محتالون باسم القانون

شريف الحاج حسين 

رسم الفنان الفلسطيني الراحل اسماعيل شموط

من الوجع أنتجنا تراثاً ما تزال مجاميع الأمة تتغنى به حتى هذا اليوم، ومن الوجع أنتجنا أهازيج فرح.

اشتعلت الحرب العالمية الاولى وسنّت سلطات الحاكم العصملي قانون السوقيات لإجبار الشباب العربيّ على الذهاب إلى جبهات القتال البعيدة نيابة عن الأتراك لحماية هضبتهم، هذا القانون الذي جعل العربي أمام فوّهة المدافع المهاجمة من دون تدريب وبلا رحمة.

مظاهر تلك الحرب والقوانين اتّسعت لتشمل حالة من الاضطهاد عانى منها العرب، فسُلبت محاصيل المزارعين بحجة دعم جيش السلطان، وزادت الجباية، وانتشر مرض الهواء الأصفر (الكوليرا)، وساق الجندرما الشباب الى قشلات العصملي، فصار الموت حلماً للباقين على قيد الحياة، وقُتل المثقف العربي.

حاول كثير من الشباب الهرب من هذا الموت بشتى السبل، ولجأوا أحياناً ٳلى رشوة رجال الحيلة (القانون)- أجهزة الأمن في زمننا هذا-  فكان رجال القانون يقبلون الرشوة ثمّ يقومون باعتقال الشباب، و من كان يفكّر بالفرار يُعتقل ثمّ  يحاكم بالإعدام!! هذي هي روح اللاقانون. ..” لم يأت مسمّى الحيلة من عبث”. لقد كان العربي متراساً للعصملي، يتلقّف الموت والجوع والرصاص.

مشعل كان أحد الشباب الذين رفضوا الخضوع للقانون ورجال حيلته، وثاروا عليه، حاله حال الكثير من الشباب الذي شعر بالظلم. قانون أو لا قانون، لا فرق. لم ينج منه إلا الذي كان يستطيع دفع مبلغ باهظ من المال لا يتوفر إلا عند الأغنياء، أما الفقراء مثل مشعل فهم وقود حرب ضروس لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ففرّ واختبأ عن عيونهم المنتشرة في كل مكان.

ظلّ مطارداً حتى ألقى عليه القبض رجل الحيلة التركي، وساقه إلى القشلات (الثكنات العسكرية)، ثمّ نقله  سيراً على الأقدام الى جبهات القتال البعيدة في طوابير لم ترحمها تضاريس الأماكن التي مرّوا بها أو مناخاتها. لقد كان هناك قانون آخر للطبيعة.

ردّدت له حبيبته الملتاعة أغنية وداعية، وسكبت له دموع العين (سكابا)، و ما كانت هذي إلا حكاية الألوف من الشباب الذين ساقهم قانون سافر. مشعل غنّته الأم والأخت والحبيبة وانتشرت الأغنية حتّى صارت أنشودة كلّ الفارّين والمتمردين على قانون الدولة التركية، تصوّر اللوعة والحزن على فراق الأحبة الذين ماتوا أو ضاعوا أو ذهبوا ولم يعودوا.

*حكاية الأغنية ومشعل لحظة القبض عليه:

أصل الأغنية..

 يقول الشاعر الفلسطيني توفيق زيّاد أنّه التقى بمشعل الحقيقيّ في مخطوط عند أحد أصدقائه من هواة الفن خطّه أبوه و سجّل فيه بعض الأغاني التي كانت سائدة في أيامه. تحدّث النص عن مشعل الفراري وويلات الحرب وتأكد زيّاد من النص من صديقه المخضرم هاوي الفنّ الّذي سافر لأمريكا قبل الحرب العالمية الاولى وعاد بعدها، ولم يكن قد سمع بأغنية مشعل، فتفاجأ بها رغم حفظه لمعظم الأهازيج.    

  عندما اُلقي القبض على مشعل من قبل القانون التركي- الأمن والشرطة في زمننا- كان يختبئ قرب عين ماء في إحدى القرى شمال فلسطين. حاول الهرب لكنه لم يستطع، وعندما طلب محتال “القانون” منه أن يبرز الوثيقة قدّم مشعل له مجيدية ذهب ليتركه و ينصرف إلا أنه أخذ المجيدية وقال له: أنت فراري، وساقه معه وسط بكاء النساء والأطفال. من هنا نشأت أهزوجة مشعل حين أخذت أمه وأخته وحبيبته يغنّين وينُحْنَ:

عالأوف مشعل أوف مشعلاني ماني تبليته هو اللي تبلاني

انا شفت واحد واقف جنب البركة حكيته عربي جاوبني تركي

النسوان تنوح والأطفال تبكي مع مين نحكي تركي أو الماني

انا شفت القانون جاي من بعيدي جيت أهرب ما طلع بإيدي

قال لي الوثيقة.. ناولته مجيدي.. لطش المجيدي وقال لي: أنت فراري!

