بين كوفيد وعالم الاتصالات

عمّار وجيه

خيطٌ رفيعٌ بين صِدق عالم الاتصالات وخزعبلاته كما يشير إليها طبيب التخدير الأقدم وأحد أطباء “الجيش الابيض”التطوعي لعلاج كورونا 

من تداعيات عالم الاتصال الّذي لا تضبطه القيم

{بل هم في شكّ يلعبون}

إلى ما قبل عشرين عاماً، وربّما أقرب من ذلك في بعض المجتمعات، كان الصدق واحداً من أهم القيم ليس لدى المسلمين فحسب بل لدى الإنسانية جمعاء. وبالرغم من وجود سلطان للكذب والخرافة في أغلب بقاع العالم لكن بقيت للصدق والحقيقة مساحة لا يجرؤ أحد على اقتحام أسوارها، فالفتوى والقضاء والطب والرياضيات وسائر العلوم والمعارف لها أروقتها “المقدّسة” أو قل “المحترمة” التي يصعب أن يعتدي عليها جاهل أو مغرض.

فإذا أفتى المفتي بالتفريق بالبينونة الكبرى لم يسع الزّوجين أن يتراجعا، والقاضي إذا عفا أو سجن أو حكم بالتعليق على أعواد المشانق أنفذ السجّان قضاءه، و”راچيتة” الطبيب تعويذة لا قدرة للمريض على فكّ طلاسمها إلا بعد أن يتسلّم العلب الملوّنة من الصيدلي الّذي يخطّ عليها خطوطاً ثلاثة أو اثنين أو واحداً تعبيراً عن الجرعة اليومية. وهكذا كان شأن المهندس المعماري أو مهندس السيارات أوالطائرات إذ لا أحد يسأل وهو يخطو بقدميه نحو كابينة الطائرة: هل ستقلع بأمان وتوصلني إلى مبتغاي أم تهوي بي في مكان سحيق؟

الكلّ ينعم بالثقة تحت مظلّة دولة وعلم ووسائل اتصال محلية بسيطة أغلبها غافل عن اختلاق أكاذيب بالحجم الذي نراه اليوم.

في العقدين الأخيرين بين عامَي ٢٠٠٠ -٢٠٢٠ انتشرت وسائل التواصل وكُشفت عبر (غوغل) حقائق هائلة عن الكون الفسيح والكون الصغير-الأرض- والكون الأصغر –الإنسان-، إلّا إنّها صارت للأسف سبباً في كشف كل مخرجات النفس البشرية، من فكرةٍ تافهةٍ أو ساخرة أو ماجنة أو خرافة أو كذبة تطير بلمح البصر في الآفاق عبر الفيس أو التويتر أو الانستغرام أو الواتساب.

وكلما مرّ الوقت ازداد عدد الدجالين من أصحاب الأقلام والصور والمشاهد.

القلم “يفبرك” حدثاً لا أصل له، والفوتوشوب يدمج صوراً ليست حقيقية فيضع رأس ماجن على جسم تقيّ أو علم إسرائيل في غرفة مسؤول عراقي، والمونتاج يربط مشاهد فلمية لا علاقة لبعضها ببعض.

واليوم صار الواتساب واحداً من مصادر الخبر الرئيسة بل ربّما أضحى لدى المسلمين – واعذروني لهذا التعبير ولا أبالغ- كواحد من أدلّة الأحكام.

كل يوم يرسَل إليك مقطع دون تحقيق ولا اكتراث، وإذا كان للمرسل قدر من الفطنة طلب منك التوثّق من صحّة الخبر!!

الأخبار والمقاطع تنتشر انتشار النار في الهشيم. ومن سخرية القدر كما يقولون أن يرسَل إليك بعنوان (عاجل) خبر كاذب ثم تجد المنشور بتاريخ قديم مضت عليه سنتان أو ثلاث.

ثمّ انقلب السحر على الساحر، ووقعنا في شَرَك كورونا في ظرف انقسم فيه هواة النشر إلى ثلاثة أقسام: مفترٍ وناشر للفرية ومصدّق لها، ولَم يخرج من هذا الوصف إلّا من رحم ربي. وإذا بالكورونا تتحوّل عند البعض إلى وباء مسيّس، أو سلاح للحرب الباردة بين أمريكا والصين، أو وسيلة للخروج من الأزمات الخانقة لدى ترامب وبوتين، أو دعاية كاذبة لأطبّاء مفلسين، أو وسيلة للتندّر بين الشباب.

