“قراءة في أقصوصة “هديّة من جمر” لـ “وداد الحبيب

لمجد بن رمضان

مقدّمة

تتنزّل هذه القراءة ضمن مشروع نُعنى فيه بالأدب التونسي المعاصر. فهي حلقة ضمن سلسلة من الأعمال التي أنجزناها سابقا والتي نعتزم إنجازها لاحقا في هذا المضمار. وقد آثرنا في هذا السياق أن نعرّج على فنّ الأقصوصة لنتبيّن ما بلغه هذا الجنس من تطوّر على يد المبدعين المعاصرين، وللوقوف على وجوه الطرافة فيه. وقد وقع اختيارنا على نصّ ضمن مجموعة قصصيّة صدرت سنة 2017، تحت عنوان ثرثرة أنثى(1) للمبدعة التونسيّة وداد الحبيب. وهي من الوجوه الواعدة في الأدب المعاصر جمعت تجربتها بين القصّة والشعر بمختلف أشكاله، العمودي والحرّ وقصيدة النثر. وقد لفت انتباهنا في هذا النصّ الموسوم بـ”هديّة من جمر” بصفة خاصّة والمجموعة القصصية بصفة عامة، اهتمام المؤلّفة بقضايا المرأة ومشكلاتها النفسيّة والاجتماعيّة والفكريّة. وهي قضايا تُعدّ تقليديّة في كتابات النساء العربيّات. لكنّ إعادة طرحها في السياق الحالي يعدّ خروجا عن المسار الذي اتخذته أغلب زميلاتها (التونسيّات على وجه الخصوص) في العقد الثاني من القرن الحالي. فالاتجاه الغالب صار يهتمّ بالقضايا العامّة المستجدّة أي السياسيّة والاجتماعيّة. هذه الملاحظات الأوليّة تجرّنا إلى طرح مجموعة من الأسئلة: هل هذا العمل الأدبي يغرّد فعلا خارج السياق؟ هل السياق الحالي يقتضي إعادة طرح مسائل تعدّ عند الكثيرين تقليديّة؟ ما هي الإضافة التي يقدّمها نصّ مدار اهتمامه قضايا ألِفها القارئ؟ أين تكمن جماليّة النصّ, هل في الموضوع الذي تشكّل حوله أم في طريقة تبليغه عبر الخطاب إلى القارئ؟ 

للإجابة على هذه الأسئلة آثرنا أن نتتبّع مسلكا في المعالجة تمليه علينا طبيعة النصّ من ناحية والغاية التي نسعى إلى بلوغها من ناحية أخرى. حيث نبدأ بالتفتيش عن مقاصد المؤلّفة مستأنسين بالأفق التاريخي الذي أنشأت فيه نصّها. ثمّ نعرّج على المسالك التي توخّتها لإبلاغ تلك المقاصد إلى المتلقّي. ونُنهي بحثنا بمحاولة للتقييم العام للنصّ. 

  1. أولاً: مقاصد التأليف

إنّ ما نعنيه بالبحث عن مقاصد التأليف ليس الوصل إلى الفكرة القائمة في ذهن المؤلّفة، وإنما محاولة الكشف عما يريد النصّ قوله في لحظة تاريخيّة ما. فقد فصل أي. د. هيرش  E.D. Hirsch منذ زمن بين قصد المؤلّف the intentionality of author والمعنى الكامن في النصّ the meaning.  فـ”المؤلّف ليس حرّاً في صناعة مقاصده ولا في نقل أيّ منها. إنّه محكوم بما تريد الكلمات قوله، وبالمواضعات اللسانيّة داخل الثقافة”(2). ومن أجل فهم النصّ فهماً جيّداً لابدّ من إعادة بناء الأفق الذي ظهر فيه، أي كلّ العوامل السياقيّة التي أحاطت بعمليّة الكتابة. وننطلق من فهم مخصوص للنصّ استعرناه من المقاربة التأويليّة مفاده أنّ النصّ جواب عن سؤال. معنى ذلك أنّه متجذّر في تربته التاريخيّة، سواء كان السؤال الذي يجيب عنه صريحا أو ضمنيّا. فهو في لحظة ظهوره تلك يلبّي مجموعة من الانتظارات لدى معاصريه. 