وقالت محبوبة مشعل من شدة لوعة الفراق:

من يوم غربتك بحبك يا روحي.. ومن يوم شفتك خفّفتلي جروحي

بوعدي ما تركتك، اشفق على روحي.. بحبي حلّفتك لا تزيد نيراني

يا خوف قلبي من الفرقة يا خوفي يزداد غلبي وللوعد ما نوفي

خايفة من الغربة تنسّي المعروفي وتنسّى حبي وتنساني وحداني

قلبي طاوعني و عيوني خانوني راح ما ودّعني وابعد عن عيوني

بعاده لوّعني يا خلق دلّوني.. ايش العمل مع أهلي وخِلّاني

ليّا هي الفتاة التي سلبتها حرب السفر برلك حبيبها مشعل، المرابعي والحرّاث عند أحد الإقطاعيين. وتقول الحكاية أنّها ظلّت وفيّة للقاء مشعل رغم غيابه، واستمرت تحمل زوادة الطعام له وتنادي عليه وتذكّره بالوعد، وعد الزواج. وهي جالسة تحت فيّة دالية بكرم العنب، كانت تترنّم  على لسان مشعل:

ليّا وليّا يا بنية يا واردة عالْمَيّة.. أمك وأبوكي قالولي بدهم يعطوكي ليّا

فتجيبه:

مشعل هيا هيا يا غالي.. ذكرك دايم عبالي.. ناطر بالكرم العالي.. انا وياك سويا 

وتروح تقول لمشعل الغائب وهو يرعى البقر ويوردها عين الماء:

  وردت علي يا الربع ومحنية الأصابع.. مشعل حراث يا مرابع رد البقر عالمية
راس البكر ربيته.. تبين وشعير غديته.. بيّك يعمر بيته.. بده يعطيكِ ليا.

  كانت تدعو الله وهي تجلس بجانب النبعة أن يرد وليفها لها، لتعود ليالي الصيف والكيف كما كانت:

 يوم السبت والجمعة كانوا معايا السبعة.. محلا القعدة عالنبعة في أيام الصيفية
مشعل مرق من جنبي ذنبك ما هو وذنبي.. بطلب من الله ربي يرد الوليف عليّ 

ليّا هي كل فتاة أرهقها الفراق ولوّعها الحنين للراحلين، ليّا هي المناضلة والرفيقة والحبيبة في كل الأزمان، منذ الزمن العثماني حتى عصر الإستعمار وصولاً للاحتلال الصهيوني الغاشم المستمر لفلسطين.

لم يحترم القانون حتى النسوة  فكان للنائحات اللواتي سكبن دموع اللوعة والفراق نصيب من الاعتقال.

(تناويح) جديدة وأحزان شكّلت معالم العصر الحديث وتراثه في بلاد العرب، مآسٍ أصبحت أشعاراً مغنّاة لقصص لن تنساها شعوب المنطقة وستبقى وسماً في تفاصيل حياتنا المستقبلية والزمن القادم كلما غنينا التراث وشدونا للوجع والحزن وحتى الفرح، فقد أصبحت العذابات لوناً من ألوان الفرح.

 عندما أخذ الجندرما مشعلاً لموت يتلقفه، وبعد أن رحل زريف الطول بعيداً للمجهول وفقدت الروزنا، تلك الفتحة المستديرة في سقوف بيوتنا القديمة، جمالها، انهمرت دموع العين سكابا. ثمّ راح الجندرما العثماني يخطف مريم ويقتلها، فصار الرجال ينوحون ويبكون مريم التي اشتاقت لها الأسطح وشعرها يلوح في هوائها (اسم آخر للكثير من النساء اللّاتي لاقين ما لاقين من عذابات)، وما تزال الحناجر تغني ما غناه زوج مريم التي خطفها العصملي، والدموع تملأ المآقي:

مريم مريمتي وعيني مرياما.. والقلب مجروح بده مرياما..

مريم يا دلي والشعر متدلي.. وعسكر عصملي خطفوا مرياما.

عندما التاعت قلوب المفارقين بالعتابا والميجنا يا ميجنا، وناحت النائحات دماً ودمعاً على المسافرين برلك بعيداً، بات البيلسان مشروبا ًفي جلسات الانتظار في أرض الدار وكل الديار!!.

Leave a Reply