لم أجد وصفاً ينطبق على حالنا اليوم أبلغ من قوله تعالى: {بل هم في شكّ يلعبون}، إذ صار الشكّ والوهم عالماً كبيراً وسحابة كهرومغناطيسية تحيط بكوكب الأرض، وأمسى أهل العقل والحكمة في حيرة من أمرهم؛ كيف يفنّدون الإشاعات والأكاذيب وقد بلغت الملايين؟ الأدهى من ذلك أنّ الناس باتوا يلعبون ويعبثون في مستنقع الشك غير مكترثين بل سعداء ومفتونين. وكلّكم يذكر حديث الرّؤيا في صحيح البخاري، و جاء فيه:

(.. رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيانِي، قالا: الّذي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذّابٌ، يَكْذِبُ بالكَذْبَةِ تُحْمَلُ عنْه حتَّى تَبْلُغَ الآفاقَ، فيُصْنَعُ به إلى يَومِ القِيامَةِ).

هم يصنعون الوهم وفِي شَرَكِه يسقطون!

المفيد في وباء الكوفيد

أغلب شعوب الشّرق الأوسط وشمال إفريقيا من أفغانستان شرقاً وحتّى الجزائر غرباً لم تستفد من كوارثها الدّمويّة الّتي عاشتها منذ أربعين عاماً إلّا قليلاً، والسّبب أنّنا كنّا غير مؤهّلين لا للفهم ولا للإصلاح.

اليوم جاءت مصيبة جديدة تحصد الأرواح، والحاصد هو القدَر والتّسليم لله هو الأثر.

لا أنت متخاذل أمام عدوّك فتشعر بالعار، ولا تتربّص به فتأخذ بالثّار،

بل تستلم لقضاء الله وقدره.

ولو أطفأتَ نار غضبك بالطّبيب أو الممرّض أو المعين أو حتّى وزير الصّحة  فالقدرَ هو القدَر، وليس بأيدي هؤلاء القوم أن يمنعوه.

المهمّ أن نسأل أنفسنا: فهمنا أم لم نفهم؟ مستعدّون للعمل أم ما زلنا نعيش اكتئاب ملوك الكسل؟

وماذا نستفيد من صديقنا كوفيد؟

١. الانتقال من اللّامبالاة إلى الاهتمام والمبالاة. فكما نلهث للبحث عن مولّد الأوكسجين والقناني وأجهزة ضغط الرّئتين (سيپاپ CPAP) وكِمامات الأوكسجين والأكتميرا والكاليترا وغيرها لننقذ حبيبنا الّذي يعاني الاختناق، وجب اليوم علينا أن ننهض لتنهض أمّتنا.

الشّباب الّذين اعتصموا في ساحة التّحرير لا يمتلكون الحلّ، فهم صرخة غضب. أمّا أنتم أيّتها النّخب المؤمنة فبين أيديكم الحلّ وهو العمل بالوحي وأنواره.

٢. العمل بروح الفريق، و من يصرّ على أن لا يعمل بهذا المبدأ بعد اليوم فليتّخذ له صومعة ويكفّ لسانه عن العاملين. ولأنْ أعمل وأخطيء خير من أن أنزوي وأخطّيء غيري.

٣. إيجاد ثقافة العزّة والكرامة وتعزيزها، فالشّعوب الذّليلة المهزومة لا تصنع دولة.

٤. العودة الجادّة إلى الزّراعة والصّناعة والإنتاج، فَلَو كنّا ننتج لكنّا صنعنا أجهزتنا بربع السّعر الّذي ندفعه لاستيرادها.

بالله عليكم، هل يعقل أن يُضطرّالمريض لشراء جهاز توليد أوكسجين صينيّ المنشأ (نخب ثاني أو ثالث) بـ١٢٠٠ دولار ولو صنعناه لمّا كلّفنا أكثر من ٢٥٠ دولاراً؟

٥. ثبت أنّ الأرجح عقلاً من يجمع بين الدّين والعلم مع التّواضع و حُسن الخُلُق، فكم من أنصاف المتعلّمين من اشتطّ في تفكيره وتهاون حتّى وقعت مصيبة الوباء؟

لذا فمن المهمّ ان نصطفّ حول علماء الدّين وعلماء الدّنيا الحقيقيّين وأن نكفّ عن الخرافة والإشاعة.

٦. وتبقى النّصيحة الأخيرة

– أن أضع خدّي على التّراب

– وأذلّ ذاتي المتكبّرة تحت عزّة ربّ الأرباب

– وأتضرّع: رحماك يا رحيم

– يا توّاب، تب علينا وارفع عنّا الوباء والبلاء والغلاء فقد أُوصِدَت جميع الأبواب إلّا بابك.

Leave a Reply