صدرت المجموعة القصصيّة التي ينتمي إليها نصنا في سياق تاريخي مشحون بحراك سياسي واجتماعي، تفجّر بعد ما يعرف بـ”ثورات الربيع العربي” التي انطلقت من تونس. وهذه الأوضاع كانت ملهمة لعدد غير قليل من الأدباء حيث التفتوا إليها كلّ على طريقته وحوّلوا تلك الأحداث إلى مواضيع لأعمال قصصيّة وروائيّة وشعريّة. وفي الآن نفسه تراجع إلى الوراء عدد من الظواهر الفنيّة من قبيل ما يعرف بالكتابات النسويّة أي تلك التي تتناول مسائل خاصّة بالمرأة. ولم تعد هنالك فوارق جوهريّة في الأدب التونسي في المرحلة الراهنة بين النصوص من حيث الموضوع أو القضيّة العامة على الأقلّ. في هذا السياق قد يستغرب جمهور الأدب ظهور عمل فنّيّ يعيد إلى الواجهة من جديد قضايا المرأة. خاصّة وأنّ الجميع يعتقد أنّ جزءاً كبيراً من تلك القضايا وقع حلّه على مستوى تشريعي وتجاوزته أيضا الساحة الثقافيّة. فليس للمرأة التونسيّة هموم كبيرة كنظيراتها في العالم العربي، فحقوقها مكفولة منذ أمد بعيد, لذا يبدو ظهور كتابة نسويّة في هذا السياق مفارقة. لكنّ المتأمّل في الأوضاع الاجتماعيّة يرى أنّ جزءاً كبيراً من المشاكل لم يقع حلّه، فالقانون لم ينتبه إلى مسائل قد تبدو ثانويّة في عقل المجتمع لأنها ليست مسائل مادّية يمكن ملاحظتها بسهولة، فقد جرّم العنف الماديّ وألزم الرجال بالإنفاق على المرأة سواء كانت أمّا أو بنتا أو زوجة، لكنّه أغفل العنف المعنوي كالنفاق والوعود الزائفة وتجاهل المشاعر والأحاسيس والبرود العاطفي، وهي أشياء ذات أهميّة كبيرة في وجدان المرأة.   

إنّ الأفق الذي نشأت فيه المجموعة القصصيّة ينتظر فنّا يعكس في نسيجه تلك الأحداث السياسيّة وتداعياتها على المجتمع و يرتجي خطابا أدبيّا ينخرط في المعارك الإيديولوجيّة الدائرة في البلاد على عدّة واجهات. وبتركيز المؤلّفة على مشاكل المرأة فإنّها تكسر على نحو ما توقّعات الجمهور في اللحظة التاريخيّة المشار إليها. لكنّ قراءة متمعّنة في الأحداث الدائرة تبرز إلى السطح مشاكل عديدة رافقت التغييرات التي حدثت في المجتمع، من بينها فتور العلاقات الاجتماعيّة وتباعد المسافات بين الأفراد وسقوط قيمة الحبّ الصادق الذي يعدّ ركيزة أساسيّة في بناء الذات الإنسانيّة. فالمشاكل التي تطرحها وداد الحبيب في نصوصها ليست إذن خارجة عن السياق، وإنما هي جزء لا يتجزأ من تجربة الحياة الكليّة. وبتعبير الفيلسوف الألماني ويلهالم دلتاي: ليست تجربتنا الكليّة في حقيقتها إلاّ حصاد تجارب جزئيّة متراكمة، ولكنّ الجزء يؤثّر في الكلّ ويغيّر من معنى التجربة الكليّة، بنفس القدر الذي يؤثّر فيه المعنى الكلّيّ في فهم لتجربة جزئيّة”(3). معنى ذلك أنّ فهم ما هو جزئي من قبيل مشاكل الأزواج داخل البيت يفتح لنا الباب لفهم مشاكل مجتمع بأكمله. وبنفس الدرجة يمكن الانطلاق من المشاكل المجتمعيّة العامة لفهم أسباب المشاكل داخل الأسر. فالكلّ يؤثّر في الجزء والجزء يؤثّر في الكلّ. وبالتالي يمكن القول إنّ القصد من تأليف هذه المجموعة القصصية ليس الابتعاد عن مشاغل العصر بقدر ماهي مساهمة في تصوير جزء مخفيّ منها، قد يكون له دور أساسي في ما يحدث في المشهد العام، أي إنّ معالجة قضيّة داخل الأسرة الصغيرة لها تأثير على معالجة قضايا المجتمع المتراكمة. ومن ثمّة نستنتج أنّ النصّ لا يخاطب شريحة صغيرة من القرّاء بل هو موجّه إلى الجمهور العريض للأدب. 

