولكن و بالرغم من تتابع الكوارث والنكبات عليه ولا سيما الأمراض والإفلاس حيث نهبت كل أمواله ينفتح باب الأمل له إذ يبشره كاتب القصيدة – يضيف طه باقر- أنّ العذاب لن يكون مصاحبا له الى الأبد. إنّه العدل الآلهي ، يرى الشخص المعذّب احلاما تبشره بخلاصه جزاء صبره وثباته.  ألا ترى ياصديقي ؟ يبقى العدل ناموس الطبيعة . ويبقى الثبات على الأرض هو الضمانة للخلاص من العذاب والظلم وهذا ايضا موضوع القصة الثانية وهي حوار بين إنسان معذّب وصديقه الذي يحاول أن يقنعه أنّ العدل الآلهي  هو الخلاص وأن لابدّ أن يشمله. وعلى الرغم من أنّ المعذّب لا يتفق مع صديقه إلّا أنّه يذكّره بحقيقة ثباتة:

” أعرف أنك ثابت كالأرض”

ألا ترى ياصديقي أن ثباتنا فيه خلاصنا. سنبقى ثابتين على مبادئنا وأهدافنا ولابدّ  ان تفتح أبواب الأمل لنا في النهاية.

دعني أقرأ لك عن أدب الحكمة ولكن في باب النصائح للحاكمين، هنا في الصفحة 200:

“إذا لم يعمل على نشر العدل في مملكته فأن الاله (أيا)  سيد المصائر والأقدار سيبدل مصيره ولن ينفك عن مطاردته”

“وإذا حكم على مواطن من نفّر ظلما من أجل الرشوة فإن (أنليل) سيد الأقطار سيسلط عليه جيوش الأعداء”.

ألقى حسين نظرة بنورامية على ساحة التحرير من اعلى جبل احد وقال محدثا صديقه الذي كان مايزال يحمل الكتاب بين يديه:

– هل لك ان تتخيل مستوى العدل وامكانية تحققه بحق جرائم الطرف الثالث(٢)؟

 – أعتقد اننا سنحتاج ان نشّرع قانونا جديدا للعقوبات ينال بموجبه الطرف الثالث العقاب العادل جزاء كل أنواع الموت الذي تسببوا به بحق المتظاهرين السلميين الذين لا يحملون سوى العلم العراقي في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية، وأعتقد اننا سنقيم تمثالا هائلا للعدل نحفر عليه اسماء كل شهداء التظاهرات, وربما سينشغل فنانو العراق بنحت نصب للعدل في كل منطقة في بغداد شهدت ارتقاء شهداء في سبيل العدل والحرية ،  في السنك والخلاني وجسر الجمهورية وساحة التحرير والوثبة وحافظ القاضي وفي كل منطقة في كل محافظة بدءاً بجسر الزيتون في الناصرية الصامدة البطلة الذي شهد مجزرة المائة شهيد على يد مسؤول الشرطة المجرم جميل الشمري  ونصب للعدل في كربلاء وميسان والمثنى والسماوة والديوانية والبصرة وبابل والنجف والكوت.

– دعني أساعدك في النزول ، قال جواد.

– نعم خذني الى خيمة المفقودات فربما يمكنني المساعدة هناك.

– حسنا، وسأعيد أنا الكتاب الى المكتبة في طريقنا.

– هل سمعت اي خبر بشأن المحامي المخطوف علي جاسب من ميسان؟

– لا خبر عنه حتّى الآن. أتعلم انه متزوج وله طفل صغير لايتجاوز السنتين وقد ولدت زوجته ابنة جميلة في غيابه؟  نشط في الدفاع عن وطن له ولأبنائه ، وطن لا يتناهبه النهّابون.

– لك ان تتصور كم هو غال هذا الوطن,  والدليل حجم التضحيات التي يقدمها أبناؤه ومن بينهم المحامي الشاب علي جاسب. ومن المؤكد أنّه  لولا وعي الشباب المنتفض لما  كان حجم التضحيات كبيرا ولا عدد المضحين كبيرا.

– نعم الوعي قائد في هذه التظاهرات، قال جواد. الكل يعي أهمية هذه الانتفاضة واهدافها، الشاب  والشيخ والمرأة  والأم والأب والجد والطالب والطالبة  وأصحاب المهن الحرّة والطبيب والمسعف والشاعر وربة البيت والفنان. هل شاهدت فديو لوالد علي جاسب وهو يُسأل عن سبب اختطاف ابنه علي؟ لم يظهر كوالد مغلوب على امره، ضعيفا ومسكيناً بل انسانا قويا بوعيه.

– إذن خذني ارجوك الى جدار الصد على جسر الجمهورية كي أمتّع نظري بجمال ذلك الوعي، قال حسين.

