سرُّ الوجود

غادة عريم

اللوحة للفنان علي رضا سعيد

بدأت دموعها تنهمروهي في مطبخ مركز رعاية الكبار الّذي تعمل به، كسيل يجرف معه تعب السنين. ظنَّ الجميع أنَّ سبب ذلك تحسّسها من تقطيع البصل إلّا إنّها كانت تعلم علم اليقين أنّها كلما قطعت البصل تبدأ دمعة جديدة بالنزول فتستدعي كلَّ الدمعات القديمات وتعيد لهنَّ الحياة. دمعٌ جُمِع من ملح الحياة الّذي تسبَّب بألم حرقة جروحها ومن مجرى مياه جرفتها مع الأقدار.

لقد تقدّمتُ خطوات كبيرة -قالت لنفسها- وقطعتُ شوطاً كبيراً، وكان الجَلَد والصبر طريقاً لي على الرغم من الطبع القلق الذي ما زال يرافقني في سنوات عمري التي عشتها. لكنّني 

 أودّ لو أستطيع العودة إلى سنواتي الماضية وأمحو منها انتكاساتي بعد أن وصلت إلى حريتي.

عادت الى واقعها في مطبخ دار رعاية الكبار على أثر صوت زميلتها وهي تسألها سؤالاً عرضياً:

– ما سبب طلاقك، وقد عشت أجمل قصة حبّ؟ هل هو مزاج متقلّب؟ 

– لا تصدّقي أنّه من السهولة على امرأة أن تتخلّى عن حياة مستقرّة و عمّا هو مضيء من أعوامها، إلا لتجد في ركام هذه الفوضى ما فقدته في عمق إحساسها أو ما سرقه الزمن منها. وتداركت: ولماذا نلوم الزمن؟

  أنا وأنتِ السبب.

 نحن من نقدّم للآخرين سلاسل تقيّد أرواحنا و لا نعي ما نعمل إلّا بعد حين. 

لقد اكتشفَتُ سرّ الوجود.

أنهت عملها و توجّهت إلى المنظّمة النسائية التي طلبت منها أن تتحدّث في يوم المرأة عن كتابها الذي نُشر في العام المنصرم حول تناقضات النساء والذي تناول قصة حياتها. وقد جنى الكتاب ربحاً عالياً، ولكنّها لم تترك عملها في مطبخ المسنّين ولم تشتر بيتاً كبيراً في تلك الدولة الأوربية التي تقطنها، بل أشترت مبنى في بلدها الأمّ وحوّلته إلى مدرسة للبنات اللاتي فقدن عوائلهنَّ في الحرب حتّى لا يبقين تحت رحمة أقاربهنَّ أو زواج قسريّ، وجعلت للمدرسة نظاماً خاصّأً وكأنّه عالم آخر تتخرّج منه الفتيات نساءً مستقلّات.

في نهاية يومها استلقت وبدأت تعود إلى سنوات بعيدة إلى لحظة اختارت الزواج بمن تحبُّ، الرجل الذي تحدّت العائلة لتعيش معه ونسيت كلَّ طموحها حين طلب منها أن تترك عملها وتتفرّغ للبيت والأطفال. و توالت السّنون عليها دون أن تقول لا أو تعترض، فقد كانت المشاعر هي الطاغية على عقلها فحوّلتها الى (عبدة) خادمة مطيعة في النهار وعاهرة مستسلمة في الليل. 

كانت تحتسي الفراغ نبيذاً معتّقاً، تشعل شموع الأمل كلّ يوم عند عودته مائدة عامرة تجيد ترتيب صحونها وتضع أمامه كلّ ما يحبّ . تنتهي الشموع ويبرد العشاء ليعود لها متخماً شبعاً. تلملم الطاولة مع خيباتها وتنام. في الصباح تبتسم له لعلّه يرى لون شعرها المميز، حيث أجادت إخفاء ما غيّره تقادم العمر. لكنّها لا تتلقّى أيّ تعليق ولا كلمة إعجاب .  كانت تحتفظ بكلّ أوراقه و الهدايا الّتي حصلت عليها في كل المناسبات.  لا تتجرّأ أن تعلم أين يغيب وهي تشمّ رائحة عطر نسائيّ. يتجنّب أسئلتها و نظراتها. حتّى قرأت يوما مراسلاته مع عشيقته وهو يتحدّث عنها و عن برود مشاعرها. 

لم تفكّر يوماً أنّها تخسر أحلامها. قامت الحرب التي أجبرتهم على ترك البلاد الى بلد أوربي و هي في الثالثة والثلاثين من عمرها. لقد مرّت عليها عشر سنوات وهي على الوتيرة ذاتها: مطيعة خانعة لزوجها ولولديها. لكنّها سرعان ما بدأت ترى العالم بعيون أخرى حين اكتشفت أنّها يمكنها أن تقدّم اكثر. يمكنها أن تدرس في بلاد تختلف فيها القوانين عن بلادها. 

جُنَّ جنون زوجها الحبيب لهذا القرار فتقشّر عن ذلك الرجل الهادئ وحش شرس ضربها ومزّق أوراقها التي تقدّمت بها للدراسة الجامعية. دامت الحرب الشرسة بينهما خمس سنوات إلى أن حصلت على الطلاق وتعدّت مرحلة الخنوع إلى مرحلة النبوغ. نسيم الحرية هبّ عليها تناسقت معه أجنحة أحلامها المحلّقة. فثارت عليها العائلة و كلّ من يعرفها يدافع عن زوجها، حبيبها وأبي أولادها. اتّهامات بوجود عشيق لها وأخرى بتقليدها لنساء أوربا.

 الأمر بسيط جداً، إنَّ الخنوع والطاعة يخفضان مستوى البصر نحو الأقدام فتتبعه الأجساد مطيعة لأنّها غير قادرة على رفعه نحو السماء و التحليق عالياً، لتبقى الصورة مبهمة . الجميع يتّهم المرأة بالتشبّه بالأوربيات حين تطلب الانفصال وتتغيّر ولا أحد يقول إنّ السبب هو كسر قيود الطاعة و اتّخاذ القرار. هذه كانت آخر كلماتها في خطاب جمعيات المرأة الذي تناول كتابها.

المرأة بين الحقيقة والخيال تشبه افراد الشعب الذين يستعبدهم الرئيس،الشّعب الذي يخنع للظلم وسيطرة الحاكم و يلبس القيود برغبته و بكامل إرادته. المدينة الحرة بأعماقنا، ومن تمنّى وغرق في الأحلام كمن تمنّى الخلود بعد الممات وعاش الحياة في عذاب وهو راضٍ.

Leave a Reply