  1. ثانياً: مسالك الإبلاغ(4): 

يعدّ النصّ في المفهوم الذي صاغة مؤسّس “التأويلية الحديثة(5) فريديريك شليرماخر(6) وسيطا ينقل فكر المؤلّف إلى فكر القارئ, ولضمان بلوغ الفكرة إلى منظوريه يختار المؤلّف -خاصّة في حالة النصّ الأدبي –طريقة فنيّة هدفها ربط الصلة والتأثير في الوجدان ومن ثمّ بلوغ أقصى درجات الإقناع. ولذلك أعطت وداد الحبيب أهمّيّة كبرى لكلّ قسم من أقسام العمل القصصي. نتبيّن ذلك في حسن صياغتها للعتبات واختيار شكل الحكاية وأسلوب التخاطب المميّز. 

  • أ. العتبات

 تؤثّث المجموعة القصصيّة لـ”وداد الحبيب” مجموعة من النصوص الحواف أو ما يصطلح عليه عادة بالعتبات Seuil بعبارة جيرار جنيت(7). لكنّنا سنتوقّف عند أهمّها أي عنوان المجموعة القصصية وعنوان الأقصوصة مدار هذه الدراسة فهي التي تعنينا مباشرة في هذا المقام. فليست الغاية من هذه الدراسة شرحا بنيويّا للأقصوصة بقدر ما هي محاولة لفهم المسلك الذي تتبعه المؤلّفة لإيصال فكرتها إلى القارئ. فالعنوان العام ثرثرة أنثى” تمّت صياغته بشكل فيه تحفيز للقارئ. فهو يثير جملة من التوقّعات الأوليّة حول محتوى النصوص وينمّي الرغبة في الاكتشاف. إذ يشير إلى الطابع النسوي للعمل الأدبي باستخدامه لفظ “أنثى. فاللفظ الذي وقع عليه الاختيار يحدّد بوضوح تام السياق الذي تندرج فيه المجموعة القصصية، أي إنه لا يحتاج إلى جهد كبير لتأويله كالحالة التي نستعمل فيها لفظ “امرأة مثلا. وحين نتأمّل عنوان الأقصوصة “هديّة من جمر”(8) نلمح مظاهر الترابط بينه وبين العنوان العام. فالهديّة بغضّ النظر عن صفتها أو شكلها هي من بين الأشياء التي تشغل بال الأنثى. أي إنها موضوع يستحق الاهتمام بالنسبة إليها لما فيه من أبعاد عاطفيّة وجدانية بالأساس. غير أنّ هذا العنوان يفصح عن نوع خاصّ من الهدايا (من جمر) ويهدم بالتالي جزءاً من التوقّعات لدى القارئ ويثير الحيرة لديه فيجعله يقبل مرغما على قراءة النصّ واستنطاقه بحثا عن معنى الجمر الذي نسب إلى الهدّية. 