– حسنا، لن أعيد الكتاب الآن.  هيا بنا الى تلك الزاوية في بداية الجسر ولكن على مسؤوليتك لأن احتمال سقوط الدخانيّات هناك وارد جدا . سنخاطر لبعض الوقت ريثما تمتّع ناظريك ثم نمضي الى مكان اكثر أماناً  لك.

– حسناً، هل ترى ذلك الجدار كما أراه أنا ؟ إنّه جدار كانت قوات الشغب تتمترس خلفه لمواجهة المنتفضين بقنابلهم، لا أقول المسيلة للدموع بل المسيلة للحياة كلها. قدم المتظاهرون العديد من الشهداء هنا من اجل أن يأخذوا موطئ قدم لهم يقيمون فيه جدار الصد الخاص بهم على مبعدة من جدار الصد لقوات الشغب كي  يحتموا به ولكي يصمدوا  ويمنعوا تلك القوات من التقدم أو الالتفاف عليهم في جبل أحد والاستيلاء عليه. عند ذاك -لا قدّر الله- لن يتمكنوا من الصمود ويصبح أمر إدامة التظاهرات في خطر. ولكي يزيدوا من متانته حصّنوه باطباق ستلايت قديمة وأبواب ثلاجات قديمة ومبرّدات قديمة وإطارات سيارات قديمة ومختلف القطع الحديدية من السكراب وزيّنوه بالأعلام العراقية وبما جادت به قرائحهم الفنية  فبدا وكأنه لوحة سريالية ليست من الخيال ولكن من الواقع على الارض، وفي تجويف له يتكور المسعف الطبي والى جانبه يقف من يحمل مستلزمات الإسعافات من سوائل طبية ومعقمات وقناني بيبسي وقناني خمرة مذابة بالماء تستعمل في معالجة الاختناقات وأربطة وقناني ماء.  

على هذا الجدار يضحكون ويصرخون ويبكون ويصدون الدخانيّات وعليه وعلى أقدامه ينامون، وعندما تصيب قوات الشغب رفيقا لهم يهرعون ليحملوه ويهرع سائق التك تك بمعية المسعف الذي يسرع فيغسل وجهه بالببسي  ويضمد جروحه ، يمضون به الى خيمة الطبابة والإسعاف في الساحة. على جدار الصّدّ يتناولون طعامهم وعليه ينامون وعليه ينشرون أحلاما تتشوق ان تطير, ويصرّ مضطهدوهم على أن يقصّوا اجنحتها ويزداد الشوق بهم عندما يعتلي عازف الغيتار الشاب الجدار ليعزف ما ينعش أحلامهم و آمالهم ويزيدهم ثباتا واصراراً.

– أتعلم ياصديقي، جواد؟ عازف الكيتار هذا يزيد ايماني اننا اناس تليق بنا الحياة  و نليق بها ، هذا المزيج من الجمال والموت والتهديد به هو النسغ الذي يدعم صمودنا.  انه الوعي يا صديقي الذي يجعل هذا العازف يؤمن ان الموسيقى على جدار الصد تعزز الإيمان بأهمية الحياة الجميلة، حياة يتمتع بها الإنسان بالحرية وبحقوقه بصفته انسانا. انه الوعي نفسه الذي جعل المسعفة نور تهرع لتسعف اخوتها بالقرب من الجدار وتستشهد في الشهر الأول من التظاهرات.  هل رأيت تلك المرأة المسنّة التي أصرّت على أن ترابط مع الشباب عند الجدار منذ الأيام الأولى عند هذا الجدار، تأتي لهم بالطعام وتشارك في إسنادهم عندما تشتد المواجهة مع قوات الشغب، تحرص أن لا تتركهم  أبدا خشية ان يعبروا الجدار باتجاه المنطقة الخضراء فيعرضوا في ذلك حياتهم للخطر؟ انه وعي سحري ذلك الذي يجعل أم الشهيد تداوم على المجيء الى ساحة التحرير بعد استشهاد ابنها الوحيد وهو في عمر الورد وهي تحمل صورته:

– يا أمّي, لمَ تأتين كلّ يوم؟ إنّ مجيئك يوميا الى الساحة متعب لك. يمكنك ان تأتي يوم الخميس من كل اسبوع وتشاركي في قراءة القرآن على ارواح الشهداء في نشاط ننظّمه هنا على ضوء الشموع على جانبي نفق التحرير وفي حديقة الأمة.

– كيف لا آتي كل يوم؟ عليّ أن لا أغيب يوما واحدا لأنّي هنا نيابة عنه. وماذا أجيب ابني الشهيد وهو في كل ليلة يسألني عن رفاقه وماذا يفعلون وماذا حلّ بالمعتصمين؟ انه يريدني أن لا أنسى إطعام طيور الساحة وعصافيرها كما كان يفعل هو.