  • ب. الحكاية:

تدور الحكاية في فضاء مغلق هو البيت وفي زمن قصير محدود لا يتعدّى اليوم الواحد، و بطلاها شخصيّتان فقط هما امرأة وزوجها. وقد يتساءل القارئ: كيف يمكن بناء حكاية في هذا الحيّز المكاني والزماني الضيّق وبهذا العدد المحدود من الشخصيّات؟ 

يفتتح النصّ بتأطير عام يقدّم فيه السارد لمحة عن شخصيّة الزوجة من الداخل. “أوقدَ لهيب الغيرة فيها فسقته صبرا على صبرها استطاعت رغم أمطار الشتاء المنهمرة على أغصانها المتعبة من العواصف أن تتشبّث بالحياة وأن تعطي لأيامها معنى”(9). هذه الجملة الافتتاحيّة تشير إلى وجود أحداث سابقة على فعل الحكي. يقوّي هذا الافتراض قول السارد بعد ذلك: “مازالت تذكر نظراته الناعمة وابتسامته التي تطرق أبواب قلبها لتزيدها حزنا لأنّها تدرك جيّدا إتقانه للعبة الضمير والأقنعة”(10). إذ نتبيّن طبيعة العلاقة بين الشخصيتين في الماضي وما أصبحت عليه في الحاضر. فالتغير الحاصل يدلّ على أنّ شيئاً ما حدث وكانت له تداعياته الخطيرة على العلاقة بين الزوجين. إنّ هذه البداية التي فيها تلميح إلى الماضي وإشارات إلى الحاضر قد بُنيت على هذا النحو في اعتقادنا لشدّ أنظار القارئ ودفعه إلى المضيّ في اكتشاف ما سيأتي. 

تبدأ الحكاية بحركة أولى يقوم بها الزوج: “اعتاد أن يقتحم المطبخ كلّ صباح ليملأه دخانا متصاعدا من سيجارته”(11). ويبدو أنّ هذا العمل كثير التكرار وتشير إلى ذلك عبارة “اعتاد”. لكن هذه المرّة ترتّبت عنه مجموعة من الأعمال الأخرى إذ تبادر المرأة زوجها دون مقدّمات بالقول: “لقد أحسنَتْ اختيار الهديّة”(12). فيجيب هو بكلمة واحدة: “صحيح”(13). ثمّ ينتابه شيء من الارتباك. “حدّق نحوها وقد تجمّدت الدماء في عروقه. أما هي فلم تحرّك ساكنا وواصلت غسل الأواني وكأنّ شيئا لم يكن. خيّم على المكان بأسره صمت قاتل قيل فيه كلّ شيء”(14).  ثمّ نكتشف أنّ ما توهمنا أنه بداية الحكاية هو في الحقيقة الفصل الأخير منها. يعود السارد على إثر ذلك إلى الماضي القريب أي الأمس. ليفهمنا أنّ هذا الحدث يأتي تتويجا لسلسلة من الأحداث بدأت قبل ذلك بيوم.  

نتبيّن على إثر ذلك أنّ السياق هو يوم عيد ميلاد الزوجة. وهو يوم مهمّ بالنسبة إليها وإلى الأنثى عامّة. فقد كانت تلك المرأة تترقبه بشغف لعلّه يكون موعدا لكسر رتابة الحياة التي خيّمت عليها، فيعود للبيت توازنه المفقود منذ زمن. فقامت بإعداد ما يلزم من طعام وزينة في مثل هذه المناسبات، مع يقينها أنّ زوجها لا يبالي بأعياد الميلاد وغيرها من المناسبات السعيدة: “تزيّنت بفستان تحبّه يذكّرها بأيام امتلأت بالضحكات ثمّ جلست على كرسيّ أمام المرآة […] أضافت بعض اللمسات لتضفي على المكان ما يوحي بالحبّ والانسجام. لم لا ؟ بعض الشموع وزهرة ورديّة اللون على مائدة العشاء […] الموسيقى المرافقة للعشاء الفاخر الذي أعدّته، المرطبات للسهرة والمسرحيّة الهزليّة التي يفضّلها زوجها”(15). كان هذا هو وضع الانطلاق الحقيقي للحكاية. و يبدو أنَّ الأحداث تسير بشكل هادئ وبنسق تصاعدي, إذ يلي ذلك قدوم الزوج، إمضاء السهرة معا، ثمّ في آخر السهرة يقدّم إليها هديّة فتفرح بها. ونصل بعد ذلك إلى العقدة حين تكتشف الزوجة أنّ مصدر تلك الهديّة هي عشيقة زوجها: “أدركت بحدس الأنثى أنّه لم يذهب إلى المتجر. لم يشتر الهديّة. لم يكلّف نفسه عناء الاختيار. لم يدفع دينارا واحدا ولم يحترم كرامتها كزوجة أو حتّى كإنسان. عشيقته التي عادت من السفر منذ ثلاثة أيّام هي التي اشترت الهديّة الملعونة وفق ذوقها”(16). ثمّ تتوقف الزوجة تتأمّل صنيع زوجها وتفكّر في الألم الذي سببه لها. وينغلق السرد بعد هذا الحدث.        

إنّ اختيار الحكاية ينسجم إلى حدّ كبير مع جنس القصّة القصيرة حيث نجد أحداثا قليلة موزّعة على أزمنة قصيرة واكتفاء بعدد مناسب من الشخصيّات، مما يخدم الغرض الرئيس، أي عدم تشتيت ذهن المتلقّي وجعله يركّز على الموضوع. ومع ذلك نجد تشويقا في طريقة العرض حيث تصرّف السارد بشكل طفيف في ترتيب الأحداث وخرق الخطّ التصاعدي فقدّم وأخّر ولخّص دون أن يقطع الخيط الناظم الذي يلملم الحكاية أو يدخل خللا على البناء العام.  

  • جـ. اللغة:

لابدّ من الوقوف على جانب آخر مهمّ في عمليّة الإبلاغ  ألا وهو اللغة المستخدمة في الخطاب القصصي.  فاللغة هي الوسيط المشترك بين المؤلّف والمتلقّي الذي تتمّ في إطاره عمليّة الفهم، والمؤلّف كما بيّن اللغويون وعلماء التأويل لا يصنع اللغة فهي معطى سابق على وجوده، وإنما يتصرّف في بعض أجزائها خدمة للغرض الذي يسعى إلى بلوغه. 

في المستوى اللفظي نلمح تكراراً لمعنى النار حيث يتكرّر في النصّ هذا المعنى في عدد من الألفاظ من قبيل: أوقد، لهيب، تحترق، جمر يحرق، يُلهب”. وأغلب هذه الكلمات ورد في تعابير استعاريّة خارجة عن معناها الأصلي لتدلّ على شدّة وقع الخيانة على نفسيّة المرأة. ولعلّ وجود هذه الألفاظ وتكرارها في النصّ كان بتدبير من المؤلّفة. فهي تعي أنّ هذه الكلمات أقدر من غيرها على نقل إحساس المرأة في مثل هذه الحالة من أي كلمات أخرى و لأنّها أعلق بعالم المخاطب. يقابل معجم الاحتراق معجم مضادّ تماما هو البرد: الشتاء، الثلج، تجمّد..” تمّ توظيفه لرسم صورة الزوج. 

على مستوى الجملة نلاحظ استعمالا مكثّفا للجمل الفعليّة في مقابل التقليل من الجمل الاسميّة. وذلك تحقيقا لمقصد فنّي هو إضفاء طابع الحركة على النصّ مقابل التقليص من المقاطع الوصفيّة التي تستند في بنائها عادة على الجمل الاسميّة وتعطّل جريان الأحداث. فالغاية إذن دفع نسق السرد وتسريعه حتى لا يشعر القارئ بالملل.