وبينما هو يطبع  قبلة بيضاء على جبين أم الشهيد ويقبّل صورة ابنها مرّ موكب لشهداء ثلاثة اغتيلوا قبل يومين وهم علي خالد الخفاجي في الناصرية وفاهم الطائي في كربلاء وثائر كريم الطيب في الديوانية.  نظر نظرة احترام واجلال وتقدير الى النعوش الثلاثة وودعهم بعهد في قلبه انه سيبقى امينا لوعدهم حتى يرجع الوطن او يُستشهد.  أسرع ليشارك في حمل النعوش فتفاجأ جواد وهرع ليوقفه:

– ماذا تفعل؟ تعال، ارجع، أنسيت ذراعيك؟ دعنا نراجع الطبيب من أجل تبديل الضماد.

– ارجوكما تماثلا للشفاء، لقد نفذ صبري. خاطب حسين ذراعيه متوسّلا  ثم تساءل كيف يتجرد من يقوم باغتيال اناس ابرياء من انسانيته ؟ كيف يتحول قلبه الى حجارة فيقتل انسانا على عتبة بيته ويحرم اطفاله منه  ويصادر حياة كاملة مليئة بالأحلام والطموحات وفيها أصدقاء وأقارب وجيران؟

– يا صديقي انت تعلم ان اعمال القتل غدرا لا يقوم بها الا الجبان المأجور، قال جواد، ولو لم يكن مأجورا وجبانا لقام بالقتل ولظل بالقرب من القتيل وقال: ها انا ذا قتلت من هو يستحق القتل ولا أخشى أحدا. وفي الحقيقة هذا ما أفكر به إثر كل جريمة اغتيال او خطف بحق رفاقنا من المتظاهرين. لمَ يهرب المجرم ويتوارى عن الأنظار؟   

– نرجع الى مسألة الوعي يا صديقي جواد. هذا الصنف من المجرمين مشكلتهم الكأداء الجهل. هل تتصور انه يعلم ان قتل النفس بغير حق هو من الكبائر التي تنهى كل الأديان السماوية عنها؟ وهل يخطر ببالك أن هذا المجرم الجبان مصيره جهنم لا سيما ان كان المغدور مؤمنا كما يقول الله تعالى في محكم كتابه:

” ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه  وأعدّ له عذابا عظيما”؟

وصل كل من حسين وجواد الى خيمة الطبابة ليجدا الدكتور كاظم  منهمكا مع رفاقه المسعفين والأطباء في تحويل الخيمة الى مستشفى طوارئ :

– هيا اسرع يا حسين لأجري لك اللازم كي انصرف الى عملي في تجهيز مستشفى الطوارئ.

رأى دكتور كاظم ذراعي حسين وبدت ملامح الحزن على وجهه.

– دكتور ما تقول في جروح وقروح حسين؟ سأل جواد.

– يحتاج المزيد من الرعاية والمضادات، قال الدكتور. يبدو ان البرد الشديد لا يلائم جروحاً وقروحاً مثل هذه , لذا على حسين ان يرجع الى البيت كي يشفى سريعا. 

– ماذا…؟ صاح حسين . لن ارجع البيت حتى لو فقدت ذراعي، لا اطيق البعد عن الساحة، كيف ابعد عن قلبي ؟ هل تستطيع ان تنتزع قلبك وتبقى على قيد الحياة؟ سأبقى هنا وساستعين بقدمي وساقي، ثم ما يزال رأسي فوق رقبتي وهذا خير وفضل من رب العالمين.

خرج حسين باتجاه خيمة المفقودات وصديقه جواد الى المكتبة ليرجع الكتاب. 

img_5201

الملاحظات

(١)هذا العنوان مشتق من القصة أيوب البابلي وهي قصيدة بابلية عنوانها لأمجدن رب الحكمة والمقصود برب الحكمة  اله بابل ، مردوخ، كما كتب طه باقر في كتابه مقدمة في أدب العراق القديم واشار الى ان هذه القصة نضمت في 500 بيتا وعلى هيئة مناجاة ذاتية. (ص 182 ، بيت الورّاق للنشر 2010  الطبعة الأولى) 

٢) الطرف الثالث مصطلح ظهر في اول يوم انطلقت فيه التظاهرات في الأول من تشرين عندما تم قنص العشرات من المتظاهرين السلميين من قبل قناصين مجهولين لااحد يعرف من هم وما هي هويتهم ومن اناط بهم تلك المهمة ولم تتمكن الحكومة حتى الآن من الكشف عنهم كي ينالوا جزاءهم ومايزال الطرف الثالث لغزا قائما

 

 

 

Leave a Reply