نجد أيضا تكثيفا للصيغ الخبريّة مقابل غياب يكاد يكون تامّا للصيغ الإنشائيّة. يأتي ذلك نتيجة هيمنة السارد على الكلام في الغالبيّة العظمى من النصّ في حين يغيب الحوار المباشر بين الشخصيّات وهذا يخدم أحد مقاصد المؤلّفة أي التصوير البليغ للعلاقة الفاترة بين الزوجين, إذ يشعر القارئ بوجود مسافة كبيرة تفصل بينهما رغم وجودهما في مكان ضيّق.    

  1. ثالثاِ: على سبيل التقييم:

وقفنا في الفصلين السابقين على مقاصد التأليف والمسالك المؤدّية إلى إبلاغها للقارئ. فتبيّنا أنّ النصّ يكسر أفق الانتظار لكنّه لا يخرج خروجا نهائيا عن السياق التاريخي الذي كتب فيه. فهو يحيد فقط عن المسار الذي اتخذه الأدب التونسي في المرحلة الراهنة. فقد كان القصد في ما نعتقد  إثارة قضايا جزئيّة غير مرئيّة بالنسبة للمجتمع الذي انشغل بمشاكل سياسيّة وإيديولوجيّة وبات يترجّى نوعا من الأدب يلبّي طموحه الجديد. فحين أعادت وداد الحبيب قضايا المرأة إلى الساحة الأدبيّة لم تكن غافلة عن أسئلة العصر الحالي، بل هي تجيب بطريقتها الخاصّة. فقد بيّنت أنّ حلّ مشاكل المجتمع يبدأ من حلّ مشاكل قد تبدو بسيطة مثل العلاقة الصادقة بين الأزواج. فالرجل الذي يخون زوجته و يهمل أبسط حقوقها لا يمكن أن ننتظر منه قيادة مجتمع. إنّ تغير المجتمع نحو الأفضل يبدأ حسب رأي القاصّة من تغير سلوك أفراده داخل النواة الأولى أي الأسرة. وهذه مسألة سهلة، يكفي أن يقيم كلّ طرف اعتبارا لمشاعر الآخر ومبادلته الاحترام. كما تنبّه المرأة بصفة خاصّة من السلبيّة المفرطة في تعاملها مع محيطها. فهي المسؤولة عن تغيير أوضاعها، ولا يجب أن تنتظر حلاّ يأتيها من أي جانب. ونعتقد أنّ المؤلّفة أصابت إلى حدّ بعيد في هذا الموقف. وقد اختارت التعبير عن مقاصدها بخطاب قصصي. وهو مسلك يبدو أفضل من غيره في التبليغ إذ يمرّر تلك الأفكار الكامنة في ذهن المؤلّف بطريقة سلسلة غير مباشرة. ولضمان أقصى درجات النجاح أعطت لكلّ قسم من أقسام الخطاب العناية الكافية فأحسنت اختيار العتبات وأحكمت الربط بينها لأنها الواجهة الأولى التي تقع عليها أنظار القرّاء. فكان لابدّ من صياغتها على نحو يجعل التأثير يبلغ منتهاه. ثمّ كانت الحكاية على درجة عالية من الوضوح والاختزال والتشويق في آن واحد. فرغم بساطة الأحداث إلاّ أنّ طريقة عرضها في الخطاب فيها تلاعب بتوقّعات القارئ. فلا نكتشف الترتيب الأصلي للأحداث إلاّ في نهاية النصّ وهو ما يبقي عنصر التشويق قائما في كلّ مفاصله وهي حيلة فنّية سلكتها المؤلّفة حتى تحيط بالقارئ من جميع النواحي, كما اشتغلت بشكل جيّد على اللغة سواء في مستوى المعجم أو في مستوى الجملة والتركيب وذلك لإضفاء مسحة جماليّة على الخطاب ولكي تحفّز خيال القارئ. 

إنّ النصّ في مجملة محاولة لتصوير جوانب من الحياة أصبحت مهملة في أدبنا في ظلّ المشاغل اليوميّة للمجتمع. ونعتقد أنّ المؤلّفة وفّقت إلى حدّ كبير في تناول الموضوع و أحكمت صياغته في الخطاب, فهي رغم انشغالها بنقل هموم المرأة في المجتمع المعاصر لم تهمل العناصر التي يتطلّبها الفنّ القصصي. ولعلّ هذا النصّ والمجموعة القصصية ككلّ حجر زاوية في مشروع فنّي مازال قيد التحقّق تروم المؤلّفة تطويره ودعمه بنصوص أخرى في المستقبل.       

img_5557

الهوامش:

1 – وداد الحبيب، “ثرثرة أنثى”، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم”، تونس، 2017. 

2 – E. D. Hirsch « Validity in interpretation », New Haven Yale University Press 1967 p. 31.

3 – نصر حامد أبو زيد، “إشكالية القراءة وآليات التأويل”، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط-7، 2005، ص-29. 

4 – لمزيد التوسع في مفهوم المسالك راجع، عبد الستار الجامعي، تحليل الخطاب الأدبي فصول في النظرية والتطبيق”، عالم الكتاب الجديد، إربد، 2018. 

5 – « L’herméneutique désigne traditionnellement l’art d’interpréter les textes sacrés ou profanes. Elle est tantôt identifiée à l’exégèse ou à la philologie, tantôt comprise comme une réflexion méthodique sur la pratique de l’interprétation dans ses disciplines. Plus récemment, l’herméneutique a acquis le sens plus large d’une théorie philosophique de l’interprétation ». Jean Grondin, « Herméneutique », Encyclopédie philosophique universelle, presse universitaire de France, Paris, 1999, p. 1129.   

6-« L’œuvre de Schleiermacher marque la naissance de l’herméneutique au sens philosophique. C’est ici qu’émerge la question de proprement philosophique du comprendre pour la première fois dans sa spécificité ». Jean Greisch, « Herméneutique et grammatologie », Paris, C.N.R.S., 1977, p. 26. 

7 – Gérard Genette, «Seuils », édition du Seuil, paris, 1987. 

8– “ثرثرة أنثى”، ص-29. 

9 – “ثرثرة أنثى”، ص-29. 

10 – “ثرثرة أنثى”، ص-29.

11 – “ثرثرة أنثى”، ص-29.

12 – “ثرثرة أنثى”، ص-30. 

13 – “ثرثرة أنثى”، ص-30. 

14 – “ثرثرة أنثى”، ص-30. 

15 – “ثرثرة أنثى”، ص-31. 

16 – “ثرثرة أنثى”، ص-31. 

img_5201

المصدر وقائمة المراجع

المصدر:

  • الحبيب، (وداد)، “ثرثرة أنثى، الشركة التونسية للنشر وتنمية فنون الرسم”، تونس، 2017.

المراجع: 

  • أبو زيد (نصر حامد)، “إشكالية القراءة وآليات التأويل“، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط-7، 2005. 
  • الجامعي (عبد الستار)، تحليل الخطاب الأدبي فصول في النظرية والتطبيق“، عالم الكتاب الجديد، إربد، 2018. 
  • Genette )Gérard(, «Seuils », édition du Seuil, paris, 1987. 
  • Greisch (Jean), « Herméneutique et grammatologie », Paris, C.N.R.S., 1977.
  • Grondin (Jean), « Herméneutique », Encyclopédie philosophique universelle, presse universitaire de France, Paris, 1999.
  • Hirsch (E. D.) « Validity in interpretation », New Haven Yale University Press 1967. 

Leave a Reply